الاحداث- كتبت سلوى بعلبكي في صحيفة النهار :"يحمل الوفد اللبناني برئاسة وزير المال ياسين جابر إلى واشنطن للمشاركة في اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، تداعيات الأزمة المالية العميقة وآثار الحرب المستمرة على لبنان التي أعادت ترتيب الأولويات الاقتصادية والإنسانية في البلاد. لذا من البديهي أن يتصدر طلب المساعدات الدولية جدول أعمال الوفد، باعتباره حاجة ملحة لمواجهة كلفة الدمار الواسع وأزمة نزوح تقارب المليون مواطن. يعكس هذا الواقع تحولا في مقاربة الدولة اللبنانية، إذ لم يعد التفاوض مع صندوق النقد مسارا تقنيا منفصلا، بل بات مدخلا أساسيا لفتح قنوات الدعم الخارجي وإطلاق مسار إعادة الإعمار.
توازيا، يستكمل الوفد مباحثاته مع صندوق النقد، وسط تأكيدات رسمية أن المفاوضات لم تتوقف، بل تجرى بوتيرة مكثفة، إذ كشف المدير العام لوزارة المال جورج معراوي لـ"النهار" أن التواصل مع الصندوق يتم يوميا، وأن لبنان بلغ مرحلة متقدمة تقنيا، إلا أن التوقيع النهائي لا يزال مؤجلا في انتظار استكمال الشروط المطلوبة.
صندوق النقد الدولي
وبحسب المعطيات، أنجزت الحكومة جزءا أساسيا من التزاماتها، ولا سيما إعداد خطة مالية تمتد لـ5 سنوات، إضافة إلى إحالة ملفات محورية على مجلس النواب، من بينها قانون الفجوة المالية. غير أن هذه الخطوات لم تستكمل تشريعيا، إذ لا يزال قانون إعادة هيكلة المصارف في حاجة إلى تعديلات وإقرار، كما لم يحسم النقاش حول آلية توزيع الخسائر، ما يشكل العائق الرئيسي أمام إقفال الاتفاق.
وتزداد هذه التعقيدات بفعل المتغيرات التي فرضتها الحرب، والتي أدت إلى إسقاط جزء كبير من الفرضيات التي بنيت عليها الخطط السابقة. فارتفاع حجم الخسائر واتساع العجز المالي يفرضان إعادة صياغة الخطة المالية على نحو شامل، بما يأخذ في الاعتبار كلفة إعادة الإعمار والحاجات الاجتماعية المتزايدة، علما أن المعطيات تشير إلى أن الخطة المالية أصبحت شبه جاهزة تقنيا، إلا أنها تتطلب مراجعة كاملة، في ظل تغير الأرقام كليا بعد الحرب.
وعلى رغم استمرار العمل التقني مع صندوق النقد، يبقى التقدم رهينة عوامل داخلية، أبرزها بطء المسار التشريعي وغياب التوافق السياسي حول ملفات حساسة، في مقدمها توزيع الخسائر في القطاع المالي. كذلك لا يزال أفق المساعدات الدولية غير واضح، في ظل ربط الجهات المانحة أي دعم مالي واسع بإبرام اتفاق رسمي مع الصندوق، من دون تقديم التزامات مسبقة.
إلى ذلك، تؤكد مصادر متابعة أن المفاوضات مع صندوق النقد وصلت إلى مراحل متقدمة، مع استمرار العمل على استكمالها، رغم بقاء عدد من الإصلاحات المطلوبة على صعيد المالية العامة ومصرف لبنان قيد الإنجاز. وتشير إلى وجود تقارب في وجهات النظر حول معظم هذه الإصلاحات، إلا أن التطورات الأخيرة، ولا سيما الحرب، أدت إلى تأخير المسار وإعادة خلط الأرقام المالية.
وتلفت المصادر إلى أن الوفد سيطلب مساعدات مالية كجزء أساسي من الحل، سواء من البنك الدولي أو من مؤسسات التمويل الدولية، على شكل قروض وهبات، مع تركيز خاص على دور البنك الدولي في هذا الإطار.
وفي ما يتصل بالإصلاحات المالية، تبرز مسألة إعادة النظر في قانون إعادة هيكلة المصارف، في ضوء ملاحظات جدية أبدتها بعثة صندوق النقد الدولي، يتوقع أن تطرح بصيغتها النهائية في حال إعادة إدراج القانون.
ويبرز أيضا تحدّ أساسي يتعلق بقابلية تطبيق خطة معالجة الفجوة المالية وحجم السيولة المطلوبة. فبحسب تقديرات صندوق النقد، تبدو الخطة مقبولة نظريا، إلا أن تطبيقها يصطدم بواقع السيولة المتاحة، إذ يجمع الكل، بالتوافق مع مصرف لبنان، على صعوبة تنفيذها بصيغتها الحالية.
ووفق المعلومات المتوافرة، فإن المشكلة الأساسية تكمن في عدم توافر سيولة كافية لتسديد 100 ألف دولار لكل مودع خلال 4 سنوات. وتطرح بدائل، من بينها خفض المبلغ أو إعادة جدولة المدفوعات بما يتيح تنفيذا تدريجيا، لا سيما أن مساهمة الدولة، حتى وفق الطروحات الحالية، تبقى محدودة.
فجوة بـ5 مليارات دولار!
في هذا السياق، يجري تداول حل توافقي يقضي بالاعتراف بنحو 16.5 مليار دولار كدين على الدولة تجاه مصرف لبنان، على أن تصدر الدولة سندات لمصرف لبنان بفائدة لا تتجاوز 3%، أي ما يقارب 450 مليون دولار سنويا، ما يعني أن مساهمة الدولة خلال 4 سنوات لن تتجاوز الملياري دولار.
في المقابل، تقدَّر الأصول الصافية لمصرف لبنان (بعد استبعاد أموال الدولة) والتي تعود إلى المودعين حصرا (ولن تستخدم للدعم أو لتمويل الدولة ولو بدولار واحد، كما يؤكد مصرف لبنان دائما)، بأقل من 8 مليارات دولار، فيما تراوح أصول المصارف بين 5 و6 مليارات دولار. أما كلفة تسديد 100 ألف دولار للمودعين، فتقدر بنحو 20 مليار دولار حدا أدنى خلال 4 سنوات، في حين لا يتوافر فعليا أكثر من 15 مليار دولار حدا أقصى، ما يترك فجوة تمويلية تقدر بنحو 5 مليارات دولار. ومعلوم أن ثمة من يطرح موضوع بيع حزء من الذهب لتسديدها للمودعين حصرا، ولكن لا توافق سياسيا على ذلك حتى الآن.
في ضوء ذلك، تبدو زيارة واشنطن محطة مفصلية في مسار لبنان الاقتصادي، حيث يسعى إلى تثبيت جديته الإصلاحية من جهة، وحشد الدعم الخارجي من جهة أخرى، في لحظة تتطلب توازنا دقيقا بين ضرورات الإنقاذ الفوري ومتطلبات التعافي الطويل الأمد. غير أن هذا المسار يبقى، وفق ما تؤكد المصادر عينها، مفتوحا على احتمالات متعددة، مرهونة بقدرة الدولة على استكمال الإصلاحات، وبمسار التطورات السياسية والأمنية، وما قد تفضي إليه هذه الزيارة من مؤشرات حول اتجاهات الدعم الدولي وإمكان الانتقال من مرحلة التفاوض إلى التنفيذ.