الاحداث- كتب رضوان عقيل في صحيفة النهار يقول:"لم يقتنع أكثر النواب أثناء مناقشاتهم في اللجان النيابية أو المشتركة بأنهم سيصلون الى إقرار قانون الـ"كابيتال كونترول"، حيث يتعاطى معه كل فريق انطلاقاً من مصالحه الخاصة.
ولو كانت تحكم البلد سياسة المؤسسات لتم السير بهذا القانون وتقديمه على كل القوانين والمشاريع في الأسبوع الاول من أيلول 2019 عندما ظهرت أكثر من إشارة في المصارف إلى أن سيولة العملات الاجنبية في خزائنها الى تراجع. وكانت حلقة المحظيين من المودعين يهرّبون أرصدتهم الى الخارج في عمليات "خطف مالية سريعة" ومن دون الحاجة الى اطلاع مصرف لبنان عليها ما دام القانون يسمح لأصحاب هذه الرساميل من سياسيين وغيرهم من كبار القوم في الجمهورية بنقل أموالهم الى مصارف خارج لبنان حيث انعدمت المسألة الاخلاقية وحس المسؤولية الوطنية ليترك المودعون لمصيرهم من صغار وكبار لا فرق في معمعة الوعود من نوع أن ودائعهم في الحفظ والصون.
لم ينته انعقاد جلسة اللجان النيابية الاخيرة الى أي عناصر مطمئنة مع اعتراف أكثر من نائب بأن لا إرادة حقيقية تشير الى التوصل الى هذا القانون في مثل هذه الظروف. ولم يكتمل مشهد تلك الجلسة إلا بإقدام نائب رئيس المجلس الياس بو صعب على الطلب من نائب الحاكم ألكسندر مراديان مغادرة الجلسة لعدم حضور الحاكم رياض سلامة. ولاقى تصرّف بو صعب اعتراضاً من أكثر من نائب حيال الرجل وهو لم يستطع هذا الفعل لو حضر أحد نواب الحاكم الشيعي أو السني أو الدرزي للأسباب المعروفة لكن جرى استغلال مراديان وانصياعه للمغادرة. ويقول نائب لـ"النهار" إن بو صعب "كان يريد حضور سلامة من أجل أن ينصب له كميناً أمام النواب وليخرج بطلاً أمام الوسائل الإعلامية لاستمرار الفريق العوني في حملته على الحاكم. ولا يعني هذا الكلام أن لا أهمية لاستماع النواب الى حاكمية مصرف لبنان حيال الكابيتال كونترول، إلا أن سياسة الاستعراض التي يمارسها نواب من تكتل لبنان القوي لم تعد صالحة. فكيف بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون".
ويقول متابعون، ليس من باب الدفاع عن سلامة، إنه "حر في النهاية إذا قرر الحضور أو عدمه أو كلف ممثلاً عنه وهو في النهاية رئيس السلطة النقدية في البلد"، وفي إمكان مجلس النواب إجبار وزير على حضور جلسة نيابية، وفي حال تخلفه يمكن للبرلمان طرح الثقة به، الأمر الذي لا ينطبق على الحاكم ونوابه الأربعة إلا إذا ارتكب أحدهم مخالفة فتعمد الحكومة عندها الى محاسبته وصولاً الى إقالة أحدهم من منصبه. وما فعله بو صعب مع مراديان "غير مقبول" بحسب مصادر نيابية. وثمة من يرى هنا أن التهذيب الزائد عند مراديان لم يدفعه الى الرد وكان عليه أن يخاطب بو صعب هنا بأنه يمثل مؤسسة البنك المركزي لا شخص سلامة. وسبق أن تعرّض نائب الحاكم سليم شاهين في إحدى الجلسات لهجوم شخصي من أحد النواب. ويقول متابعون هنا في معرض ما حصل في جلسة الاثنين: "هل يمكن بو صعب أن يقدم على ما فعله حيال مراديان مع ممثل لقائد الجيش لو كانت الجلسة تناقش مشروعاً يتعلق بالمؤسسة العسكرية التي ترسل ضبّاطاً يمثلون قائدها".
في غضون ذلك يبدو أن الـ"كابيتال كونترول" سيتنقل في رحاب البرلمان من جلسة الى أخرى على غرار التعاطي الحاصل معه على مدار آخر ثلاث سنوات حيث لم تتبلور بعد مواقف جدّية تشير الى اقتراب إقراره ولو في ولادة قيصرية لأن أكثر النواب يتعاطون مع هذا الملف وغيره على شكل "مياومين" لا مشرعين حقيقيين حيال ملف على هذه المستوى من الحجم والاهمية ولا سيما أنه محلّ تتبّع السواد الأعظم من المودعين اللبنانيين والعرب والاجانب الذين لم يتلمّسوا بعد "خريطة طريق" تؤدّي الى إمكانية الحصول على ودائعهم ولو في السنوات المقبلة مع بروز انقسامات واضحة في صفوف روابط المودعين حيث تحرّك بعضهم أصابع سياسية.
ويتحدث مراقبون هنا عن تعاطي حرصاء مع الودائع و العمل على إقرار الـ"كابيتال كونترول"، إلا أن كثيرين في المقابل يمارسون شعبوية مفضوحة من نواب وسياسيين يحملون لواء حماية المودعين أمام الجمهور ووسائل الإعلام من دون قدرتهم على تحقيق الهدف الذي يسعون الى تحقيقه بسبب استعمال أسلوب ردات الفعل. وفي الإمكان بحسب متابعين إقرار هذا القانون المنتظر إذا تضافرت جهود نيابية حقيقية والتوصّل إليه قبل مشروع إعادة هيكلة المصارف. وستكون الاخيرة مسؤولة بالطبع عن حركة السحوبات وإجراء التحويلات. وأمام هذه المراوحة يصل مسؤول الى القول إنه لم يعد عنده جواب: لماذا لم يتوصّل البرلمان بعد الى إقرار الـ"كابيتال كونترول" ولا تحديد سعر الدولار الجمركي.
وفي المناسبة فإن مصر لجأت الى اعتماد الـ"كابيتال كونترول" في السحوبات ونسبة تحريك الودائع في مصارفها من دون كل هذه الضجة في لبنان وتخبط كتله النيابية وأحزابه. ويبقى الفرق بين البلدين وجود قرار واحد في القاهرة تطبّقه مؤسسات الدولة بينما يوجد في لبنان أكثر من قرار وأكثر من رأس وزعيم وسلطة وسط كل هذه المساحة من الفوضى في جمهورية لم يبقَ منها إلا الاسم.