الاحداث - إثر الانتخابات الرئاسيّة، يحمل التصويت الشعبيّ مؤشرات مقلقة بالنسبة للديمقراطيّين، على الرغم من فوز مرشّحهم جو بايدن، بعد تقدمه الكبير في أصوات المجمع الانتخابيّ.
فقد حصل الرئيس المنتخب حتى الآن على نسبة 50.8 بالمئة من الأصوات، مقارنة بنحو 47.4 بالمئة صوتوا لصالح الرئيس دونالد ترامب، وهي أفضليّة بنحو 5 ملايين صوت، من المرجح أن تزداد مع استمرار فرز الأصوات في معاقل الديمقراطيين، مثل كاليفورنيا ونيويورك.
تعدّ الأصوات البالغة 77.5 مليون صوت لبايدن حتى الآن،ّ هي الأكبر لأي مرشح فائز، كما أنّ 72.3 مليون صوت حصل عليها ترامب هي الأكبر لمرشح خاسر.
هذا ويتوقع الخبراء أن يتفوّق هامش فوز بايدن على تقدّم الرئيس السابق باراك أوباما بنسبة 4 نقاط مئوية في التصويت الشعبيّ عام 2012، فقد كان فوز أوباما الساحق عام 2008 -بهامش 7 نقاط مئويّة في التصويت الشعبي- أكبر فوز في الانتخابات الأخيرة.
لكن ما يقلق العديد من الديمقراطيين، الفجوة المتزايدة بين عدد الأصوات الشعبيّة وقوتهم السياسيّة، فقد يفوزون بمزيد من المؤيدين، لكن طالما أنّ هذه الأصوات تتجمع على المناطق الساحلية أو في المدن والضواحي، فلن يحققوا انتصارات في الكونغرس، يحتاجها الحزب لسنّ سياساته.
هذه الفجوة في السلطة واضحة بشكل خاص هذا العام، ففي حين تحصل بايدن على هوامش فوز تاريخيّة، فقد الديمقراطيون 8 مقاعد على الأقل في مجلس النواب، وفشلوا في الحصول على مجلس إحدى الولايات، وفي الواقع فقدوا السيطرة على الهيئة التشريعيّة، كما فشلوا في استعادة السيطرة على مجلس الشيوخ، حيث تتراكم آمالهم الآن على الفوز في إعادة فرز الأصوات في جورجيا، مما يعتبر صعودًا شاقًا للحزب.
قالت الخبيرة الإستراتيجية الديمقراطيّة الليبراليّة ريبيكا كاتز لـ"أسوشيتد برس"، إنّ "هناك تحديًا هيكليًا هائلا يواجه غالبيّة الأميركيين، يتمثل في أيّ سلطة سياسيّة سيحصلون عليها في أيّ وقت قريب. إنها مشكلة".
وسواء كانت مشكلة أو اختبارًا ضروريًا للسلطة، فهي نقطة جدال.
فقد أنشأ مؤسسو أميركا نظام حكم قائمًا جزئيًا على الجغرافيا، فعلى سبيل المثال ولاية وايومنغ، التي يبلغ عدد سكانها 500 ألف نسمة، بها عدد مماثل من أعضاء مجلس الشيوخ مثل كاليفورنيا، التي يقطنها 39 مليون نسمة.
وتمنح مقاعد مجلس النواب بناء على عدد السكان، لكن يمكن ترسيم الدوائر لتخفيف تأثير أنواع الناخبين، ويتمّ الفوز بالرئاسة من خلال حشد غالبية الناخبين المخصصين للولايات.
من جهته، قال الخبير الإستراتيجي الديمقراطي المخضرم سيمون روزنبرغ، إنّ "السلطة لا يتمّ تحديدها من خلال التصويت الشعبيّ. ما يتعيّن علينا تحسينه ليس مجرد الفوز بمزيد من الأصوات، لكن الفوز بأقسام أكثر في كل ولاية وفي المزيد من الولايات".
ويتزايد التفاوت مع ازدياد الاستقطاب في البلاد.
وعندما انتصر جورج بوش الابن بالرئاسة عام 2000 من خلال فوزه بأصوات المجمع الانتخابي رغم خسارته في التصويت الشعبي، كان ينظر إلى الأمر على أنه ضربة حظ.
وأعيد انتخاب بوش عام 2004 بنسبة 50.7 بالمائة من الأصوات الشعبية، لكن الديمقراطيين فازوا بالأصوات الشعبية في كل انتخابات رئاسية منذ ذلك الحين، بما في ذلك في عام 2016، عندما فازت الديمقراطية هيلاري كلينتون بنحو 2.9 مليون صوت إضافي، لكنّها خسرت الرئاسة أمام ترامب بعد أن خسرت بفارق ضئيل الولايات المتأرجحة، ولم تفز بأغلبية أصوات المجمع الانتخابي.
هذا وأدى الاستقطاب في عهد ترامب إلى تسريع الانقسام، حيث كان أداء ترامب جيدًا مع الناخبين البيض، وتحديدًا الناخبين البيض الذين لم يتخرجوا من كلية مدتها 4 سنوات، وهي مجموعة موزعة بالتساوي إلى حد ما في جميع الولايات الخمسين.
في الوقت نفسه، حقق الديمقراطيون مكاسب في أوساط خريجي الجامعات، الذين يتجمعون على الأرجح في المدن، وفي ولايات مثل ماساتشوستس وكولورادو.
وهناك حصن آخر للتحالف الديمقراطي، هم الناخبون من السود واللاتينيين وغيرهم من الأقليات العرقية، الذين يتجمعون بالمثل في مدن وولايات معينة، وأقل تمثيلا في مجموعة واسعة من الولايات الريفية التي تساعد على منح الجمهوريين تفوقهم الجغرافي.
وكانت النتائج في منتصف المدة عام 2018 واضحة بشكل خاص، حيث فقد الديمقراطيون قواعدهم في مجلس الشيوخ حتى عندما حصلوا على 41 مقعدًا وفازوا بالسيطرة على مجلس النواب.
ومن السهل رؤية كيف تعمل الديناميكية في الحملات الانتخابية.
وانتقد ترامب مرارًا ولايات ديمقراطيّة مثل كاليفورنيا ونيويورك، والمدن التي يسيطر عليها الديمقراطيون خلال فترة رئاسته وخلال حملة إعادة انتخابه، فيما جادل بايدن، الذي لم يستطع الفوز بمجرد مناشدة الأماكن التي كان حزبه قويًا فيها، بالقول إنّ البلاد بحاجة إلى الوحدة ووقف الخلاف.
وتزعج الفجوة المتزايدة بين الأغلبيّة ومن هم بالفعل في السلطة، حتى أولئك المستفيدين منها.
من جهته، قال المحلل الإستراتيجي في الحزب الجمهوري في العاصمة واشنطن ليام دونوفان، إنّه "يمكن للجمهوريين أن يكونوا عفويين فيما يتعلق بهذا الوضع لأنه يعمل لصالحهم، لكنني لا أعتقد أنّه حل جيّد على المدى الطويل"، وأضاف: "من أجل مصلحة الحزب والدولة على المدى الطويل، عليك أن تأمل ألا تربح بالكاد مع تراجع القاعدة".
مع ذلك، فإنّ الأداء القويّ للجمهوريين في المجالس التشريعيّة بالولايات يجعل من المحتمل أن يتمكنوا من تحقيق مكاسب خلال عملية إعادة توزيع الدوائر الانتخابيّة المقبلة التي تجري مرة كل عقد، من خلال رسم خطوط لمقاطعات الولاية والكونغرس التي تحشد الناخبين في الدوائر التي تفضل الحزب الجمهوري.
وساعد فوز الحزب الساحق في عام 2010 خلال أول انتخابات نصفية في فترة ولاية أوباما على تحقيق ذلك على مدار العقد الماضي.
وقال دونوفان: "سيكونون قادرين على ترسيخ هذا الأمر لعقد جديد. فهم يكتشفون طرقًا جديدة لتوطيد السلطة مع الأقلية من الناخبين".