الأحداث - كتب ابراهيم بيرم في صحيفة النهار يقول : ماذا بعد؟ ما هو شكل الأسوا الآتي ولا ريب؟ واستطراداً، لماذا تضيع فجأة جهود الحل وهي ما برح في بداياتها؟ ولماذا سرعان ما تتبدد أفكار المعالجة وتتبخر مبادرات التسوية وهي ما انفكت في بواكيرها ؟ والسؤال الأكبر الفارض نفسه: هل انسدت بإحكام أفق الانفراج الحكومي الواعدة؟
عناوين سريعة لأسئلة أكثر عمقاً واتساعاً عن واقع أكثر تأزماً تشي كل معطياته لحد الآن بالاحتمالات السوداوية لا سيما بعد التراجع اليومي الحاصل في قيمة العملة الوطنية وتآكل للقيمة الشرائية للمداخيل.
والمعضلة أن أحداً لا يملك القدرة والجرأة على الاجابة الحاسمة والمفيدة، فالكل يتهرب من المسؤولية ويلقيها على عاتق خصومه. ويعزو عضو كتلة التنمية والتحرير الوزير السابق ياسين جابر السبب الى ان غالبية المعنيين من مسؤولين وقوى يصرّون على العيش في حال إنكارٍ لحجم التردي الحاصل ولما يمكن ان يتداعى عنه من مظاهر اكثر سوءاً وأكثر إيلاماً للناس في زمن لم يعد بالبعيد.
وقال في حديث لـ" النهار": "لقد تعمدتُ في الاسبوع الماضي ان أتطلع ملياً بصورة الاجتماع الذي انعقد الاثنين الماضي في قصر بعبدا بدعوة من رئيس الجمهورية وبرئاسته، وأنا كما سواي تفاءلت كثيراً بعدد المشاركين وبنوعيتهم وكونهم يمثلون صفوة القيادة والمسؤولية في البلاد وفي يدهم الحل والربط بقضايا الاستقرار المالي والاجتماعي فضلاً عن الأمني، واعتبرت كما كثيرين غيري أننا امام مشهد استثنائي وأن علينا ان نرتقب فعلاً استثنائياً من شأنه ان يساهم في الحد من التدهور. ولكنني ومع تقديري للحاضرين، فجعت بنتائج الاجتماع وبلا جدوائية القرارات الصادرة عنه".
ويضيف جابر: "من غير المعقول ان يتمخض اجتماع بهذا المستوى عن قرارات بملاحقة الصيارفة تحت عنوان وقف التلاعب بأسعار الدولار. فلم يمض إلا أقل من 24 ساعة حتى شهدنا جميعاً كيف علا سعر صرف الدولار وتراجعت أكثر قيمة العملة الوطنية بعيد اختفاء الصيارفة، وأقول ليس بمثل هذه الاجراءات والتدابير الخفيفة والمتعجلة تجري عملية الدفاع عن قيمة العملة الوطنية، وهذا نموذج عن مسار طويل وأداء غير موفق لمعالجة الأمور. والمشكلة ان أحداً لا يريد ان يقر ويتعلم من الاخطاء .وللأسف ثمة من لا يزال مرتاحاً الى حال الإنكار هذه. واختصاراً أقول إنّ هناك من مرّ بمثل معاناتنا ولكنه قطعاً سلك طرقاً أنجع للمواجهة والمعالجة".
ورداً على سؤال، قال: "مثال آخر على الانكار الذي نتحدث عنه يتجسد في اجتماع اللجان النيابية المشتركة (المقرر اليوم) لدرس طلب السلفة المالية المقدم من مؤسسة كهرباء لبنان والمقدر بـ 150مليار ليرة. وهذا يعني إصراراً آخر ايضاً على تجاهل اصل المشكلة المزمنة في هذا القطاع. علمًا انه سبق الاجتماع نوع من التهويل والابتزاز عبر التحذير بدنو موعد العتمة الشاملة والهدف تعطيل اي نقاش جدي حول موضوع السلفة والمضي في سياسة الابتزاز المتبعة منذ سنوات والتي زادت الاعباء على المالية العامة ولم تبعد شبح العتمة والأزمة اطلاقاً ولم تنهِ معاناة الناس في هذا القطاع".
وهل يخشى فعلاً، وهو المتمرس بالنيابة والوزارة منذ اكثر من 15 عاماً، من ان تستفيق البلاد يوماً لتجد نفسها امام خطر حرب أهلية جديدة حسب ما يحذر كثر؟
يجيب: "ليس بالضرورة ان نلج أتون حرب اهلية على غرار ما شهدنا عام 1975ولكننا وللاسف نقترب من حال فوضى وفلتان واهتراء لمؤسسات الدولة وهيبتها على نحو يضارع ويماثل الحرب الاهلية بنتائجها الكارثية التي نعرف. ومثال ذلك في ما سجلته التقارير الأمنية قبيل ايام قليلة عن عراك جرى داخل إحدى السوبرماركات على كيس أرز او علبة حليب مدعوم في منطقة ثم تدحرج الامر في منطقة اخرى الى حدود الهجوم والاقتحام لسوبرماركت وتحطيمها بذريعة انها تحتكر مواد غذائية مدعومة ولا تبادر الى عرضها امام الزبائن. وبديهي ان يأخذنا الخوف والخشية الى احتمال ان تزداد وتيرة أعمال السلب والسرقة والتعدي اذا ما استطالت الازمة وعم التأزم وتآكلت قيمة المداخيل".
ورداً على سؤال آخر قال جابر: "وضعنا اشبه ما يكون بوضع الشخص الذي ألقى بنفسه او أُلقي به من اعلى ناطحة سحاب وهو لم يزل في حال سقوط ولم يرتطم بعد بالارض لكي يكون بإمكاننا ان نقدّر حجم الكارثة وسعة المأساة المنتظرة. واستنتاجاً أقول اننا في لبنان ما زلنا في حال السقوط ولم نبلغ بعد قعر الهاوية والمأساة الموجعة".
وعن مصير المبادرة الجديدة التي أعلن أخيراً ان رئيس مجلس النواب نبيه بري قد أطلقها بغية إنهاء مأساة الفراغ الحكومي المستمرة منذ آب الماضي؟
أجاب: لا ريب ان دولة الرئيس بري جادّ كل الجد في المسيرة الرامية الى معالجة عاجلة للموقف عبر انهاء الفراغ الحكومي الذي طال كمدخل لازم لوقف التدهور أولاً، لكن المشكلة حسب تقديري تتعدى حدود عروض الحل مبادرات التسوية فهي تتجسد في الآتي:
_ هذا الإنكار والتعنت الحاصل لواقع الأزمة كما أوردنا آنفاً
_ غياب الارادة الجادة للحل عند المعنيين إذ ما معنى مثلاً ان يصدر عن قصر بعبدا بعد وقت قصير على الاعلان عن مبادرة الرئيس بري، هذا البيان الذي لا يشي مطلقاً بالانخراط في ركب الحل، أليس ذلك قطعاً للطريق والتهرب من المسؤولية؟
_ المشكلة أيضاً وأيضاً تتجسد في أننا نعيش أزمة حكم كبيرة وفي غياب الرغبة بالتعامل معها.
ويختم جابر: "ليس جديداً ان تمر الاوطان بأزمات من نوع الازمة التي نمر بها، ولكن المستغرب هو ان الازمة في واد والمولجين بالمعالجة ومن بيدهم الحل والربط في واد آخر تماماً" .
=======