الاحداث- كتب فيكتور الزمتر*
بين الإنسان والجغرافيا علاقةٌ جدليةٌ، فيها من الصراع والتفاعُل، حدّاهما من المُكابدة والتكيُّف، حدُّ ما في الذات البشرية من الإبداع في التوفيق بين عِزَّة النفس، وإملاءات البيئة الجغرافية. فالموقعُ والتضاريسُ والمناخُ والمواردُ..، ثوابتٌ تستدعي التأقلُمَ معها،وتطويعَ ما أمكنَ من وقعِها، بما يُعيدُ الإنسجامَ والتوازُنَ بين الإنسان والطبيعة.
يكادُ يُجمعُ علماءُ الإجتماع على تأثير الجغرافيا، في قولبة طباع البشر، بقدر تأثير البشر في التخفيف من غلواء البيئة الطبيعية. في هذا السياق، تبرزُ "نظريةُ التحدّي والإستجابة"، لمؤرِّخ الحضارات، الفيلسوف البريطاني "أرنولد توينبي Arnold J. Toyenbee"، 1889- 1975، الذي يرى أنَّ الموقعَ والمناخَ هما اللّذان يفرضان التحدِّيات على الشعوب، بحيثُ تتشكَّلُ مصائرُ الأُمم والممالك، على قدر استجابتها لإرادة الحياة، ولمُقتضيات النموِّ والإبتكار. وخلصَ إلى أنَّ "البيئاتَ السهلةَ، غالباً ما تؤدّي إلى جمود الحضارات، بينما البيئاتُ القاسيةُ والمليئةُ بالتحديات، تُجبرُ الشعوبَ على ابتداع الحلول الخلّاقة للبقاء والإزدهار".
وكان للفلاسفة العرب كلمتُهم، في هذا المجال، كنظرية "الحتمية الجغرافية والفلسفة الاجتماعية"، أو ما يُعرفُ اليوم بـ"الجغرافية البشرية والسياسية"، لمؤسِّس علم الاجتماع، الفيلسوف ابن خلدون، الذي حلَّلَ تأثيرَ المناخ والطبيعة الجغرافية، في طبائع البشر وعُمرانهم. هذا دون أن ننسى مساهمة الفيلسوف الفارابي، في توظيف المعرفة الجغرافية والثقافية في فلسفته السياسية، حيثُ رأى أنَّ "العواملَ الجغرافيةَ والمناخيةَ، تساهمُ في تمايز المجتمعات، وتؤثِّرُ في سلوك وعقائد سكان المدن"، وهذا ما انعكس في كتاباته حول "آراء أهل المدينة الفاضلة".
إنَّ الهدفَ من هذه المُقدِّمة، هو إبرازُ أهمية الموقع الجيوسياسي، كحجر الزاوية في تحديد مصائر الأوطان، واحاتَ استقرارٍ وازدهارٍ، أو ساحاتَ صراعاتٍ لا تنتهي. فطبيعةُ لبنان تغلبُ عليها الجبال، أكثر من السهول والمنبسطات، وهذا، ما جعلَ حياةَ اللُّبناني، تقومُ على الكفاح لا على اليُسر والسهولة. أمّا جوارُه الجغرافي السياسي، فكانَت له بصمتَه في تشكيل سلوك اللُّبنانيين، ما دفعهم إلى الجمع بين التماهي والتطلُّب والتكيُّف مع المحيط وظروفه.
من هذا المُنطلق، لا مُغالاةَ بالقول أنَّ قيامَ الكيان الإسرائيلي، على حدود لبنان الجنوبية، أخلَّ بالإستقرار النسبي، الذي كانَ قائماً بين لبنان ومحيطه، لتحلَّ محلَّه حالةٌ من الإضطراب السياسي والمواجهات العسكرية، التي حوَّلت حياةَ اللُّبنانيين إلى جحيمٍ. فلبنانُ شاهدٌ حيٌّ، على مدى تحكُّم الموقع الجغرافي، في واقعه السياسي، الذي رافقَ تحديدَ مصيره، خلال حقباته التاريخية، وِفقَ التفكير التقليدي.
فقيامُ الكيان الإسرائيلي بين ضفَّتَي العالم العربي، الآسيوية والأفريقية، وعلى حدود لبنان الجنوبية، حدثٌ جسيمٌ في بُعديه الجغرافي والسياسي. بمعنى أوضحٍ، سبَّبَ المكانُ الجغرافي لحصول هذا الحدث، المُعاناةَ الطويلةَ والمُكلفةَ لمحيطه اللُّبناني والعربي، بينما لم تكنْ سياسةُ التصدّي على مستوى الحدث الطارئ، إذْ لم يفعلْ القادةُ ما يكفي لاقتلاع الواقع المُستجد من جذوره. وعليه، لا يجوز التذرُّعُ بالمُعطى السياسي "المُنزل"، كقُوَّةٍ قاهرةٍ أو قدرٍ محتومٍ، يُوجبُ الخضوعَ لمآلاته، لتبرير فشل الإحتواء.
وعلى ما يُقالُ بأنَّ "الضدَّ يُظهرُ حسنَه الضدُّ"، نبقى مع قيام الدولة اليهودية، لمُقارنة مُقاربة قيادتها، لإشكالية زرعها المُعقَّد، في بيئةٍ مُعاديةٍ، على حدود لبنان، وفي قلب العالم العربي. فمن الوجهة النظرية، كان مُجرَّدُ تصوُّر قيامها، ضرباً من المُحال، أخذاً بالإعتبار مستويات العداء والتجانُس، ومعايير الفارق الديمغرافي والإمكانات .. ومع ذلك، لم تُثَبِّتُ إسرائيلُ بُنيانَها فقط، بل نَمَتْ وتوسَّعت وقسا عُودُها، لِتُصبحَ قُوَّةً إقليميةً، كي لا نقول الأقوى في مُحيطُها، تُهابُ ولا تَهابُ، ما بلغَ بها الأمرُ، أنْ تهُزَّ العصا لجيرانها العرب والعجم، وُصولاً إلى إيران وتُركيا، ورُبَّما إلى باكستان لاحقاً.
إلى ذلك، من الهذيان، إنكارُ إملاءات المُعطى الجغرافي، وضغوط القوى الكُبرى، على أقدار الممالك والدول، لكنَّ الكلمةَ الفصل، في الوفاء للإنتماء الوطني، تبقى لوحدة الشعب، إنْ أجمعَ على العيش بعِزَّةٍ وكرامةٍ.
قد يقولُ المُستقيلون من المسؤولية، إنَّ الغربَ وراء أسطورة إسرائيل، زراعةً ورعايةً وضمانةً، وفي ذلك الكثيرُ من الحقيقة. ولكنْ، ماذا فعلنا، لبنانيين وعرباً، لمُعاقبة مناصري استقواء إسرائيل، علينا مُجتمعين؟ ماذا فعل قادتُنا من إنجازات التطوير، تحصيناً للوحدة الداخلية، ودرءاً للتدخُّلات الخارجية، وتأميناً للإكتفاء الذاتي، بما يُغني عن الإرتهان للخارج؟ أين سلاحُ المقاطعة، لمحاسبة المُتربِّصين بأمننا وبمواردنا؟ أين الفطامُ عن استجداء حماية الغرب والشرق للنُظُم والعروش؟ بل، أين وعيُ العامة وريادةُ النُخَب، في تصويب المسار؟
الأجدى بنا، نحنُ البكّائين، لبنانيين وعرباً، على رَزيَّة نشوء دولة إسرائيل، بين ظهرانينا، الإعترافُ بالتقصير، نتيجة الإستكانة للمُعطى الجغرافي وإملاءات الطامعين، بدل البُكاء على الأطلال. لقد بَنَتْ إسرائيلُ ريادةً عالميةً، في مجالات التقدّم العلمي والتكنولوجيا والذكاء الإصطناعي والسلاح والقضاء والزراعة ..، بينما ما زال العالم العربي يستوردُ طحين خُبزه!
لعلَّ أخطرَ ما يُواجه لبنان، والعالم العربي راهناً، يتراوحُ بين استمراء دفن الرؤوس في الرمال، وبين سكرة المشاعر بالإرتهان للخارج، على حساب الوطن الضحية!
*سفير سابق