الاحداث- كتب القاضي زياد شبيب في صحيفة النهار يقول:"نصَّ قانون النقد والتسليف في المادة الثانية منه على قاعدة أساسية هي أنه: "يحدد القانون قيمة الليرة اللبنانية بالذهب الخالص". وعندما أصبح هناك فارق بين هاتين القيمتين اعتمد القانون قاعدة موقتة بموجب المادة 229 معتبراً أنه:
"ريثما يحدَّد بالذهب سعرٌ جديد لليرة اللبنانية بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي، وريثما يثبّت هذا السعر بموجب قانون وفقا للمادة الثانية، يتخذ وزير المال الاجراءات الانتقالية الآتية التي تدخل حيز التنفيذ بالتواريخ التي سيحددها:
يُعتمد لليرة اللبنانية، بالنسبة الى الدولار الاميركي المحدد بـ 0,888681 غرام ذهب خالص سعر قطع حقيقي أقرب ما يكون من سعر السوق الحرة يكون هو "السعر الانتقالي القانوني" لليرة اللبنانية."
السوق الحرة للعملة الأجنبية هي إذاً التي تحدد السعر الحقيقي لليرة. وعلى وزارة المال، وليس المصرف المركزي، أن تصدر قرارات بتحديد "السعر الانتقالي الموقت" لليرة بالاستناد إلى تلك السوق. أما ما يسمى السعر "الرسمي" (1507 ليرات للدولار) فهو سعر السوق الحرة السابق قبل الانهيار، والذي كان يتم الإعلان عنه كل يوم كحصيلة للتعاملات اليومية التي كانت تجري في المصارف، أي أن المنصات كانت داخل النظام المصرفي، وكان المصرف المركزي في تلك الفترة لاعباً أساسياً في تلك السوق يقوم بالتدخل فيها بائعاً أو شارياً للدولار بما يملكه من احتياطات كبيرة. وقد أدى استمرار التدخل المركزي لسنوات طويلة إلى إطلاق صفة "الرسمي" على ذلك السعر المصطنع للسوق الحرة.
لم يشكل الأمر مشكلة قبل انهيار الليرة، إلا أنه بعد الانهيار ارتُكبت خطايا عدة منها الإبقاء على ما يسمى السعر الرسمي خلافاً للقانون لأنه أصبح منفصلاً عن سعر القطع الحرة، التي انتقلت إلى خارج المصارف بعدما أقفلت أبوابها وحجزت الودائع، وأصبح السعر الحقيقي لليرة بعيداً جداً عن السعر السابق الوهمي. وقد تم الإبقاء على السعر "الرسمي" من خلال عمليات الدعم. وما حصل هو أنه قام المصرف المركزي ببيع الدولارات بسعر 1507 الذي أصبح غير موجود قانوناً وواقعاً، للتجار الذين يستوردون السلع التي اعتبرتها الحكومة أساسية ومن بينها المحروقات والأدوية، في وقت ذهبت معظم تلك السلع إلى التهريب والاحتكار.
الدعم ليس من مهام المصرف المركزي بل الدولة التي عليها أن تدفع الفرق بين السعر الحقيقي للسلعة وسعر المبيع للمستهلك من اعتمادات تُخصص لهذه الغاية في الموازنة العامة، ولا يحق لها أن تدّعي أنها تدعم تلك السلع من خلال استنفاد دولارات المودعين. رغم ذلك استُعمِلت احتياطات "المركزي" في تمويل شراء تلك السلع إلى أن بلغت الحدّ الأدنى أي الاحتياط الإلزامي الذي وإنْ كان ممكناً خفضه بموجب قانون النقد التسليف، إلا أنه يمثل ما تبقى من أموال المودعين التي بمجملها لم يكن جائزاً استعمالها في ما سُمّي دعماً.
ما حصل كان هروباً إلى الأمام، وبدلاً من تحرير السوق منذ بدء ارتفاع سعر الصرف، والتعامل على أساس سعر السوق الحرّة بحيث يتم الارتفاع الحتمي في أسعار السلع بشكل تدريجي بالتوازي مع ارتفاع سعر الدولار، وليس دفعة واحدة كما يحصل الآن، جرى استنفاد احتياطات "المركزي".
اليوم يقول حاكم المركزي إنه لن يمس الاحتياط الالزامي إلا إذا صدر تشريع. إن أي قانون يشرّع بيع دولارات المودعين سيكون مشوباً بعدم الدستورية لسببين: الأول أنه يخالف مبدأ حرية التجارة الذي كرسه الدستور حين نص على أن النظام الاقتصادي حرّ. والثاني أنه يمس الملكية الفردية التي حماها الدستور أيضاً ولا يجوز لمصرف لبنان أو للدولة التصرف بأموال الناس.
https://www.annahar.com/arabic/section/76-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/20082021064957492