الاحداث- كتبت صحيفة "الأنباء" الالكترونية: مع استمرار الحرب الدائرة منذ فجر الثاني من آذار الجاري، وازدياد أعدد النازحين، يفرض الحد الأدنى من الوحدة الوطنية والتضامن الاجتماعي العمل على تأمين مسكن لائق للبنانيين النازحين، ومن هنا أتت مبادرة الرئيس وليد جنبلاط التي اقترحها من قصر بعبدا، عقب لقائه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون مطلع الأسبوع الجاري. وقد هدفت المبادرة إلى توفير بيوت جاهزة بدلاً من الخيم التي اجتاحت بيروت وبعض المناطق. من هنا ، أجرى جنبلاط اتصالاته بالجانب التركي عبر مكتب الرئيس رجب طيب أردوغان، وأُبلغ استعداد تركيا لتقديم عدد من البيوت الجاهزة لأهل الجنوب النازحين.
جنبلاط بدوره أبلغ رئيس الحكومة القاضي نواف سلام بمبادرته والتجاوب التركي معها، فكانت محور ترحيب من الأخير الذي استقبل سفير تركيا لدى لبنان مراد لوتيم، صباح أمس الخميس، في حضور رئيس هيئة إدارة الكوارث زاهي شاهين، واطّلع الرئيس سلام من السفير التركي على الجهود الإغاثية التي تقوم بها تركيا لمساندة لبنان في استجابته للنزوح، شاكرا السفير على الموافقة التركية لتقديم بيوت جاهزة.
وفي الوقت الذي تبقى فيه الحاجة لإعلاء الصوت الوطني فوق أي صوت طائفي أو مناطقي، أجرى جنبلاط اتصالًا هاتفيًا بيمنى بشير الجميل، أشاد فيه بمواقفها الأخيرة التي تؤكد وطنيتها في هذه اللحظة الدقيقة التي يمرّ بها لبنان، مع تنامي الأخطار المحدقة بـ"لبنان الكبير" بفعل خطط العدو الإسرائيلي. وكانت الجميل دانت في وقت سابق أي انتهاك أو مساس بالشعب أو الأرض يطال أي بقعة من الـ10452 كلم²، مضيفة: "سنواجهه حتمًا".
مواجهات الميدان
ميدانياً، تواصلت الغارات الاسرائيلية على جنوب لبنان، وتقدّمت معارك القنطرة ودير سريان في قضاء مرجعيون إلى واجهة المشهد العسكري، مع اشتباكات مباشرة ومحاولات تقدّم متكررة على محاور حساسة قريبة من نهر الليطاني.
وأعلن "حزب الله" في بيانات متلاحقة أنه شن أكثر من 80 هجوماً على إسرائيل واستهدف مقر وزارة الدفاع الإسرائيلية ومقرّاً عسكرياً آخر في تل أبيب "بصواريخ نوعية" إضافة إلى شنه هجمات على مدينتي عكا وحيفا، بالتزامن مع استهداف دبابات ميركافا بصواريخ موجهة ومباشرة. كما أعلن عن استهداف مروحية إسرائيلية بصاروخ دفاع جوي أثناء محاولة إخلاء مصابين قرب القنطرة.
في غضون ذلك، لوّح العدو الإسرائيلي بتوسيع العمليات وفرض منطقة عازلة، وتحدث عن توغّل حتى صور، وإنشاء 18 موقعاً وإبعاد الحدود 8 كيلومترات، ضمن مسار لفرض شريط نفوذ دائم.
الواقع الميداني المتصاعد، قابله جمود في المسار التفاوضي، إذ لم تنجح الاتصالات الدولية حتى الآن في تحقيق خرق نوعي، رغم تعدد الوسطاء.
عبد العاطي في بيروت
وفي هذا الإطار، اكتسبت زيارة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إلى بيروت أهمية خاصة، حيث حملت رسائل تؤكد دعم مصر لاستقرار لبنان، وسعيها إلى إعادة إحياء قنوات التهدئة، عبر مقاربة تدريجية تقوم على وقف التصعيد الميداني أولاً، ثم الانتقال إلى تثبيت تفاهمات أمنية أوسع.
عبد العاطي وبعد لقائه الرئيس عون في بعبدا حيث سلمه رسالة دعم من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، قال: "مصر مستعدة لتلبية طلبات الأشقاء في لبنان والدعم السياسيّ الكامل ونسخر اتصالاتنا لتخفيض التصعيد وننسق مع الشريك الفرنسيّ في ذلك". وأكد أن "التوغل الإسرائيلي في جنوب لبنان مرفوض وهو انتهاك واضح للمواثيق الدولية"، مشيراً الى "أهمية تمتين مؤسسات الدولة اللبنانية ومنها الجيش اللبناني كي يفرض سلطته على كامل الأراضي اللبنانية ووضع السلاح تحت سلطة الدولة". وشدد على أننا "نتمسك بالمفاوضات وننقل الرسائل بين الجانبين الأميركي والإيراني مع أطراف دولية أخرى ونؤكد ضرورة وقف الحرب على إيران ونتحرك دبلوماسياً لتحقيق ذلك"، لافتاً الى أن "الجهود المصرية متواصلة للعمل على خفض التصعيد ومع أننا لم نتوصل الى مخرجات محددة إلا أننا متفائلون".
وزار الوزير المصري عين التينة والسراي أيضاً، ومرفأ بيروت لتقديم الدعم والمساعدات للبنان، حاملاً رسائل واضحة وصريحة تعكس موقف بلاده الثابت تجاه الأزمة الحالية.
جلسة مجلس الوزراء
وعقد مجلس الوزراء جلسة في السراي برئاسة الرئيس سلام قاطعها وزراء "الثنائي" وحضرها وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية فادي مكي، واقتصرت على مناقشة جدول وحيد مرتبط بالاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب ومتابعة شؤون النازحين والأعباء الاقتصادية المترتبة على ذلك. وغاب عن الجلسة موضوع طرد السفير الايراني، ما يشير الى أن الأمور مازالت عالقة وفق ما كشفت مصادر متابعة للقاء السراي قبل انعقاد جلسة مجلس الوزراء، وأشارت إلى أن النقاشات عكست إدراكاً مشتركاً لخطورة المرحلة، مع تباين واضح في مقاربة الملفات الحساسة، لا سيما العلاقة مع إيران وحدود دورها في الساحة اللبنانية، وسبل التعامل مع هذه العناوين.
وبعد الجلسة، أكّد وزير الإعلام بول مرقص، أن رئيس الحكومة سيتواصل مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش لتقديم شكوى إلى مجلس الأمن ضد هجمات إسرائيل على البنى التحتية في لبنان.
ونقل عن الرئيس سلام إدانته تفجير العدو الإسرائيلي "أكثرية الجسور الواقعة على نهر الليطاني"، والتهجير الجماعي لسكان جنوب الليطاني، والتوغل في الأراضي اللبنانية وتجريفها، معتبراً تلك الأفعال "أمراً خطيراً للغاية يهدد سيادة لبنان وسلامة أراضيه وحقوق أبنائه".
"التقدمي" يُبيّن موقفه من طرد السفير الإيراني
وفي هذا السياق، أوضح أمين سر "اللقاء الديمقراطي" النائب هادي أبو الحسن، موقف الحزب التقدمي الاشتراكي والكتلة من قرار طرد السفير الإيراني، مشيراً إلى أن ما تقوم به إيران في لبنان غير مقبول، إلّا أنه كان من المفترض عقد جلسة رسمية لمناقشة التدخل الإيراني في لبنان بكل تفاصيله.
وشدد على أن قرار طرد السفير، وفق الدستور، يجب أن يُتخذ في مجلس الوزراء أو من قبل رئيس الجمهورية، باعتباره الجهة المخوّلة قبول أوراق اعتماد السفراء، متسائلاً عن سبب اعتماد معايير مختلفة، خصوصاً أنَّ البعض قد يقول إنَّ هناك سفراءَ آخرين يتدخّلون في الشأن اللبناني، ولا تتخذون بحقّهم أيَّ إجراء.
واقترح أبو الحسن، بدلاً من طرد السفير، اعتماد خطوات دبلوماسية تدريجية، تبدأ بإعداد ورقة احتجاج رسمية، واستدعاء السفير وتبليغه اعتراض لبنان، وصولاً إلى توجيه تنبيه، ثم خفض التمثيل الدبلوماسي أو استدعاء السفير اللبناني من طهران للتشاور، وصولاً إلى سحب السفراء إذا لزم الأمر.
التطورات الأميركية الإيرانية
إقليمياً، تتجه الأنظار إلى التصعيد السياسي بين واشنطن وطهران، مع رفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب من سقف شروطه، متحدثاً عن ضرورة إدخال تعديلات جوهرية على سلوك إيران الإقليمي وبرنامجها النووي، وملوّحاً بمزيد من الضغوط السياسية والاقتصادية. في المقابل، جاء الرد الإيراني الرسمي ليؤكد رفض ما وصفته طهران بالإملاءات، مع التشديد على حقها في الدفاع عن مصالحها الإقليمية. وطالبت بضمان عدم تكرار الحرب مرة أخرى ودفع تعويضاتها ووقف عمليات الاغتيال والوقف الشامل للحرب على الجبهات كافة بما فيها لبنان، وتنتظر رد الطرف الآخر على موقفها.
وسرعان ما رد الرئيس ترامب في منشور على صفحته، علق بموجبه فترة استهداف وتدمير منشآت الطاقة الإيرانية لمدة 10 أيام إضافية، وذلك حتى يوم الإثنين 6 نيسان المقبل، الساعة 8 مساءً بتوقيت الساحل الشرقي.
وقال إن المحادثات مستمرة، وعلى الرغم من التصريحات الخاطئة التي تروّج لها وسائل الإعلام الكاذبة وغيرها، فإنها تسير بشكل جيد جداً.
في المحصلة، يقف لبنان عند تقاطع مسارات شديدة الحساسية: حراك داخلي يحاول ترميم التوازنات، ميدان جنوبي مفتوح على احتمالات متعددة، ومسار تفاوضي معطل بانتظار تبدلات إقليمية. وبين هذه العوامل، تبدو مبادرة وليد جنبلاط محاولة لالتقاط لحظة سياسية نادرة، قد تساهم في منع الانزلاق نحو الأسوأ، إذا ما تلاقت مع إرادة داخلية جامعة وضغوط دولية فاعلة.