الأحداث - ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس. بعد قراءة الإنجيل ألقى عظة قال فيها: "اليوم تنتهي فترة التهيئة للصوم الكبير المقدس ونبدأ غداً الإثنين رحلتنا الروحية نحو عيد الأعياد وموسم المواسم، فنرفع السمك ومشتقات الحليب عن موائدنا ونكثف الصلوات بغية تطهير القلب والنفس، عاملين بما جاء في رسالة اليوم: «لندع عنا أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور». اليوم، في بدء الطريق نحو الصوم الكبير، تقيم كنيستنا المقدسة تذكار طرد آدم من الفردوس بعد معصيته كلام الله، واضعة أمام أعيننا هدف صومنا: إستعادة الملكوت المفقود الذي خسرناه بسبب الخطيئة، لكن الرب أعاد فتحه أمامنا بموته عنا وقيامته".
وعن الصوم، قال عودة: "إذا، الصوم ليس نظاما غذائيا، بل حالة كيانية. إنه اشتراك في حياة المسيح، ودخول في سر موته وقيامته. يعلمنا القديس يوحنا الذهبي الفم أن «من صام عن الطعام ولم يصم عن الخطيئة، فصومه باطل»، لأن الله لا يطلب جوع البطون بقدر ما يطلب نقاوة القلوب. لذلك، يربط الرب في الإنجيل بين الغفران والصوم والصدقة، ليظهر أن العبادة الحقة هي عبادة القلب النقي والعطاء الخفي، وليست المظاهر الخارجية. لذلك يقول لنا الرب: «متى صمتم فلا تكونوا معبسين كالمرائين... أما أنت فمتى صمت فادهن رأسك واغسل وجهك لئلا تظهر للناس صائما، بل لأبيك الذي في الخفية، وأبوك الذي في الخفية يجازيك علانية». إنه يدعونا إلى صوم مفرح، لأن التوبة ليست يأسا بل رجاء. إنها عودة الإبن الضال إلى بيت أبيه. يقول القديس إسحق السرياني إن «التوبة هي باب الرحمة المفتوح دائما»، فمن يدخل هذا الباب لا يخزى. كذلك، يحذرنا الرب من أن نكنز كنوزا على الأرض، حاثا إيانا على أن نكنزها في السماء، لأنه حيث تكون كنوزنا هناك تكون قلوبنا. آدم سقط لأن قلبه مال إلى ما ظنه كنزا خارج إرادة الله. نحن أيضا نسقط حين نضع قلوبنا في كنوز زائلة كالمال والسلطة والمجد الباطل. أما الصوم فهو إعادة توجيه القلب نحو الكنز الحقيقي، أي الشركة مع الله".
وتابع قائلاً: "منذ البدء كان الإنقسام والبغض والحسد من أولى نتائج الخطيئة. فبعد أن أكل آدم وحواء من ثمر الشجرة التي حذرهما الله من تذوقها، إتهم آدم حواء بأنها سبب سقوطه. أما قايين، فقد قتل أخاه هابيل بسبب حسده وحقده، ظنا منه أنه إذا أزاحه يحصل على رضى الله. هذا ما يفعله الإنسان حتى يومنا، يلقي التهم على أخيه الإنسان ويحسده ويظلمه ويقتله، لكنه لا يحظى بالسلام والأمان لأن قلة المحبة لا تولد سلاما، والكبرياء والحسد وإدانة الآخر لا تبرد القلب، ولا تخلص، أو تخفف التحديات. الله تجسد واتخذ طبيعتنا ليخلصنا من آثار الخطيئة ونتائجها بالمحبة. أحبنا حتى بذل ابنه الوحيد من أجل خلاصنا".
أضاف عودة في عظته: "هل كثير أن يبذل الإنسان بعضا مما لديه من أجل إخوته؟ أو أن يبذل المسؤولون قصارى جهدهم من أجل خير من اؤتمنوا على مصائرهم، فلا يهملون أو يظلمون أو يساومون أو يغضون الطرف عن حقوق المواطنين أو يفرضون الضرائب التي تثقل كاهل الشعب عوض إيجاد الطرائق المناسبة لحل المشاكل، وإجراء الإصلاحات اللازمة، واعتماد الشفافية والعدل والحوكمة الرشيدة من أجل إعادة الثقة بالبلد، وجلب الإستثمارات، وإعمار ما هدمه جشع البعض، وأخطاء البعض الآخر، وتهور آخرين وتعنتهم. وحدها المحبة التي ترأف وتبذل وتضحي تنقذ بلدنا. هذا ما تعلمناه من الرب المصلوب الذي مات من أجل خلاصنا".
وختم قائلاً: "فلنستيقظ إذا من نوم الإهمال، ولنخلع أعمال الظلمة: الخصام، الحسد، الكبرياء، الإدانة، الأنانية، الجشع، قلة الأمانة ... ولنلبس أسلحة النور: الغفران، الإتضاع، التسامح، الوداعة، المحبة ... ولنكنز كنوزا في السماء، حيث المسيح جالس عن يمين الآب. ولنبدأ صومنا بقرار صادق: أن نغفر من القلب، كما غفر لنا الله في المسيح. عندئذ، لا يكون الصوم عبئا وحزنا، بل يكون نعمة وفرحا فصحيا يسبق القيامة. وحين نسير في هذا الطريق، تختبر قلوبنا ما اختبره آدم حين سمع وعد الخلاص: أن رحمة الله أعظم من خطيئتنا، وأن الفردوس ليس حلما ضائعا، بل دعوة مفتوحة لكل من يتوب ويغفر ويحب