الاحداث- ما جرى في كفرعبيدا من توقيف شخص مشتبه بتورطه في عمليات سرقة أعاد إلى الواجهة هواجس اللبنانيين المتزايدة من تفلت الوضع الأمني في عدد من المناطق، وأعاد طرح السؤال القديم الجديد: أين الدولة عندما يشعر المواطن بأن أمنه وممتلكاته أصبحا في خطر دائم؟
لقد تمكنت شرطة بلدية كفرعبيدا، بالتعاون مع الأهالي، من توقيف شخص يشتبه بتورطه في عمليات سرقة استهدفت منازل البلدة، في خطوة لاقت ارتياحاً واسعاً لدى السكان الذين عانوا طويلاً من القلق والخوف على ممتلكاتهم. لكن ما حصل لا يجب أن يمر كخبر أمني عابر، بل يجب أن يشكل مناسبة لمراجعة أعمق لواقع الأمن في لبنان.
فاللافت أن حادثة كفرعبيدا ليست الأولى من نوعها. فقد سبقتها حوادث مماثلة في منطقة البترون، حيث اشتكى الأهالي مراراً من عمليات سرقة استهدفت منازل ومحال تجارية. وفي إحدى هذه الحوادث، انتهى الأمر بمقتل أحد المشتبه بهم وإصابة آخر بعدما أطلق صاحب محل النار خلال مواجهة مع أشخاص اتهمهم بمحاولة السرقة.
يومها انقسم الرأي العام بين من رأى أن المواطن كان يحاول حماية نفسه وممتلكاته بعد تعرضه المتكرر للسرقات، وبين من اعتبر أن الاحتكام إلى السلاح لا يمكن أن يكون بديلاً عن القانون. لكن ما أثار استغراب كثيرين هو شعور شريحة واسعة من الناس بأن المواطن الذي اعتبر نفسه ضحية وجد نفسه في موقع المساءلة، فيما بقي النقاش الأساسي حول أسباب تكرار الجرائم وكيفية منعها في المرتبة الثانية.
المشكلة الحقيقية ليست في قرار قضائي هنا أو إجراء أمني هناك، بل في وصول المواطنين إلى مرحلة يشعرون فيها بأنهم مضطرون للدفاع عن أنفسهم لأن الدولة غائبة أو عاجزة عن توفير الحماية المطلوبة. فعندما تتكرر السرقات، وتتعدد الشكاوى، وتزداد الخسائر، يصبح الخوف سيد الموقف، وتبدأ الثقة بالمؤسسات بالتآكل تدريجياً.
لا أحد يريد أن تتحول القرى والبلدات إلى ساحات أمن ذاتي أو إلى بديل عن الدولة، لكن لا يمكن أيضاً تجاهل صرخة المواطنين الذين يسألون: لماذا نُترك وحدنا في مواجهة اللصوص؟ ولماذا لا تكون الوقاية ومنع الجريمة بالفعالية نفسها التي تُمارس بها الإجراءات بعد وقوع الحوادث؟
إن المطلوب اليوم ليس إثارة الانقسامات أو التوترات، بل إعادة الاعتبار لدور الدولة في حماية الناس. فالأمن لا يتحقق بالبيانات، بل بحضور فعلي للأجهزة الأمنية، وملاحقة حازمة للمجرمين، وقضاء سريع وعادل يطمئن المواطنين إلى أن القانون يحميهم قبل أن يطالبهم بالاحتكام إليه.
فالدولة القوية هي التي تمنع المواطن من الشعور بأنه مضطر للدفاع عن نفسه، لا تلك التي تتركه وحيداً ثم تسأله لماذا تصرف عندما شعر بالخطر.