Search Icon

عندما تضيع العدالة… قبل أن يضيع الحكم

منذ 8 ساعات

قضاء وعدالة

عندما تضيع العدالة… قبل أن يضيع الحكم

الاحداث- كتبت ليال خليل 

ليست كل القضايا التي تهز الرأي العام مرتبطة بأحكام قضائية مثيرة للجدل. أحياناً، تبدأ الأزمة قبل صدور أي حكم، عندما يصبح السؤال: هل ما زالت العدالة نفسها في مأمن؟

فماذا يعني أن يختفي ملف دعوى كامل من داخل محكمة؟

قد يبدو السؤال للوهلة الأولى حادثة إدارية عابرة، لكن في الحقيقة، هو من أخطر الأسئلة التي يمكن أن تواجه أي مؤسسة قضائية، لأن الملف القضائي ليس مجرد مجموعة أوراق، بل هو السجل الرسمي الذي يحفظ حقوق المتقاضين، ويؤرخ لكل إجراء، ويشكّل المرجع الوحيد الذي تُبنى عليه الأحكام.

وعندما يختفي هذا الملف، فإن القضية لا تعود البحث عن مكانه، بل البحث عن مصير العدالة نفسها.

في أي نظام قضائي يحترم نفسه، يُفترض أن تكون الملفات القضائية من أكثر الوثائق حماية، وأن تخضع لآليات حفظ دقيقة، وسجلات واضحة تحدد مكانها، ومن تسلمها، ومن اطلع عليها، ومتى خرجت وعادت. لذلك، فإن اختفاء ملف كامل لا يمكن اعتباره مجرد خطأ إداري، بل يستوجب تلقائياً فتح تحقيق مستقل لكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين.

غير أن الخطورة لا تكمن فقط في واقعة الاختفاء، بل في كل ما يحيط بها.

فحين يسبق ذلك حديث عن مستندات أُخرجت من الملف وصُورت قبل إعلان الأعمال، وحين تبرز معلومات عن توصية بعدم إبقاء الملف داخل المحكمة نظراً لحساسيته، يصبح اختفاء الملف حلقة جديدة في سلسلة من الوقائع التي تفرض أسئلة لا يمكن تجاهلها.

من المسؤول عن حفظ الملفات؟

من يملك حق الوصول إليها؟

هل توجد كاميرات أو سجلات إلكترونية توثق حركة الملفات؟

ومن يضمن للمتقاضي أن مستنداته لم تُمس أو تُستبدل أو تُنتزع؟

هذه ليست أسئلة تخص صاحب الدعوى وحده، بل تخص كل إنسان قد يلجأ يوماً إلى القضاء، مطمئناً إلى أن حقوقه محفوظة في ملف لا يمكن العبث به.

وما يزيد القلق، أن محاولة تثبيت واقعة اختفاء الملف في المحضر الرسمي، وفق ما تؤكد صاحبة الدعوى، لم تُقبل. وهنا تتجاوز المسألة حدود الإهمال المحتمل، لتلامس أحد أهم ضمانات المحاكمة العادلة، وهو توثيق كل ما يجري أثناء سير الدعوى.

قد يُقال لاحقاً إن الملف عُثر عليه، لكن هل يكفي ذلك؟

الجواب لا.

لأن العثور على الملف لا يمحو حقيقة اختفائه، ولا يجيب عن الأسئلة التي ولدها هذا الاختفاء، ولا يكشف أين كان، ولا من احتفظ به، ولا ما إذا بقي محتواه كاملاً كما كان يوم فُقد.

فالعدالة لا تُقاس فقط بإصدار الأحكام، بل بثقة الناس في سلامة الطريق المؤدي إليها.

وهنا تبرز مسؤولية القضاء الكنسي، الذي يحمل رسالة أخلاقية وروحية قبل أن يحمل سلطة قضائية. فالمؤسسات الكنسية لا تُحمى بإخفاء الأخطاء أو التقليل من شأنها، بل بمواجهتها بشجاعة، والتحقيق فيها بشفافية، وإعلان نتائج التحقيق للرأي العام، لأن الحقيقة وحدها هي التي تحمي هيبة القضاء.

إن المطالبة بتحقيق مستقل من خارج المحكمة لم تعد مطلباً شخصياً، بل أصبحت ضرورة لحماية ثقة المؤمنين والمتقاضين بالمؤسسة القضائية الكنسية. فالتحقيق الداخلي، مهما كانت نزاهته، قد لا يكون كافياً لإزالة الشكوك عندما يتعلق الأمر بواقعة بهذا الحجم.

كما أن تدخل السفير البابوي، بصفته ممثلاً للكرسي الرسولي، قد يكون اليوم ضرورة لضمان متابعة الملف من زاوية الحفاظ على حسن سير العدالة الكنسية، وصون سمعة المؤسسة التي يفترض أن تكون ملاذاً للحق والإنصاف.

القضية لم تعد تتعلق بملف مفقود، بل بثقة مفقودة.

والثقة، عندما تضيع، لا يعيدها العثور على ملف، بل تعيدها الحقيقة الكاملة، والمحاسبة، والشفافية.

فالعدالة ليست حكماً يصدر في نهاية الدعوى فقط، بل هي شعور يولد لدى المتقاضي منذ اللحظة التي يسلّم فيها ملفه إلى المحكمة، وهو مطمئن إلى أن حقوقه محفوظة، وأن لا أحد يستطيع أن يعبث بها، أو يخفيها، أو ينكر يوماً أنها كانت موجودة.

إن حماية هيبة القضاء الكنسي لا تكون بالصمت، بل بالشجاعة. ولا تكون بالدفاع عن المؤسسات مهما كان الثمن، بل بالدفاع عن الحقيقة، لأنها وحدها القادرة على حماية المؤسسة والإنسان معاً.