الاحداث- كتبت صحيفة "الجمهورية": فيما ظلّت النبطية وجوارها محور الاهتمام الرسمي والسياسي أمس، بدأت إسرائيل مساء أمس أعمال تفجير في تلة علي الطاهر، في وقت صعّدت الولايات المتحدة الأميركية هجومها على «حزب الله»، معتبرة انّه «لا يزال يشكّل العقبة أمام السلام»، ليردّ عليها مؤكّداً «إنّ ما يريده اللبنانيون هو أن تكف الولايات المتحدة الأميركية أذاها ويدها عن لبنان، وأن تتوقف عن التدخّل في شؤونه وفرض الوصاية على قراره».
على وقع تفجير تلة علي الطاهر، أفادت هيئة البث العامة الإسرائيلية («كان») أنّ جولة المفاوضات الثامنة بين إسرائيل ولبنان ستُعقد يومي الثلثاء والأربعاء المقبلين في روما. وأضافت أنّ هذه الجولة «ستبحث في تشكيل قوة تتحقق من خلو المناطق التجريبية من وجود حزب الله».
لكن مصادر رسمية أكّدت لـ«الجمهورية»، انّ لبنان لم يتبلّغ بعد من الجانب الأميركي أي موعد للمفاوضات، وأشارت إلى انّ الجانب اللبناني كان أبلغ إلى الأميركيين انّه يفضّل أن تُعقد المفاوضات بعد 16 من الجاري، لأنّ رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون سيكون موجوداً في تلك الفترة في باريس، حيث سينعقد الاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش اللبناني.
نموذج جديد
وقد شهدت الساعات الأخيرة حراكاً رسمياً مكثفاً تجسّد في اللقاء الذي جمع الرئيس عون ورئيس الحكومة نواف سلام قبيل انعقاد جلسة مجلس الوزراء، توازياً مع إشاعة أجواء عن «أولوية دعم صمود النبطية». وتسعى السلطة من خلال توسيع حضورها الأمني هناك، إلى إرساء نموذج جديد للإدارة الرسمية في المناطق المعرّضة للضغط الإسرائيلي، في محاولة لسدّ الثغرات الميدانية وسحب الذرائع. لكن مصادر سياسية لا تنفي الخشية المتزايدة لدى كثيرين من أن تظل هذه الخطوات في إطار «المسكّنات» إذا لم تقترن بغطاء سياسي دولي يوقف الآلة العسكرية الإسرائيلية.
وإذ أكّدت مصادر رسمية، أنّ لبنان لم يتبلّغ عبر القنوات الرسمية أو عبر السفير الأميركي ميشال عيسى أي رسائل إسرائيلية تتحدث عن نيات تصعيدية مسبقة، فإنّ هذا النفي لا يبدّد مخاوف القادة الميدانيين. وتشير التقديرات السياسية، إلى أنّ نتنياهو يخوض سباقاً انتخابياً محموماً لاستحقاق 27 تشرين الأول، متخذاً من التصعيد في لبنان والضفة وغزة وسوريا ورقته الرابحة، لاستقطاب الشارع الإسرائيلي اليميني المتطرف.
وذكّرت المصادر بأنّ «المماطلة ورفض العروض السابقة لتسلّم الجيش منطقة علي الطاهر، تسببا في خسارتها. وهذا السيناريو يخشى كثير من أهل الجنوب تكراره في النبطية والمنصوري وسواهما. وهذا ما يضع لبنان الرسمي وأهالي الجنوب أمام المأزق الجوهري: هل يقتنع الجانب الإسرائيلي بأنّ الانتشار المكثف للقوى الأمنية والعسكرية في النبطية يمثل ضماناً كافياً لتعطيل دور «حزب الله» والسلاح غير الشرعي، أم سيعتبره مجرد غطاء شكلي، خصوصاً في ظل تصريحات جديدة صادرة عن نواب في «حزب الله» حول القدرة على «رسم معادلات جديدة مع إيران» والتمسك بالصمود؟».
الموقف الأميركي
في غضون ذلك، قال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية أمس، إنّ «واشنطن تراقب من كثب الاتصالات الواردة من جنوب لبنان، حيث يطالب الأهالي حكومتهم بفرض سيادتها ومنع «حزب الله» من إطلاق الأسلحة وتخزينها داخل مناطقهم، مشيداً بهذه المجتمعات، وداعماً استجابة الحكومة اللبنانية لمطالبها». وأضاف، أنّ «أسلحة «حزب الله» لم تجلب للبنان سوى البؤس والدمار»، لافتاً، أنّ «حزب الله لا يزال يشكّل العقبة أمام السلام».
وحضّ المسؤول الأميركي الحكومة اللبنانية على «وضع خطة لنزع السلاح من جميع الأراضي اللبنانية، وفقاً لما نصّ عليه الإطار الثلاثي». وأكّد أنّ «الإطار الثلاثي هو خريطة الطريق الوحيدة نحو السلام»، مشيراً إلى أنّ «المشاركة الديبلوماسية مستمرة يومياً».
وسبق ذلك تأكيد السفارة الأميركية في بيروت في بيان أمس «أنّ الشعب اللبناني يُبدي يوميًا تفضيله لمؤسسات الدولة اللبنانية على سلاح حزب الله»، مشيرةً إلى أنّ جنوب لبنان «لا ينتمي إلى جهات إقليمية أو ميليشيات». وقالت «إنّ الولايات المتحدة تشيد بهذه المجتمعات، وتدعم الحكومة اللبنانية في هدفها المعلن المتمثل في فرض السيادة، التي يتولّى الجيش اللبناني إنفاذها، وضمان أن تبقى قرارات الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية حصرًا».
تفجير علي الطاهر
في غضون ذلك، وبعد يوم جديد من الاعتداءات والقصف على الجنوب، بدأ الجيش الإسرائيلي مساء أمس عمليات تفجير في مرتفعات علي الطاهر من جهة كفرتبنيت. وسُجّلت هزّة بقوة 4.1 درجات على مقياس ريختر من جراء التفجير.
وأعلن «أنّ تدمير البنية التحتية لحزب الله في مرتفع علي الطاهر يستكمل فرض السيطرة العملياتية عليه فوق الأرض وتحتها». وقال: «استكملت قوات الجيش الإسرائيلي تدمير المسارات تحت الأرض في منطقة مرتفعات علي الطاهر، بعد أن حققت القوات خلال الفترة الأخيرة سيطرة عملياتية على منطقة المرتفعات فوق الأرض وتحتها».
وأصدر رئيس الوزراء ووزير الدفاع الإسرائيليان بنيامين نتنياهو ويسرائيل كاتس، بياناً مشتركاً تناول التفجيرات التي تقرَّر تنفيذها في مرتفعات علي الطاهر بقضاء النبطية جنوبي لبنان. واكّدا انّه وفقاً لتوجيهاتهما «دمَّر الجيش الإسرائيلي الآن البنى التحتية تحت الأرض التابعة لتنظيم «حزب الله» في مرتفعات علي طاهر، وبذلك أكمل تنظيم منطقة الأمن في جنوب لبنان».
إجتماع ثلاثي
إلى ذلك، أعرب الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ أمس، خلال زيارة عمل لقبرص التقى خلالها نظيره القبرصي نيكوس خريستودوليديس، عن رغبته في عقد اجتماع مشترك مع نظيريه القبرصي واللبناني. ونقلت هيئة البث العامة القبرصية «ريك» عن هرتسوغ قوله: «أحلم بعقد اجتماع مع رئيسي لبنان وقبرص، حتى هنا».
دعم أوروبي للجيش
ومن جهة ثانية، كشف مصدر ديبلوماسي أوروبي لـ«الجمهورية»، أنّ القوى الأمنية اللبنانية، وفي مقدّمها الجيش اللبناني، ستكون أمام برنامج جديد للتعاون مع الاتحاد الأوروبي. وأوضح أنّ البرنامج سيقدّم دعماً في مجالات التدريب والمشورة، وسيشكّل استكمالاً للدعم الحالي الذي يقدّمه الاتحاد الأوروبي للقوى الأمنية، بما في ذلك توفير المعدات، إلى جانب تطوير خبراتها وتعزيز قدراتها الإدارية، وتحسين وسائل التواصل والتنسيق بينها على الأراضي اللبنانية. وأشار إلى أنّ إطلاق البرنامج يحتاج إلى بعض الوقت، لافتاً إلى أنّ التحضيرات الأولية يُتوقع أن تستمر حتى نهاية السنة وبداية سنة 2027. وكشف أنّ نشاطاً مخصّصاً للبرنامج ومناقشة آليات تنفيذه سيُعقد مطلع الأسبوع المقبل، على أن تُستكمل الاجتماعات والتحضيرات في مطلع تشرين الأول.
وشدّد المصدر الديبلوماسي على أنّ المهمّة التي سيضطلع بها الاتحاد الأوروبي في هذا الإطار لن تتعلّق باستبدال قوات «اليونيفيل»، ولن تكون مهمتها مرتبطة بنزع سلاح «حزب الله». وأوضح أنّه لا توجد نية لنشر قوات تابعة للاتحاد الأوروبي على الأراضي اللبنانية للاضطلاع بمهمّات تتصل بنزع سلاح «حزب الله»، مؤكّداً أنّ هذا الملف يبقى من مسؤولية الدولة اللبنانية والجيش اللبناني. ولفت إلى أنّ البحث لا يدور حول إنشاء قوة دولية جديدة، بل حول دعم المؤسسات اللبنانية وتعزيز قدراتها، مع بقاء القرار التنفيذي في الملفات السيادية والأمنية بيد الدولة اللبنانية.
وكشف المصدر، أنّ الاتحاد الأوروبي قدّم منذ عام 2023 نحو 220 مليون يورو في إطار دعمه لقطاع الأمن في لبنان، خُصّص نحو 180 مليون يورو منها للجيش اللبناني. وأوضح أنّ برامج التدريب والمساعدة لن تشمل المنطقة الواقعة جنوب الليطاني.
وفي ما يتعلق بالسلاح والمعدات التي يحصل عليها الجيش اللبناني، اشار المصدر إلى أنّ هذه المساعدات تتركّز على آليات ومركبات ومعدات نقل وتجهيزات برية ولوجستية، ولا تشمل أسلحة هجومية. وأوضح أنّ الاتحاد الأوروبي يتولّى تحديد طبيعة المساعدات وآليات استخدامها، بالتنسيق مع الجيش اللبناني، مع التأكيد على الثقة بالعلاقة القائمة بين الطرفين وعلى قدرة الجيش اللبناني على استخدام هذه المعدات بصورة مسؤولة.
ولفت المصدر إلى أنّ الاتحاد الأوروبي نفّذ خلال السنوات الماضية سلسلة برامج تعاون لا تقتصر على الجيش اللبناني، بل شملت مؤسسات ووزارات لبنانية عدة، بهدف تطوير الإدارة وتعزيز تنفيذ البرامج على الأرض. وأضاف أنّ الاتحاد الأوروبي سيعمل، خلال المؤتمر المرتقب في باريس، على تشجيع الدول المانحة على مواصلة دعم الجيش اللبناني وتطوير قدراته، على أن يُبحث خلال الاجتماعات المقبلة في حاجات الجيش بالتفصيل، وما يمكن للاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية تقديمه من دعم مادي ولوجستي، ولا سيما في المجالات التي يحتاج إليها الجيش خلال المرحلة المقبلة.