Search Icon

"علي الطاهر": "أسطورة" عسكرية... أم سياسية!؟

منذ ساعة

من الصحف

علي الطاهر: أسطورة عسكرية... أم سياسية!؟

الاحداث - كتب جورج شاهين في صحيفة الجمهورية :"أوحى الحديث المكثّف في الفترة الأخيرة عن تلال علي الطاهر في الداخل والخارج، بأنّها مقاطعة كبيرة محصّنة وتشكّل معلماً عسكرياً، يغيّر المسّ بها مجرى العمليات العسكرية في لبنان. لكن ذلك لا يمنع عدداً من المراجع العسكرية، من الاعتراف بفقدان أي توصيف دقيق لها، في ظل صمت "حزب الله" المُطبق حولها. وهو ما أدّى إلى نسج مجموعة من الروايات جعلتها "اسطورة"، سواء قيل إنّها "عسكرية" أم "سياسية". وهذه بعض الدوافع والمؤشرات إلى هذه المعادلة.
قبل أن يتوسع الاحتلال الإسرائيلي إلى قرى شمال مجرى نهر الليطاني وصولاً إلى احتلال قلعة الشقيف والمنشآت المحيطة بها، وحتى إلى مداخل النبطية، وتطويق تلال علي الطاهر استعداداً لاقتحامها، كانت هناك روايات نُسجت حول العديد من المدن والقرى الواقعة على "الخطوط الأمامية"، حيث بنيت الرهانات الخاطئة على منع أي تقدّم، في انتظار ما سيُحسم في الميدان وما يمكن أن يلحقه "الالتحام المباشر" مع مسلحي الحزب. إلّا انّ سقوط بنت جبيل والخيام وبعض المناطق الحساسة في ما بينها، أنهى السيناريوهات الخاصة بوضعها على لائحة "الخطوط الحمر" التي تهاوت واحدة بعد أخرى. وزاد من سقوطها حجم التجريف والنسف والتدمير الممنهج لكل مقومات الحياة العامة والخاصة، إلى أن تحولت هذه المدن وعشرات القرى أرضاً ممسوحة تعلوها أكوام من الردميات شبيهة بتلك التي انتهت إليها المخيمات في قطاع غزة، عدا عمّا انتهت اليه أعمال نسف الأنفاق التي غيّرت من طبيعة ما فوق الأرض. 
وعلى هامش أي حديث حول ما جرى في هذه المناطق، لم تعد المراجع العسكرية والسياسية ترى في كل ما يُنسج حول تلال "علي الطاهر" امراً يمكن أن يقود إلى نتيجة واحدة يُحتمل توقعها، وهو ما يحول دون أي رواية استباقية لما يمكن أن تنتهي اليه العمليات العسكرية في المنطقة، حسماً للجدل القائم في ظل فقدان القدرات التي تحول دون ما تختاره إسرائيل للمنطقة، في ظل تفوقها وقدرتها على الاستمرار في خياراتها العسكرية دون أي رادع إقليمي او دولي او داخلي، طالما انّها تحولت مادة سجال في الانتخابات العامة المقرّرة في 27 تشرين الاول المقبل. فكلما تقلّصت الفترة الفاصلة عن فتح صناديق الاقتراع، تتلاحق الاستعدادات الداخلية التي تؤشر إلى صراع قوي بين الأطراف التي تجمعها أكثر الحكومات تشدّداً في تاريخ إسرائيل بزعامة بنيامين نتنياهو من جهة، ومن ينصبون له المكائد والأفخاخ لإنهاء حياته السياسية، وتمهيد الطريق لدخوله السجن عند استئناف التحقيق في ملفات الفساد التي طالته مع أفراد من عائلته.
على هذه الخلفيات، تزيد المراجع الديبلوماسية لتقول انّها لم ترصد بعد أي مبادرة جدّية للحؤول دون المواجهة الحتمية حول تلال علي الطاهر متى وقعت. فإلى فقدان أي معلومات دقيقة حول حقيقة طبيعتها وما فيها، بقيت كل التكهنات رهن ما عكسته المواقف المحلية والإقليمية والدولية، ومنها:
- إن تمّ التوقف أمام التهديدات الإيرانية باعتبارها "خطاً أحمر" يمكن ان تؤدي إلى تدخّل عسكري مباشر في العمق الإسرائيلي، قد يصدق الحديث عن وجود مستشارين وضباط كبار من الحرس الثوري فيها إلى جانب  "قوات بدر" المتحصنة فيها، ويربط أصحاب هذه النظرية بما يُقال عن ضغوط أميركية على تل إبيب حالت دون اقتحامها، منعاً لتفجير الوضع في إيران.
- وإن اتُخذت الرواية الإسرائيلية في الاعتبار، يتعزز الاعتقاد بأنّ العملية آتية في ساعة الصفر التي تختارها تل أبيب، قياسا على حاجتها لها في الانتخابات المقبلة، ولا سيما إن كانت نية الحكومة تأجيلها لستة أشهر. وهي لم تكشف عن نتائج عملياتها الاستطلاعية بالروبوتات وبث السموم في أنفاقها، إن كانت التقارير الإسرائيلية صحيحة. وعندها لن يكون هناك أي عائق دون التوسع بعد السيطرة عليها في اتجاه جبل الريحان، إن صدقت المعلومات حول وجود منافذ لأنفاقها في المنطقة وفي اتجاه البقاع الغربي.
- وإن اتُخذت الرواية الأميركية، فقد كان السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى واضحاً، عندما تحدث عن الشروط التي تنهي الاحتلال الإسرائيلي دون اي مقاربة لمستقبل التلال - التي لا يعرف ما فيها - ذلك انّ أي خطوة بشأن تسليم سلاح الحزب إلى الجيش، يقود إلى تجاوز هذا الطرح نهائياً، وتدفع بالمفاوضات إلى مستقبل أوسع من تلة.
وما بين هذه الخيارات الثلاثة، يبدو انّ الساحة اللبنانية تفتقد الخيار الواضح والموحّد. فإلى تأكيدات الحزب، بعدم التخلّي عن هذه التلال دون أي تبرير، لم تحسم أي من المراجع العسكرية وجود طرح جدّي لتسليمها للجيش ولا الآلية الواجب اعتمادها. ذلك انّ الجيش لا يحبذ القيام بخطوات صغيرة ومحدودة جغرافياً، ويريدها أوسع مما حددته "المنطقة التجريبية الاولى". ولذلك، فإنّ الوفد العسكري عندما طرح العودة إلى مبدأ "المناطق التجريبية" على "طاولة واشنطن 4" مطلع حزيران الماضي، كآلية لتسلّم الجيش المناطق المحرّرة، لم تكن اقتراحاً أميركياً ولا إسرائيلياً كما أراد رافضوها، وإن لم تحمل هذا الاسم قبلا. وهي تلك الخطة التي نُفّذت بعد تفاهم 27 تشرين الثاني 2024، وشملت في مرحلتها الأولى "القطاع الغربي" كاملاً بعد الانسحاب الإسرائيلي الشامل منه مطلع كانون الثاني 2025 في ساعات قليلة، قبل أيام على انتخاب قائد الجيش العماد جوزف عون رئيساً للجمهورية. ولم تكتمل فصول المرحلة الثانية منها في "القطاع الاوسط"، بعدما جمّدها تمسّك إسرائيل بالنقاط الخمس من أطرافه في اتجاه القطاع الشرقي.
وبناءً على كل ما تقدّم، لا يسع المراجع الديبلوماسية، ومعها العسكرية، أن تضع توصيفاً لوضع تلال علي الطاهر التي تحولت إلى ما يشبه "الأسطورة". ذلك، انّه وخوفاً من أن تتحول سبباً لـ "نكبة" جديدة، ما زالت مطروحة على مسرح السباق المفتوح بين الخيارات العسكرية والسياسية، من ضمن الصراع الأوسع وبقاء لبنان حجر الرحى بين أطرافه.