Search Icon

على أبواب الحرب الكبرى

منذ 5 سنوات

من الصحف

على أبواب الحرب الكبرى

الاحداث- كتبت صحيفة " الأخبار " تقول : ليس أفضل من العدوّ في قراءة أحوال المقاومة في كل الساحات العربية. معركة "سيف القدس" وسّعت آذان قادة ‏الجهات الأمنية والعسكرية المعنيّة في كيان العدو، وبات الأمر يتعلّق بحسابات من نوع مختلف. والعدوّ نفسه الذي ‏يدرس ما فعله الفلسطينيون خلال 11 يوماً، ليس في الميدان فحسب، بل على صعيد العالم، يكثّف مراقبته لردّ فعل ‏حلفاء المقاومة الفلسطينية. وفي الكيان، اليوم، من يعتقد بأن حزب الله في لبنان كان أول من استخلص العبر من حرب ‏غزة الأخيرة. وهذا صحيح على نحو يتجاوز، ربّما، ما يفترضه العدوّ من حسابات ذات طابع مهني، إذ إن المسألة ‏ببعدها الاستراتيجي أخذت مساراً جديداً‎.‎
‎ 
في ذكرى حرب تموز 2006، ليس لدى الجانبين أوراق جديدة قابلة للنشر. هناك أسرار قد تبقى مدفونة إلى زمن ‏طويل. لكن الدروس الأساسية، والأحداث التي تلت، جعلت من تلك الحرب مناسبة لإعادة تثبيت قاعدة وحيدة في عقل ‏الجميع: المقاومة قادرة على الانتصار‎! 
هذه القناعة، الموجودة أساساً لدى المقاومين وأنصارهم، باتت محفورة أيضاً في وعي العدو. هذا لا يعني أنه يسلّم ‏بالهزيمة في أي حرب جديدة، بل يعني أنه مضطر إلى تحضيرات تأخذ في الحسبان كل احتمال يؤذيه أو يجعله في ‏حالة الانكسار الكبير. وما يدور في خلد قادة الكيان، وعلى مستوى الرأي العام فيه، تتبدّى تعبيراته في أكثر من مكان، ‏وخصوصاً هذه الأيام التي يتابع العدوّ فيها، بدقّة، تطورات الساحة اللبنانية. صحيح أن في تل أبيب من يراهن على ‏فرصة تعرّض المقاومة لتهديد داخلي بفعل الأزمة الاقتصادية الخانقة. لكنّ العدوّ يخشى، انطلاقاً من تجربته مع لبنان، ‏أن تعمد المقاومة الى تحويل هذا التهديد الى فرصة ضده، ليس هرباً من الأزمة الداخلية، كما يحلو لكثيرين القول، بل ‏للإشارة إلى أن لفكرة الفوضى الشاملة حسابات مختلفة، وأن من يعتقد بأن المقاومة ستكون عرضة للإنهاك في حالة ‏الفوضى اللبنانية، عليه الأخذ في الحسبان أن الفوضى، في ذاتها، لطالما مثّلت فرصة لفكّ القيود التي تحول دون إقدام ‏المقاومة على ما من شأنه إحداث تحوّلات في وجهة الصراع الكبير في المنطقة‎. 
هذا يعني أن النقاش حول واقع لبنان اليوم، قد ينظر إليه العدوّ من زاوية السؤال المحيّر حول ما يمكن أن يكون عليه ‏الوضع في اليوم التالي‎.‎
‎ 
لنأخذ، مثلاً، ما كتبه ناحوم برنيع في "يديعوت أحرونوت" عن أن "الزمن يلوّن أحداث حرب لبنان الثانية بألوان ‏أكثر تعقيداً. 15 عاماً من الهدوء التام تقريباً على الحدود الشمالية لا يُستهان بها. لكن هناك عشرات الآلاف من ‏الصواريخ التي جمعها حزب الله، بما فيها صواريخ دقيقة تهدد اليوم كل موقع استراتيجي في البلاد، لا يُستهان بها ‏أيضاً"، ليخلص الى القول: "في عام 2006، كان لبنان دولة. اليوم، لبنان فريسة تنتظر مفترسها. إنه ساحة ‏معركة مستقبلية للحرب التي من المؤكد أنها ستندلع‎". 


وإلى ما سبق، أضاف يوسي يهوشع، مراسل الشؤون العسكرية في "يديعوت"، ما يمكن اعتباره مفتاح النقاش ‏الأكثر خطورة بين الجهات الاحترافية في كيان العدو. إذ ينقل عن نائب رئيس الأركان الحالي (المنتهية ولايته) ‏اللواء أيال زامير قوله: "أمام معركة متعددة الساحات، سيحتاج الجيش الإسرائيلي إلى كتلة حرجة نوعاً وكمّاً". ‏كان زامير يلفت انتباه خلفه (ويحذّره) بأن ما لا يجري التداول به إعلامياً حول الاستحقاقات الداهمة على الجيش ‏كبير جداً. وهذا التحذير، هو سياق مهذّب لانتقاد ضمني وقاسٍ لرئيس الأركان أفيف كوخافي الذي جاءت حرب ‏غزة الأخيرة لتقضي على نظريّته العسكرية حيال القدرة على عمل كبير ينسّق بين الجو والبر، في ظل كثافة ‏نارية تستند الى استخبارات قوية، ما يتيح نصراً حاسماً وسريعاً‎. 
‎ 
ما سرّ الهدوء؟‎ 
بعد أسابيع على انتهاء الحرب في عام 2006، كانت المقاومة في لبنان مشغولة ببرنامج لترميم القدرات العسكرية ‏والقتالية بعد حرب قاسية. عملياً، قاد الشهيد عماد مغنية أوسع عملية تطوير للبنى العسكرية والأمنية للمقاومة، ‏استندت الى خطة تقضي بجعل القوة الصاروخية قادرة على العمل بكثافة ونوعية تفوق بكثير أداءها خلال ‏الحرب. صحيح أنه استفاد من دعم غير مسبوق قدّمته إيران وسوريا. لكنه أوجد أرضيّة لبناء عقيدة قتالية تسمح ‏بتوسيع هامش الخيارات على مستوى التسلح من جهة، وعلى مستوى العمليات العسكرية من جهة أخرى. يومها، ‏كان محسوماً لدى قيادة المقاومة أن خيار الحرب الهجومية بات في متناول الأيدي، وأن على الجهات المعنية توفير ‏عناصر النجاح الخاصة به. أكثر من ذلك، فعّل حزب الله برنامج عمل استخبارات نوعياً أتاح له التقدم أشواطاً ‏كبيرة في فهم العدو وآليات عمله ومتابعة كلّ شؤونه العسكرية والأمنية. والأهمّ أن هذا جرى في سياق برنامج ‏نجح في تدمير بنى متكاملة لاستخبارات العدو داخل لبنان، وفي تعطيل قدرات استخباراتية غير بشرية أيضاً‎. 


عندما قامت المقاومة بذلك، كانت تتصرف على قاعدة أن الحرب التالية ستقع في أي لحظة. وعملياً، كان العدو ‏يتصرف على هذا الأساس، وعلى أساس أن عمله ينطلق من حافزية مزدوجة: الأولى تتعلق بالانتقام للهزيمة، ‏والثانية تتعلق بمنع تعاظم قدرات المقاومة. وهو عمل، ليل نهار أيضاً، وأطلق برنامج مناورات غير مسبوق يتعلّق ‏بالجبهة الشمالية، وتصرّف العدو بطريقة مختلفة مع لبنان وسوريا، فلجأ الى أعمال كبيرة في سياق ما يعتبره منع ‏تعاظم القوة. لكن لم يحصل أن أقدم العدو على شن الحرب. وهذا له أسبابه التي لا تتعلّق بنقص في الحافزية لدى ‏قياداته السياسية والعسكرية والأمنية، بل بأمور أخرى، من بينها، إن لم يكن من أبرزها، الخشية من الفشل الجديد‎. 


الفشل، هنا، لا يتعلق بعدم القدرة على توجيه ضربات قاسية للبنان أو للمقاومة، بل يتعلق بأن مثل هذه الضربات قد ‏لا تكون كافية لتحطيم المقاومة أو شلّ قدراتها العملياتية. وهو فشل يحتمل ما هو أخطر إن كانت المقاومة مستعدة ‏لتعزيز نقاط قوتها حتى خلال الحرب، من خلال اللجوء الى أساليب وتكتيكات تتيح تحقيق نقاط بارزة على جيش ‏العدو، وربما في سياق لا يرد في حساباته‎. 


وسط هذا "اللايقين" الكبير، كان العدو يلجأ الى الرهان على خيارات بديلة من شأنها إنهاك المقاومة أو إضعافها، ‏من نظرته الى الأزمة الداخلية في لبنان وبروز جماعات لبنانية كبيرة ضد المقاومة وسلاحها، مروراً بالحرب ‏التي اندلعت في سوريا، الى الوضع المتردّي في العراق والحصار الآخذ بالتصاعد ضد إيران. لكنه، في الوقت ‏نفسه، كان مشغولاً في مراقبة عدّاد كان هو من وضعه: 30، 40، 50، 100... وصولاً الى 150 ألف صاروخ، ‏قبل أن يتقرر وقف العدّ، والانتقال الى معيار آخر: متوسط المدى، طويل المدى، أرض ــــ ارض تقليدي، باليستي ‏قابل للتموضع بطرق مختلفة، دقيق ضمن هامش أخطاء يصل الى عشرات الأمتار، وصولاً الى دقيق بهامش ‏خطأ أمتار قليلة جداً... وإلى جانب ذلك، ظهر على السطح الكلام عن سلاح كاسر للتوازن تارة، وتارة أخرى عن ‏فرق بشرية تستعد لعمليات اقتحامية للمستوطنات الشمالية، وصولاً الى الحديث عن قدرات نوعية للمقاومة على ‏صعيد الدفاعات الجوية، من دون إغفال الهاجس الدائم: الطائرات المسيّرة‎! 


عملياً، كان العدو يضع على الطاولة أمامه جملة من العناصر التي تصلح لرفع مستوى الحافزية لشن الحرب، لكنها ‏تصلح أيضاً لأن تكون أداة بيد القيادة السياسية لكبح جماح العسكريين، أو وسيلة تتيح لمن يخشى الخسارة الكبرى ‏رفع الصوت داعياً الى مزيد من الاستعداد. كل ذلك يحتاج الى وقت وجهد، وإلى أعمال مفروضة على جدول ‏أعمال العدو وليست من بنات أفكاره أو من صنعه. وهذا ما قاد الى السؤال الأكثر قلقاً: هل وصلت جاهزية ‏المقاومة الى مستوى يمكنها فيه شن الحرب ابتداءً؟‎ 
‎ 
مناورة "سيف القدس‎" 
عند هذا الحدّ، يمكن تلمس منظومة الردع التي جعلت العدو يتصرف على أساس أن الجبهة اللبنانية لم تعد متاحة ‏كيفما اتفق، وأنه يمنع عليه القيام بعمل عسكري، أو حتى أمني، ضد المقاومة في لبنان. وهو أقرّ، ولو بصمت، ‏بقواعد الاشتباك التي وضعتها المقاومة. لكن الأمر بات أكثر إحراجاً وقساوة، عندما أعلنت المقاومة أن قواعد ‏الاشتباك في ما يتعلق بها في لبنان تنسحب عليها في سوريا أيضاً. يعرف العدو أن لدى طائراته وأجهزته ‏الاستخبارية القدرة على القيام بأعمال كثيرة في سوريا. لكنه ملزم بعدم المسّ بالبشر. وهو ينتظر لحظة تعلن فيها ‏المقاومة أنه ممنوع المسّ بغير البشر أيضاً. وهذا ما يجعله يفكر في كيفية التملص من قاعدة يعرف أنها آتية لا ‏محالة. لكن، ما العمل بعد "سيف القدس"؟
‎ 
في حرب غزة الأخيرة كثير من الأحداث التي ستحتاج إلى وقت طويل للكشف عن كل تفاصيلها. لكن ما يهم العدو ‏منها يشير إلى ما أكثر خطورة وحساسية مثل‎: 


‎- ‎إن قوى المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حماس، نجحت في اتخاذ قرار استراتيجي بشنّ حرب هجومية - ‏دفاعية، رغم كل ما يحيط الوضع الفلسطيني من صعوبات، ورغم كل الخصوصية التي تحيط بعملها السياسي. ‏وقد أظهرت الوقائع أن قدرات المقاومة في فلسطين تتيح لها الدخول في مواجهة كان يمكن أن تستمر أسابيع وليس ‏أياماً فقط‎. 


‎- ‎إن قدرات المقاومة في فلسطين، على صعيد القوة الصاروخية، من شأنها التسبب بإزعاج غير مسبوق للكيان ‏برمّته، حتى ولو كانت ذات فعالية محدودة بالمعنى التقني. لكنها قدرات تملك هامشاً من المناورة صدم العدو الذي ‏لم يتمكّن من منع إطلاق الصواريخ رغم المواعيد المعلنة مسبقاً لإطلاقها‎. 


‎- ‎إن مستوى التنسيق بين المقاومة في فلسطين والمقاومة في لبنان (وما هو أبعد) أظهر تميّزاً ساعد على ضرب ‏نظرية كوخافي العسكرية، وعطّل برنامجاً أمنياً عمل العدو عليه لسنوات طويلة. بل إن هذا التنسيق أتاح للمقاومة ‏في لبنان القيام بمناورة حية للتعرف إلى آلية العمل خلال الحرب، وهو ما يدفع قادة العدو إلى التفكير بطريقة ‏مختلفة إلى الجبهة الشمالية، ليس لمعالجة تهديدها الموضعي، بل لضرب قدرتها على مساعدة الجبهة الجنوبية بما ‏هو خارج المتوقع‎. 


‎- ‎إن مستوى التفاعل بين القوى المعنية بمحور المقاومة على أكثر من ساحة، فتح الباب أمام خيارات باتت قابلة ‏للتحقق وفق المعادلة التي أعلنها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، بتحذيره العدو من أن قوى المقاومة ‏في لبنان وفلسطين والعراق وسوريا واليمن باتت معنية بأي حرب واسعة مع العدو دفاعاً عن القدس. في هذا ‏الإطار، يعرف العدو مستلزمات مواجهة مثل هذا التهديد. وتكفي الإشارة إلى أنه بات مضطراً للنظر بحذر شديد ‏إلى ما يجري على بعد أكثر من 1500 كيلومتر من حدود كيانه، أي إلى اليمن، حيث بات بمقدور "أنصار الله" ‏المشاركة العملانية في مواجهته وتوجيه ضربات مؤلمة له عن بعد آلاف الكيلومترات. وهو اضطر إلى إعادة ‏تشغيل غرفة الاتجاه الجنوبي في جيشه، لمجرد التقاطه إشارات عن استعدادات عملانية لدى "أنصار الله" لتوجيه ‏ضربات مباشرة إلى أهداف إسرائيلية في مناطق الجنوب، وقد تلامس مناطق الوسط أيضاً‎. 
‎ 
الكل يستعد‎ 
على أن كل ما سبق، لا يكفي لإقفال ملف الأسئلة الكبرى حيال الخطوة التالية. وهذا يفتح الباب أمام تحديات تواجه ‏الجميع. إذ إن جمع أجزاء الأحجية المتصلة بكل ما يجري في دول المنطقة، بما فيها المعركة القاسية ضد لبنان، ‏يقود إلى استنتاج واحد أوحد: ثمة حاجة إلى معركة فاصلة تعيد صياغة التصور العام للجغرافيا السياسية في ‏المنطقة، وموقف الغرب وسلوكه حيالنا. ولأن إسرائيل مثّلت، على الدوام، حجر الرحى في البناء الغربي لمنظومة ‏الحكم في غالبية دولنا، فإن ما ينتظرها يجب أن يكون "نقطة علام" لكل من يفكّر أو يخطط أو يعمل لبناء بلده