الاحداث- كتبت صحيفة "الجمهورية": على وقع استمرار الحرب المشفوع بحشد الأساطيل، تبدو المساعي الديبلوماسية لعقد لقاء أميركي ـ إيراني في باكستان، لا تعدو كونها رغبة الساعين إليها فقط، لأنّ انعدام الثقة بين واشنطن وطهران بلغ أشدّه، أقله من جانب طهران، التي ترى انّ واشنطن تتظاهر في انّها ترغب بالتفاوض فيما هي تحشد وتحضّر لغزو بري لإيران. اما على الجبهة اللبنانية، فإنّ المواجهات على أشدّها في منطقة جنوب الليطاني بين قوات الاحتلال الإسرائيلي و»حزب الله»، مترافقة مع استمرار إسرائيل في غاراتها الجوية المتنقلة بين الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع، موقعة مزيداً من الشهداء والجرحى ومخلّفة مزيداً من الدمار في الممتلكات.
أكّد مصدر سياسي مطلع على الاتصالات السياسية حول ملف التفاوض لـ«الجمهورية»، انّ الجانب الإيراني بعث رسالة واضحة إلى واشنطن، مفادها انّه إذا لم يشمل الحل وقف الحرب الإسرائيلية على لبنان والدخول في المفاوضات، فإنّ طهران ستفصل بين الولايات المتحدة وإسرائيل، أي بمعنى أوضح، تلتزم الهدنة والاتفاق مع الأميركيين لكن إسرائيل ستبقى هدفاً لصواريخها.
ورأى المصدر، انّه «بين ساعة وأخرى تتغير المعطيات وتدخل عوامل جديدة مؤثرة على المفاوضات على الساحة الأم، أي ايران، فكيف في لبنان الملحق، وآخر ما دخل عليها كان تهديد الحوثيين بإقفال مضيق «باب المندب»، ما سيرفع حتماً سعر برميل النفط، وهو هاجس ترامب في الأسواق العالمية». وأشار المصدر إلى «انّ رفع مستوى الضغط العسكري يسرّع في إيجاد المخرج لوقف الحرب. ولبنان لا يمكن له إلّا انتظار ما ستؤول اليه الأمور». وكشف انّ اكثر من طرف خارجي يعمل على ترتيب أوراق التفاوض في لبنان، لتهيئة الأرضية في حال فتح الباب، خصوصاً الفرنسي والمصري، بالتوازي مع المبادرة التركية- السعودية لإنهاء الحرب في المنطقة».
سيناريوهات خطرة
وقالت مصادر ديبلوماسية لـ«الجمهورية»، إنّ «أخطر ما شهدته الساعات الأخيرة في لبنان هو أنّ إسرائيل خرجت من عنوان العملية العسكرية المحدودة الذي كانت تدّعي العمل لتحقيقه، لتكشف عن ملامح خريطة جيوسياسية تنذر بسيناريوهات خطرة وطويلة الأمد. فقد أعلنت إسرائيل أمس توغل قواتها في الجنوب اللبناني عبر الجهة السورية من جبل الشيخ. وهذا ما يثير المخاوف من مناورة الالتفاف الكبرى التي لطالما تحدث عنها الخبراء، والتي تسعى إسرائيل من خلالها إلى تطويق خطوط الدفاع الأمامية لـ«حزب الله» في الجنوب، والنفاذ نحو البقاع الغربي وصولاً إلى البقاع الشمالي، بهدف قطع الشرايين وضرب العمق الاستراتيجي ومخازن القدرة الصاروخية، بعيداً من المواجهة المباشرة في القرى الحدودية، ما يعني محاولة عزل الجنوب عن ظهيره البقاعي بكامله».
وأضافت هذه المصادر «انّ العنصر الثاني، الأكثر خطورة، الذي ظهر أمس، يكمن في التصريحات المسرّبة عبر الإعلام العبري نقلاً عن مسؤولين أمنيين، والتي تؤكّد نية إسرائيل البقاء في الجنوب اللبناني لأشهر، وربما لسنوات. وأما ذريعة عدم قدرة الحكومة اللبنانية على نزع سلاح «حزب الله» فلم تعد إلّا غطاءً سياسياً لواقع ميداني تسعى إسرائيل إلى تثبيته. وهذا ما يعيد إلى الأذهان حقبة ما قبل العام 2000، ولكن بصيغة أكثر دموية وتوسعاً. وإذ كشفت إسرائيل كذاك إصرارها على البقاء حتى «ما بعد انتهاء الحرب»، فإنّها عملياً تعلن تحويل الجنوب «منطقة عازلة» دائمة، خاضعة لسيطرتها العسكرية المباشرة. وهذا ما يضع السيادة اللبنانية هناك أمام اختبار خطير، في ظل تخبّط الدولة اللبنانية في مآزق داخلية، وفشل الرهان على الديبلوماسية، حيث أنّ الحديث عن القرار 1701 والمفاوضات السياسية بات باهتاً جداً أمام اندفاع الآليات الإسرائيلية التي تكاد تلامس الليطاني في القطاع الشرقي، وفق ما أشارت مصادر عسكرية».
توسيع العمليات
في غضون ذلك، زار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مقرّ القيادة الشمالية، برفقة وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير، في خطوة تمهّد لتوسيع العمليات البرية في جنوب لبنان، وفق ما أفادت به «هيئة البث الإسرائيلية».
وأعلن نتنياهو، في بيان مصوّر من داخل القيادة، أنّه وجّه بتوسيع «المنطقة العازلة» أو «الحزام الأمني» في جنوب لبنان، مؤكّداً الإصرار على «تغيير الواقع في الشمال من جذوره». وقال: «أنهيت تقييم الوضع في قيادة الشمال مع وزير الدفاع ورئيس الأركان وقائد القيادة وقادة الألوية»، مضيفاً: «نحن في معركة متعددة الجبهات ضدّ إيران وأذرعها، ونواصل ضربها بكل قوة».
واعتبر أنّ إسرائيل «تحقق إنجازات كبيرة وتخلق شقوقاً واضحة في النظام الإيراني»، مشيراً إلى أنّ «إيران لم تعد كما كانت، و«حزب الله» لم يعد كما كان، وكذلك حماس»، وأنّ هذه الأطراف «باتت في موقع دفاعي وتقاتل من أجل بقائها». كما توجّه إلى سكان شمال إسرائيل داعياً إلى «الصبر والصمود»، مؤكّداً أنّه أوعز للوزارات بتقديم دعم واسع لهم.
وفي سياق حديثه عن لبنان، قال إنّ «حسن نصرالله بنى قوة كبيرة وكان يعتقد أنّه سيدمّرنا»، معتبراً أنّ إسرائيل «أنشأت ثلاث مناطق أمنية في لبنان وقطاع غزة وسوريا»، ومضيفاً: «قلنا إننا سنغيّر وجه الشرق الأوسط وقد فعلنا ذلك».
ومن جهته وزير الخارجية جدعون ساعر قال عبر منصة «إكس»، انّ لبنان «لا يزال خاضعًا لاحتلال إيراني غير مباشر»، مشيرًا إلى «أنّ وزراء ينتمون إلى «حزب الله» يشغلون مناصب في الحكومة اللبنانية». وقال إنّ «القسط الأكبر من عمليات إطلاق الصواريخ في اتجاه إسرائيل يتمّ من جنوب نهر الليطاني، من المنطقة نفسها التي أعلنت الحكومة اللبنانية في مطلع كانون الثاني أنّها فرضت فيها سيطرة عملياتية». وأضاف أنّ «نحو 5,000 عملية إطلاق نُفّذت في اتجاه إسرائيل منذ بداية الحرب»، مؤكّدًا أنّ بلاده «ملتزمة بالتحرك لضمان أمن مواطنيها».
وجاءت هذه التصريحات في ظل تصعيد ميداني متواصل، حيث أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، أنّ قوات الفرقة 146 توسّع نطاق «المنطقة الأمنية المتقدمة» وتتقدّم نحو أهداف جديدة، بعد تدمير أكثر من 200 بنية تحتية تابعة لحزب الله، بحسب قوله.
وكتبت المتحدثة باسم الجيش الاسرائيلي إيلا واوية عبر «إكس»: «نحن اليوم أمام لحظة تاريخية لتصميم واقع أمني جديد، يمتد أثره من طهران إلى بيروت، وهدفنا تقويض النظام الإرهابي الإيراني وإزالة التهديدات الوجودية عن مواطنينا». أضافت: «في لبنان، ضربنا أكثر من 170 هدفاً إرهابياً، وتمّت تصفية أكثر من 850 مخرّباً منذ بداية القتال. وما يسمّى «حامي الوطن» في لبنان فشل في مهمّاته، فلم ينزع سلاح «حزب الله» ولم يمنع التموضع الإيراني. الجيش الإسرائيلي لم يعد يقبل بأنصاف الحلول أو «المعادلات» القديمة. نحن اليوم نضرب رأس الأخطبوط في إيران ونقطع أذرعه في لبنان».
وإلى ذلك، أشار الجيش الإسرائيلي، في بيان، إلى أنّ «قوات وحدة رجال ـ الألب تحت قيادة لواء الجبال (810) أنجزت عملية مخصصة لإحباط محاولات تموضع التنظيمات المسلحة في منطقة الحدود مع لبنان»، موضحاً أنّ ذلك يأتي «لأول مرّة ضمن نشاط عابر للحدود من جبل الشيخ في شقه السوري إلى جنوب لبنان«.
بارو
في المواقف الدولية، أكّد وزير الخارجيّة الفرنسيّ جان نويل بارو أنّ «لبنان لا يُمكن أن يكون ساحة اقتتال لدول أخرى»، مثمّنًا «قرارات الحكومة اللبنانيّة بشأن حزب الله». وشدّد على أنّ «على إسرائيل أن تمتنع عن شنّ أي عمليّة بريّة أو مهاجمة البنى التحتيّة المدنيّة والمناطق المكتظّة مثل بيروت»، مشيرًا إلى أنّ لبنان «لم يكُن من المفترض أن ينجرّ إلى هذه الحرب، والمسؤوليّة تقع على عاتق «الحزب» الذي اتّخذ هذا القرار». وأعلن عن «توافق على مستوى المجتمع الدوليّ بشأن أهميّة الحفاظ على حريّة الملاحة في مضيق هرمز»، قائلًا: «ندعم الجهود الرامية إلى خفض التصعيد، ونأمل أن تقود إلى نتائج مثل إعادة فتح مضيق هرمز».
البابا في أحد الشعانين
وفيما أحيت الطوائف المسيحية التي تعمل بالتوقيت الغربي أحد الشعانين، قال البابا لاوون الرابع عشر في كلمة ألقاها أمام عشرات الآلاف في ساحة القديس بطرس في الفاتيكان، إنّ الرب «يرفض الحرب.. ولا يمكن لأحد أن يستخدمه لتبرير الحرب». وأضاف أنّ الرب «لا يستمع إلى صلوات الذين يشنون الحروب، بل يرفضها قائلاً «حتى لو صليتم كثيراً، فلن أستمع إليكم: فأيديكم ملطخة بالدماء».
ولم يذكر البابا لاوون أسماء أي من قادة العالم على وجه التحديد، لكنه كثف انتقاداته لحرب إيران خلال الأسابيع القليلة الماضية، ودعا إلى وقف فوري لإطلاق النار في النزاعات.
الراعي
وإلى ذلك، قال البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي في قداس أحد الشعانين أمس: «قلوبنا تعتصر ألمًا وحزنًا على الأطفال الذين قصفت أعمارهم صواريخ الحرب البغيضة على أرضنا؛ وعلى الأطفال المشرّدين مع أهلهم تحت هذه الأمطار والصقيع بدون ثياب عندهم. فإنّا نشكر كل المؤسسات والأفراد الذين يحملون إليهم المواد الغذائية والأدوية والثياب، ونخصّ بالذكر دولة مصر التي وصلت مساعداتها بالأمس. ونتضامن مع أهلنا المسالمين الصامدين في بيوتهم، في الجنوب وسواه، ملتمسين السلام ونهاية هذه الحرب المشؤومة. ولكن ما يؤلمنا بالأكثر استشهاد والد وابنه على طريق دبل وهما جورج وابنه إيلي سعيد، كما يؤلمنا قتل صحافيين، وطواقم طبية، وعناصر من الجيش اللبناني، وضحايا مدنيين في عدّة مناطق. كلّهم قضوا باستهدافات الجيش الإسرائيلي. فإنّا نصلّي لراحة نفوسهم، وعزاء أهلهم». واضاف: «إنّ إنجيل أحد الشعانين يحمل رسالة عميقة لواقعنا اللبناني اليوم. فالشعب الذي خرج لاستقبال يسوع لم يحمل سلاحًا، بل حمل أغصان النخل والزيتون، علامة الفرح والسلام. واليوم، ونحن نحمل هذه الأغصان، لا يمكن إلّا أن نتأمل في واقع وطننا الذي يعيش اضطرابات وتوترات على أرضه وحدوده. في وسط هذا الواقع، يأتي هذا العيد ليذكّرنا بأن خيارنا هو السلام. أغصان الزيتون التي نحملها ليست مجرد رمز، بل هي موقف، هي إعلان بأننا نريد السلام، ونتمسك به، ونعيشه رغم كل التحدّيات. «وقال: «إننا نريد الخلاص، نريد أن يبقى وطننا في نور الحق. وفي زمن تميل فيه الأصوات إلى التوتر والانقسام، تبقى دعوتنا أن نهتف: سلامًا، سلامًا، سلامًا! وكفى حربًا وقتلًا وتدميرًا! فالمسيح الذي دخل أورشليم هو ملك السلام، ونحن مدعوون لنحمل هذا السلام في قلوبنا، وفي بيوتنا، وفي مجتمعنا». ودعا إلى ان «نصلي من أجل وطننا لبنان، لكي يحفظه الله من كل شر، ويمنحه الاستقرار والسلام الدائم والعادل والشامل. ونصلي لكي يبقى هذا الوطن أرض رسالة، أرض لقاء، أرض سلام، ولكي يمنح الله أبناءه القوة والثبات في هذه الظروف».
شيباني لم يغادر
من جهة ثانية، انتهت منتصف ليل أمس المهلة التي حدّدتها وزارة الخارجية للسفير الإيراني محمد رضا شيباني لمغادرة لبنان تنفيذاً لقرارها بطرده. لكن شيباني لم يغادر.
وعلمت «الجمهورية» انّ رئيس مجلس النواب نبيه بري رفض تمييع قرار وزير الخارجية بطرد السفير الإيراني، او اعتباره قراراً مع وقف التنفيذ. طالباً العودة عنه وتصحيح التعاطي الديبلوماسي مع طهران.
ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدر ديبلوماسي إيراني قوله: «السفير الإيراني لن يغادر لبنان الأحد بعد انتهاء مهلة منحته إياها الخارجية».
وقال المصدر الذي تحفّظ عن ذكر اسمه، إنّ «السفير لن يغادر لبنان، نزولاً عند رغبة الرئيس نبيه بري وحزب الله».
وقالت قناة «الجديد»، إنّ معلومات وصلت إلى وزارة الخارجية الإيرانية والسفارة في بيروت، مفادها أنّ مغادرة شيباني قد تؤدي إلى فوضى في لبنان، ما دفع الجهات المعنية إلى التوجيه ببقائه في بيروت حتى التوصل إلى حل سياسي.