Search Icon

ضربة إقتصادية جديدة تطال لبنان وخسائرها قد
تصل الى أكثر من ‏‏900 مليون دولار سنويًا
المنصّة الإلكترونية الى آخر الشهر..

منذ 5 سنوات

من الصحف

ضربة إقتصادية جديدة تطال لبنان وخسائرها قد 
	تصل الى أكثر من ‏‏900 مليون دولار سنويًا 
	المنصّة الإلكترونية الى آخر الشهر..

الاحداث- كتبت صحيفة " الديار " تقول : لا نُبالغ إذا ما قلّنا إن هيئة التحقيق الخاصة، وهي مؤسسة مُستقلة داخل مصرف لبنان، تُشكّل عنصراً ‏أساسياً في عملية إندماج لبنان عموديًا في الإقتصاد العالمي. فالمعروف أن العالم ومنذ عقود يكافح ‏على جبهة مُكافحة تبييض الأموال الناتجة عن أموال غير مشروعة حددها القانون 318/2001 بتجارة ‏المخدّرات، والأموال الناتجة عن العصابات، وجرائم الإرهاب، وجرائم السرقة وإختلاس الأموال ‏العامّة، وتزوير العملة أو الأسناد العامّة. وألزم القانون المؤسسات الخاضعة لقانون سرية المصارف ‏الصادر بتاريخ 3/9/1956 القيام بمراقبة العمليات التي تجريها مع زبائنها لتلافي تورّطها بعمليات ‏يمكن أن تخفي تبييضاً لأموال ناتجة عن الجرائم المحددة في القانون. وأناطت المادّة السادسة من هذا ‏القانون مُهمّة الرقابة على تطبيق إجراءات مكافحة "لهيئة مُستقلة ذات طابع قضائي تتمتع بالشخصية ‏المعنوية وغير خاضعة لسلطة مصرف لبنان" ولا تسري عليها السريّة المصرفية، وأعطتها إسم "هيئة ‏التحقيق الخاصة". وتتألف هذه الهيئة من الحاكم (أو من ينتدبه من نوابه) رئيسًا، رئيس لجنة الرقابة ‏على المصارف، القاضي المُعيّن في الهيئة المصرفية العليا، عضوًا أصيلا وأخر رديفًا مُعين من قبل ‏مجلس الوزراء‎.‎ 


القانون الذي تمّ إقراره قبل هجمات 11 أيلول الإرهابية، لم يعدّ يُلبّي المُتطلبات الدولية وخصوصًا ‏الأميركية، كما أن مُعاهدة الأمم المُتحدة حول مُكافحة الفساد (وقّع عليها لبنان في 22 نيسان 2009)، ‏فرضت مُعطيات جديدة لتصويب إندماج لبنان في النظام المالي والإقتصادي العالمي.فعقب هجمات 11 ‏أيلول الإرهابية وتحت ضغط الولايات المُتحدّة الأميركية، نشأت فكرة إنشاء "غافي" الشرق الأوسط ‏وشمال أفريقيا نظرًا إلى الإتهامات التي تمّ توجيهها إلى الدول العربية التي كان بعضها على لائحة الدول ‏غير المتعاونة (مثل لبنان). وبالتالي بدأت سلسلة من الإجتماعات ضمن فريق عمل عُرف باسم مجموعة ‏العمل المالي لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب في دول الـ ‏MENA‏. وترأس لبنان بشخص رئيس ‏هيئة التحقيق الخاصة رياض سلامة هذه المجموعة، التي ضمّت 41 دولة، في عامها الأول. هنا لا بد من ‏الإشارة إلى أن ترؤس لبنان هذه المجموعة كانت نتيجة عمل هيئة التحقيق الخاصة والجدّية التي تعاطت ‏بها.‏

ضغوطات "غافي" وقانون "فاتكا" و "غاتكا" أدّت إلى إقرار لبنان مجموعة من القوانين في العام ‏‏2015 وعلى رأسها القانون 44/2015 المعروف بقانون "مُكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب" ‏والذي وسّع مفهوم الأموال غير المشروعة في مادّته الأولى ليُغطّي كل أنواع الجرائم المنصوص عليها ‏بشرعة حقوق الإنسان ولكن أيضًا مُعاهدة مُكافحة الفساد. وبالتالي تمّ توسيع نطاق تطبيق القانون ‏‏318/2001 كما وصلاحيات الهيئة.‏ 


الجدير ذكره أن المصارف المراسلة تشترط على المصارف اللبنانية تبيان إجراءات مُكافحة تبييض ‏الأموال للقبول بفتح حسابات لها، إضافة إلى هذا المطلب تشترط هذه المصارف أن يكون البلد - أي لبنان ‏‏- غير مُدرجّ على لائحة الدول غير المتعاونة. وبالتالي فإن هيئة التحقيق الخاصة تُشكّل الضمانة في ‏الحالتين نظرًا إلى آلية الرقابة التي يفرضها وجود السرية المصرفية.‏ 


عمل الهيئة لم يلقَ أي إنتقاد على الصعيد الدولي، لا بل على العكس كان هناك تعاون كبير من قبل لبنان ‏مما فتح أمامه أبواب الإندماج في الاقتصاد العالمي وفي النظام المالي العالمي. لكن على الصعيد الداخلي ‏وخصوصًا بعد 17 تشرين الأول 2019، بدأت الإنتقادات توجّه إلى هيئة التحقيق الخاصة بإستنسابية ‏التعاطي مع الملفات وهو ما دفع القوى السياسية إلى طرح تعديلات في عمل الهيئة من باب قانون السرية ‏المصرفية.‏ 


المعلومات تُشير إلى أن توجّهات القوى السياسة هي بإضافة جسمين في أعلى هرم هيئة التحقيق الخاصة: ‏القضاء والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد! وهذا أمر لا يُبشّر بالخير خصوصًا أن العامل السياسي سيدخل ‏حُكمًا إلى عمل هذه المؤسسة التي مضت إتفاقيات تعاون مع هيئات خاصة في 40 دولة وحصدت ثقة ‏المؤسسات الدولية التي سمحت للمصارف اللبنانية بتوسيع رقعة تعاملاتها.‏ 


هناك إحتمالان وراء طرح التعديل في القانون 44/2015:‏ 


أولا- يُمكن أن يكون تقييم القوى السياسية لعمل اللجنة (من خلال ممثّليهم في المجلس النيابي) قد أوصل ‏إلى نتيجة أن عمل الهيئة كان غير كافٍ، وفي هذه الحالة الطرح الذي يتمّ درسه هو غير مؤاتٍ، لأسباب ‏سنذكرها لاحقاً. معنى ذلك أن هذه المؤسسة ستكون تابعة لا مستقلة، إضافة إلى أن هذه التبعية ستكون ‏سياسية لا فنية محترفة. وهذا سيؤدّي حتماً إلى فقدان ثقة المؤسسات الدولية بهذه المؤسسة التابعة وعدم ‏استقلاليتها في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، إضافة إلى الإثراء غير المشروع، وهذا أمر ‏يعني إستحالة بقاء لبنان في المنظومة المالية العالمية. لذا لا يُمكن إلا طرح ما قد يُعطي الهيئة دفعًا إلى ‏الأمام وليس وما يُعطّل عملها.‏ 


ثانيًا - ترى القوى السياسية في هيئة التحقيق الخاصة أداة يُمكن إستخدامها في الصراعات السياسية لذا ‏يجب السيطرة عليها في المرحلة المُقبلة، من هنا تحاول تكبيلها بوضع طبقة عليها ستُفقدها حكمًا ‏إستقلاليتها التي تتمتّع بها، ومن ثم تُمعن في تغطية مصالحها.‏

وفي كلا الحالتين نرى أن التعديل المطروح - أي وضع القضاء والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد فوق هيئة ‏التحقيق الخاصة - هو طرح غير مناسب للأسباب التالية:‏ 


أولا - هناك توجّه لدى القوى السياسية لرفع السرية المصرفية عن موظّفي القطاع العام والأشخاص الذين ‏يتعاطون الشأن العام، وهو أمر مطلوب وضروري على كل المستويات. إلا أن المُشكلة هو أن وضع ‏القضاء في آلية التحقّق من عمليات تبييض الأموال وفساد مما يعني التشهير بالأشخاص من القطاع ‏الخاص (غير المشمول برفع السرية المصرفية) نظرًا إلى أن المحاكمات علنية. ناهيك عما ثبت عبر ‏الأحداث المتعاقبة من التدخّل السياسي في عمل القضاء والذي ظهرت عوارضه في شكل فاضح في ‏المرحلة الماضية.‏ 
ثانيًا - وضع الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد على رأس هذه اللجنة يعني التعطيل السياسي البحت لعمل هيئة ‏التحقيق الخاصة خصوصًا أن الصراعات السياسية منعت تعيين العديد من اللجان الوطنية. وبالتالي يبرز ‏سؤال مريب هنا هل المُراد حقيقة من هذا الطرح تعطيل عمل هيئة التحقيق الخاصة؟ 
ثالثًا - كيف سيتمّ تحليل المعلومات في حال كانت هناك العديد من الجهات التي ستتلقى هذه المعلومات؟ ‏عمليًا هناك شبه إستحالة لعملية التحليل إذا لم تكن مركزية كما هو الأمر حاليًا خصوصًا أن القانون ‏‏44/2015 أعطى هيئة التحقيق الخاصة صلاحية مُخاطبة المصارف والجهات الدولية مباشرة وبالتالي ‏تمتلك هذه الهيئة نظرة ‏transversal‏ للمعلومات تسمح لها بتحليل معلومات تطال أي مُشتبه به دون ‏التشهير به حتى ثبات الجرم حينها تطلب الهيئة رفع السرية المصرفية وتُحوّل الملف إلى القضاء.‏ 
لقد قامت لجنة العدل في المجلس النيابي بتكليف النائب جورج عقيص مُهّمة تحضير دراسة عن تعديل ‏قانون السرّية المصرفية، وهو ما قام به حيث قدّم دراسة من 6 صفحات إحتوت على رؤية (برأينا منطقية ‏إلى حدٍ مُعيّن) للتعديلات على قانون السريّة المصرفية على أن تقوم اللجنة بدراستها إبتداءً من اليوم. ‏وتضمّ هذه التعديلات:‏ 
أولاً - إلزام تصريح المصارف عن زبائنها في حال طلب الشخص أو ورثته، أو أعلن الإفلاس أو كان ‏هناك دعوى بحقّه؛ 
ثانيًا - رفع السرية المصرفية عن الموظّف العمومي، ورؤساء الجمعيات التي تتعاطى نشاطًا سياسيًا، ‏ورؤساء وأعضاء مجالس الإدارات في وسائل الإعلام، والمرشحين للإنتخابات النيابية، وأزواج ‏الأشخاص السابق ذكرهم؛ 
ثالثًا - تحديد آلية رفع السرية من خلال: قرار من هيئة التحقيق الخاصة (عملا بالقانون 44/2015)، ‏وقرار من هيئة التحقيق الخاصة بناءً على طلب من الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد (عملا بالقانون ‏‏175/2015)، وقرار من قضاء الحكم المُختصّ في الجرائم الأخرى غير المنصوص عليها في القانون ‏‏44/2015؛ 
رابعًا - يبقى رفع السرية ساري المفعول حتى بعد إستقالة أو إنتهاء عمل أو تقاعد الأشخاص الآنفة الذكر ‏عن كل الفترة التي توّلوا فيها مهامهم، كما وتسري على كل من تولّى سابقًا مهاماً رسمية؛ 
خامسًا - لا يُمكن التذرع بالسرية المصرفية لمنع كشف المعلومات عن الأشخاص المُصنّفين أعلاهم وهذا ‏يشمل المديرين في المصارف وحتى الموظّفين تحت طائلة الحبس مدّة سنة مع غرامة تتراوح بين 100 ‏و200 مليون ليرة لبنانية. - انتهى -‏
عمليًا، هذا الطرح جيّد شرط أن تبقى مركزية المعلومات تحت سيطرة هيئة التحقيق الخاصة نظرًا إلى ‏أهمّية هذه المركزية ومنع تسريب المعلومات التي قدّ يتمّ تسريبها عن الأشخاص غير المعنيين برفع ‏السرية المصرفية وإلا تُصبح السرية مصرفية ظاهرية ومفرّغة من معناها وبالتالي يصير الأولى رفعها ‏بالكامل.‏ 
على صعيد إقتصادي آخر، ظهر إلى العلن مُشكلة جديدة تمثّلت بضبط الجمارك السعودية لكميّات كبيرة ‏من المُخدّرات في كونتنرات الرمان المصدّرة إلى المملكة العربية السعودية. وبحسب السلطات السعودية، ‏هذه ليست المرّة الأولى حيث قامت بإرسال طلبات متتالية إلى الجانب اللبناني للتشدّد في عملية مراقبة ‏الشحنات التي تنقل البضائع والسلع إلى المملكة. إلا أن الحجم الهائل للكمّية المضبوطة دفع بالسلطات ‏السعودية إلى منع الإستيراد من لبنان ومنع مرور الشاحنات القادمة من لبنان من المرور على أراضيها ‏بإنتظار ضمانات من الجانب اللبناني، وتبعتها الكويت والبحرين في هذا الإجراء. وهنا يُطرح السؤال عن ‏نوع الضمانات التي تطلبها السلطات السعودية لوقف قرار قد يُكلّف لبنان ما يقارب الـ 930 مليون دولار ‏أميركي سنويًا خصوصًا أن الدول الخليجية الأخرى بدأت تأخذ مواقف مُطابقة للموقف السعودي؟ عمليًا ‏الضمانات هي على ثلاثة مستويات: أولا إشراك مسؤولين أمنيين من الجمارك السعودية في عملية التحقيق ‏التي تُجريها السلطات اللبنانية، ثانيًا وضع آلية خاصة للرقابة على الشاحنات المُتوجّهة إلى الخليج، وثالثًا ‏ضمانة سياسية لا يستطيع تقديمها إلا حكومة أصيلة.‏ 
الجدير ذكره أن هناك بعض القطاعات الزراعية التي تعتمد بشكل حصري على التصدير إلى السعودية ‏وهذا الأمر يُشكّل ضربة كبيرة لهؤلاء وبالتالي أي تخاذل في تأمين الضمانات المطلوبة سيؤدّي حكمًا إلى ‏ضرب الاقتصاد اللبناني في وقت يحتاج فيه لبنان إلى كل دولار تصدير.‏ 
على صعيد الدولار الأميركي، يشهد سعر صرفه في السوق السوداء نوعًا من الهدوء، أغلب الظنّ أنه ‏‏"مقصود" في هذا الشهر الفضيل. وتُشير معلومات الديار إلى أن المنصة الإلكترونية المنوي إطلاقها ‏لإمتصاص الطلب المؤسساتي في السوق السوداء، سيتمّ إطلاقها الإثنين المُقبل (3 أيار) بعد أن يوافق ‏المجلس المركزي لمصرف لبنان على التعديلات التي تطال آلية عمل هذه المنصة. في هذا الوقت تستمر ‏عملية تأهيل موظّفين من القطاع المصرفي لإستخدام هذه المنصّة وهو ما يدّل على جدّية عملية الإنطلاق. ‏ويبقى السؤال الأساسي: هل سينخفض سعر صرف الدولار على هذه المنصّة؟ الجواب مرهون بعملية ‏التهريب. فمع تحسّن القدرة الشرائية لليرة السورية مُقابل الدولار الأميركي، ستزيد حكمًا عملية التهريب ‏وهو ما يفرض على القوى الأمنية والأجهزة الرقابية تكثيف عملها الرقابي تحت طائلة ضرب السوق ‏اللبناني أكثر. وإذا ما وفّرت المنصّة سعر صرف دولار أقل من السوق السوداء، فإن عملية التهريب ‏ستتعاظم أكثر وسيتمّ إستخدام المنصة لتمويل التهريب مع ما يرافق ذلك من حرمان المواطن اللبناني من ‏ماله وقوته إضافة إلى التحول المتعمد لخرق قانون قيصر.‏

فأي مسلك متهاوٍ تسير فيه البلاد؟ وهل صار اللبناني يهوى قتل نفسه؟