Search Icon

زيارة سلام الثالثة إلى النبطية: ما لها… وما عليها

منذ ساعة

من الصحف

زيارة سلام الثالثة إلى النبطية: ما لها… وما عليها

الاحداث- كتب فارس خشان في صحيفة النهار:"المشكلة في زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى النبطية في 2 تشرين الأول 2026 ليست أنّ الدولة تريد إعادة إعمار الجنوب، هذا واجبها، المشكلة أنّ دولة مفلسة تنفق "فلس الأرملة"، لا تملك، بعد، الضمانة السياسية والأمنية لمنع التدمير مجدداً. ولبنان لا يحتاج إلى كثير من الخيال ليتصور النتيجة.

هذه هي الزيارة الثالثة لسلام إلى قضاء النبطية منذ تشكيل حكومته. وفي زيارة سابقة، عاد إلى المنطقة بعد تأمين أول رزمة من التمويل ليعلن بدء مسار إعادة الإعمار والانتقال من تحديد الاحتياجات إلى التنفيذ. لكن الحرب التالية أعادت المشهد إلى نقطة قريبة من الصفر.

وهنا تكمن المشكلة التي تتجاوز تفاصيل المناقصات والمشاريع. فالحكومة كانت قد قررت حصر السلاح بيدها، وكلّفت الجيش وضع خطة لتنفيذ ذلك، لكن حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم لم يتحولا إلى واقع أبداً، على الرغم من تجديد القرار في الثاني من آذار/ مارس 2025!

وبقي "حزب الله" محتفظاً بقدرته العسكرية وبقرار مستقل، قبل أن يُقحم لبنان مجدداً في حرب ارتبطت بالمواجهة بين إيران وإسرائيل.

والنتيجة أن ما كان قد بدأ ترميمه لم يكن محمياً من حرب جديدة، فضلاً عن أن الدمار طال ممتلكات ومنشآت جديدة، بينها ما كانت الدولة قد أعلنت إعادة إعمارها.

هنا يصبح الإنفاق على الإعمار أكثر من مسألة مالية. الدولة لا تعيد فقط بناء بيوت وطرقات ومؤسسات؛ إنها تحاول إعادة بناء الثقة بها. وعندما تُهدم المشاريع التي أنفقت عليها المال قبل أن يستقر التعافي، يتولد لدى المواطن سؤال أكثر قسوة: ما جدوى دولة تعيد البناء إذا كانت لا تملك القدرة على منع تكرار الهدم؟

لهذا فإن إطلاق 23 مناقصة والعمل على 12 مناقصة إضافية، كما أعلن سلام، أمر مطلوب للجنوبيين. لكن قيمته تبقى باهتة إذا لم يترافق مع إنجاز المهمة التي تجعل هذه المشاريع قابلة للحياة: أن يصبح قرار الحرب والسلم قرار الدولة وحدها.
 
مكاسب الزيارة
 
مع ذلك، حملت زيارة سلام إلى النبطية مكسباً سياسياً مهماً. لقد أظهرت أن الجنوب ليس كتلة سياسية مغلقة، وأن خطاب "حزب الله" ضد سلام وحكومته لا يمثل الجنوب كله. فالزيارة كشفت وجود جنوبيين يريدون الدولة، ويرون أن مصالح منطقتهم لا يمكن أن تبقى معلقة على قرار السلاح والحرب.

وهذه ليست مسألة تفصيلية؛ فحين يدخل رئيس الحكومة إلى النبطية، ويجد أن للدولة حضوراً شعبياً واجتماعياً يمكن البناء عليه، يصبح واضحاً أن احتكار تمثيل الجنوب ليس حقيقة نهائية.

الزيارة فتحت أيضاً مساحة لنقاش مختلف داخل البيئة الجنوبية: الدولة في مقابل الميليشيا، لا طائفة في مقابل طائفة. إعادة الإعمار في مقابل إعادة إنتاج الحرب. قرار المؤسسات في مقابل القرار الذي يبقى خارجها.

ومن هنا يمكن فهم المساحة التي باتت "حركة أمل" تظهر فيها فروقها عن "حزب الله". فكلما عاد سؤال الدولة إلى الجنوب، أصبح من الصعب اختزال الموقف الجنوبي كله في موقف "حزب الله".

لكن الأمل الذي صنعته زيارة سلام يحتاج إلى ما يحميه. الجنوبي الذي يرى الدولة تأتي إليه اليوم لإعادة بناء بيته وطريقه ومؤسساته، سيقترب منها أكثر إذا وجد أنها قادرة غداً على حماية ما بنته. أما إذا عاد ليجد أن الدولة مجرد كيان يأتي بعد الحرب لإحصاء الخسائر، ثم يجمع المال ويطلق المناقصات، فيما يبقى السلاح قادراً على فتح حرب جديدة، فإن الثقة التي بدأت تتشكل ستتراجع.

المطلوب من الدولة، إذن، ليس أن تتخلى عن الإعمار، بل أن تجعل الإعمار جزءاً من استعادة سيادتها.