الاحداث- كتب نبيل بو منصف في صحيفة النهار يقول:"لم تفتقر الساحة السياسية في لبنان إلى أصوات علت احتجاجاً وتنديداً بالتصريحات الناشزة، كما غالباً، للموفد الأميركي توم براك حيال إشراك "حزب الله" وإيران في أي حوار داخلي وإلا لا تستقيم أي تسوية، ولو حاول تصحيحها لاحقاً على طريقة "جاء ليكحلها فأعماها".
كما لم تفتقر الساحة نفسها، إلى أصوات السخط التصاعدي الذي طبع غضباً متسعاً حيال لجوء أركان رئاسيين وأمنيين إلى تمرير تسوية تمديد السفير الإيراني المرفوض من الدولة اللبنانية بكل رموزها قبل وزير الخارجية يوسف رجي صاحب الإجراء الأساسي في اعتبار محمد رضا شيباني ديبلوماسياً غير مرغوب فيه.
جرت التمريرة أو التسريبة الإجرائية التي قوننت بقاء شيباني لستة أشهر على طريقة التركيبات في آخر الليل، التي غالباً ما اشتهرت بها سلطات أزمان الوصايتين السورية والإيرانية تماماً، ولو أن ردود الفعل عليها غلب عليها لاحقاً قرار الامتناع عن التسبب بفكفكة عرى التحالفات الكبرى التي قامت عليها مداميك العهد الحالي والحكومة الحالية.
بطبيعة الحال نجت السلطة التي تخوض أخطر اختباراتها إطلاقاً الآن في مواجهة الزمن التفاوضي الأقسى مع إسرائيل من قطوع مزدوج، لم يكن التعبير الأكثر جدية عنه سوى الصمت المطبق المذهل الذي التزمه الرؤساء والأقطاب، لا رداً على توم براك ولا حتى تبريراً للتخريجة المخيبة التي اعتمدت لبقاء محمد رضا شيباني.
يميل جزء من اللبنانيين الذين أضنتهم الأزمات المتواصلة والمنهكة للماضي والحاضر والمستقبل، إلى التسليم بسهولة قياسية بمنطق التسويات على طريقة التقليديين في معارج السياسة اللبنانية، الذين يقتضي إصدار تاريخ مثقل لم يكتب بعد، رغم سيل ودفق المذكرات الشخصية السياسية الذي لا يتوقف بتطور الثورة الإلكترونية وعصر الحاكم بأمره العالم كله الدماغ الصناعي، أن يستجمع الكثير منها لتعليم الأجيال الناشئة إلى أي بلد ينتمون وما هي خصائص ماضيه وحاضره في صناعة الدولة أولاً قبل أي شيء.
مع ذلك، ترانا نتساءل مرة بعد مرات لا تحصى، ماذا يعني هذا السياق للدولة الجديدة، التي اصطلح على تسميتها بهذا النعت المحبب المحشو بآمال مزمنة لاحت لها في الزمن الحالي تلك الفرصة التي لن تفوت؟
الحاصل في مسار التراجعات التي تسجلها السلطة الحالية، لن يكون في مصلحة الدولة كرمز أعلى لقيم السيادة والقدرة على إقران القرارات الكبيرة كما الصغيرة، في كل سلم هرمية الدولة، بالأفعال القاطعة ولو شاب التنفيذ كل ما يحسب له ولا يحسب، لأن سقوط الدولة تباعاً بتراجعاتها هو أخطر وأسوأ ما يمكن أن يكون لبنان الآن على موعد موصول معه في مساره الموعود بالتخلص من هياكل السلطة الدفينة التي يسمونها الدولة العميقة زوراً وجهلاً، فيما هي بقايا الاحتلالات التي سبقت ورافقت وواكبت الاحتلالات الإسرائيلية وأسوأ.
هذه النماذج التي يقلل أهل السلطة من خطورتها، تكشف التفكك الآخذ في الانتشار والذي ينذرنا بأن كل تراجع، حتى حين يكون بعض أو أكثر عوامله مبرراً، لن توقفه التقية السياسية أو الانقضاض الرخيص على من لا يقبل التسليم بتراجعات متقهقرة إلى الوراء في مسار بناء الدولة. أما أن يكون الرهان على تقاطع ظروف خارجية ستعيد ترميم شيء من التراجعات لأن الدول لا تمسك بمقاسات السيادة الصارمة والصدقية القاطعة كل يوم لتمنح السلطة ومسؤوليها براءات وشهادات حسن سلوك أو تعاقبهم لتقاعسهم عن مقاييس الحسم اللازم في ترجمة القرارت والسياسات والإجراءات، فهذا أيضاً ظنّ واهم خطير لأن أحداً لا يعرف كيف تنقلب الرؤية والحسابات الخارجية للدول متى تراكمت في أراشيفها السوابق المنذرة بسقوط الصدقية.