Search Icon

خلاصُ لبنان، بالقضاء العادل!

منذ ساعة

قضاء وعدالة

خلاصُ لبنان، بالقضاء العادل!

الاحداث- كتب فيكتور الزمتر*

تضيقُ مُتونُ التاريخ بتعاقُب الدول والممالك، التي سادت ثم بادت، وكأنَّ أعمارَها على سُنَّة أعمار البشر، من النشوء إلى التأسيس والبناء والإكتمال ..وصولاً إلى حالة الرفاه والإسترخاء، توطئةً لمرحلة الأُفول.

البحثُ في قيام الدول، يخضعُ لقاسمٍ مُشتركٍ، لجهة تكوينها المرحلي، إذ لا تنشأُ الدولُ فجأةً ولا صدفةً، بل تتكوَّنُ وتتطوَّرُ على مراحل، على إيقاع ما أُوتي أبناؤها من ريادةٍ، في مجالات الإبداع والإقتصاد والإجتماع والسياسية .. أمّا أعمارُ الدول والممالك، فتتباينُ قياساً على قدر مُثابرة شعوبها، على مواصلة البناء والتحديث، على هُدى مبادئ الحكم الرشيد، وفي طليعتها منعةُ الإيمان بالوطن وسيادة القانون، والقضاءُ العادلُ واعتماد النزاهة والكفاءة ..

والدولةُ تتكوَّنُ من شعبٍ، يجمعُ مُكوِّناته حدٌّ أدنى من الشراكة التاريخية، وتقومُ على حيِّزٍ جغرافيٍّ مُحدَّدٍ، غالباً ما يتمحورُ قيامُها الدولة على عصبيةُ النَسَب والرُؤى المشتركة، وتُديرُ شؤونَها سلطةٌ سياسيةٌ. أمّا عصبيةُ النَسَب، فتتراوح بين العائلي القبلي، إلى القومي، أو الديني والمذهبي، أو اللُّغَوي ..  إلى ذلك، لا تكتملُ أوصافُ الدولة، قبل تمتُّعها الكامل بالسيادة، مُتَوَّجَةً بالإعتراف الدولي، دلالةً على الإمساك الحصري لسلطتها الحاكمة، بقراراتها الداخلية والخارجية، دون تبعيةٍ أو وصايةٍ خارجيةٍ.

"والكلامُ على قيام الدول والممالك، لا يستوي بدون الإتيان على ذكر الفيلسوف ابن خلدون، الجدُّ الأعلى لعلم الإجتماع، الذي عرَّفَه بـ"علم العُمران البشري". يقول صاحبُ "المُقدِّمة"، بأنَّ الدُوَلَ تقوم على "العصبية"، وهي أشبهُ بالكائن الحيّ المحكوم بعُمرٍ محدودٍ، وتمرُّ بطور التأسيس والبناء، إلى تثبيت المُلك عبر الإستئثار بالحكم والإستبداد، مروراً بطور الإكتفاء والقناعة والإسترخاء والترف. عندها، تكونُ الأجيالُ الناشئةُ قد نسيت تعبَ الآباء والأجداد ومشقّات الأسلاف، فتضعفُ العصبيةُ الجامعة، ما يُوصلُ الدولة إلى طور الزوال.  

وإذا كانت الدُوَلُ والممالكُ، آيلةً وُجوباً إلى الزوال، فالسؤالُ يبقى حول طُرُق إطالة أعمارها، بما يُفضي إمّا إلى دوام التعمير والإزدهار، ما أمكنَ، أو إلى حتمية التدمير والإنهيار. بمعنى آخر، إنَّ زوالَ الأوطان والممالك، مُرتبطٌ بتفكُّك وحدة الشعب، ما يُفقدُ الثقةَ بالوطن، فتتداعى مؤسَّساتُ الحكم، وتنصرفُ مُكوِّناتُ الشعب المُجتمعية، إلى مصالحها الفئوية الضيقة، ليُصبحَ الوطنُ حاراتٍ وزواريبَ، ترتعُ فيها المحسوبياتُ، على حساب مصير الوطن ومصالحه العُليا.

المؤلمُ أنَّ لبنانَ، يُقاسي، منذ عقودٍ، أعراضَ انهيار الدولة، ليس بسبب الظروف الجيوسياسية المعروفة، على وجاهتها، بل بسبب علَّة عِلل لبنان، المُتمثِّلة بتعدُّد الولاءات الخارجية، على حساب الولاء الأوحد للوطن. فاللُّبنانيون مُنقسمون حول هويَّة وطنهم، نتيجة تعدُّد تجاوبهم الشعوري، خارج الحدود، نتيجة التوجُّس القاتل من الشريك في الوطن.

وتكادُ لا تُحصى التجاربُ القاسيةُ، التي تعرَّضت لها دولةُ لبنان، منذ قيامه، وكأنَّها قدَرُه. فكلَّما تجاوز قُطوعاً، عاجلَه آخرٌ أكثر قسوةً. فلم يمرّ عقدٌ، دون حصول خضَّةٍ، تهزُّ ركائزَ الدولة القائمة، أساساً، على زغل الوحدة الوطنية. تلك التجاربُ، بالتكافُل والتضامُن مع سوء أداء الطبقات الحاكمة المُتعاقبة، أجهزت، أو كادت، على مؤسَّسات الدولة، فكان القضاءُ أُولى ضحاياها، فسيَّسوه وتحاصصوه. حتى قطاع المال والمصارف، الذي كانَ دُرَّةَ الإقتصاد، تآمروا عليه وسرقوا جنى عُمر الشعب، الذي جوَّعوه وأهانوا كرامته، وأذلُّوا كبرياءَه باستجداء بعضَ ودائعه بالقطّارة .. وحدُه الإنتشارُ اللُّبناني، بقي وفيّاً لوطنه، فكان خيرَ مُعينٍ لانتشال أهله من العَوَز وضيق الحال.

 حاكمُ البنك المركزي، المؤتمنُ على مال الدولة وودائع الشعب، زُجَّ به بالسجن وحيداً، بعد جهدٍ جهيدٍ من مافيا الدولة العميقة، للتستُّر على تآمُره مع علية القوم. ومع ذلك، بقيَ كبارُ الحكّام والسياسيين والقُضاةَّ وأُمراء الحرب ورجال الدين، الذين أفرغوا الخزائن من المدَّخَرات، وهرَّبوها إلى حساباتهم في الخارج، في سرقةٍ موصوفةٍ، غير مسبوقةٍ، دون أنْ يُساءَلَ أحدُهم، أمام القضاء، وكأنَّ السجون بُنيت للَّذين لا شفيعَ لهم.

وعليه، لا يُنتظرُ أنْ يُحرِّكَ نظامُ النهب والحمايات، القضاءَ لإعادة الأموال المنهوبة أو المُحوَّلة، إلى خزينة الدولة، لإعادة الثقة بالعملة الوطنية، فكيف بمُحاكمة رجاله، مُسبِّبي خراب البلاد، مع استمرار رموزهم ورُعاتهم في مراكز القرار؟

مثالٌ إضافيٌّ على تآكُل مؤسَّسات الدولة، هو انشغال البلاد، منذ شهورٍ، رُغم الخطر الإسرائيلي الرابض على قلب الوطن، بقانون العفو العام، لجهة نقل قرار البتِّ به، من القضاء إلى السلطة التشريعية. فكانَ الحلُّ، على الطريقة اللُّبنانية التقليدية، بالتطييف والتحاصُص الثُلاثي، 6 و6 مكرَّر، بحيث أُعفيَ المُدانون بجُرم التعامُل واللُّجوء إلى إسرائيل، مع المُدانين بتجارة المخدّرات، والإسلاميين الأُصوليين.

إنَّ أنجعَ الحلول لبناء الأوطان واستقرارها وإطالة أعمارها، يكمنُ في القاعدة التاريخية العصماء، التي تقولُ بأنَّ "العدلَ أساسُ المُلك"، لما تَضْمَنُه من سكينة المجتمع، وإشاعة المساواة في الحقوق والواجبات، ورفع التعدّي، لأنَّ "الظُلمَ يُؤذِنُ بخراب العمران"، على ما يقول ابن خلدون.

ويبقى القضاءُ، أسمى ركائز الحكم، خشبةَ خلاص لبنان، شرطَ تطبيق أحكامه على الجميع، بدون مُحاباةٍ أو ازدواجيةٍ، بين الفقير والغني، بين القوي والضعيف، درءاً للهلاك، على ما جاءَ في الحديث الشريف: "إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ، تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ، أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ".
*سفير سابق