الاحداث - خاص - كتب ابراهيم منصور
لم يكن خروج رئيس التيار الوطني الحر، جبران باسيل، من تفاهم مار مخايل مجرّد إعلان سياسي، بل لحظة كاشفة لواقع أعمق يعيشه التيار منذ نهاية العهد الرئاسي. فالمسألة لا تتعلّق فقط بسقوط تفاهم، بل بسقوط شبكة تحالفات شكّلت، لسنوات، الإطار الاستراتيجي الذي حكم حركة التيار وموقعه في السلطة.
منذ توقيع التفاهم عام 2006 بين التيار الوطني الحر وحزب الله، أدار الطرفان العلاقة بمنطق تبادلي واضح، وإن غير مُعلن. قدّم الحزب غطاءً سياسيًا وحاسمًا في محطات مفصلية، أبرزها إيصال ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية، فيما أمّن التيار شريكًا مسيحيًا وازنًا يمنح التحالف بعدًا وطنيًا أوسع.
غير أنّ هذا التوازن بدأ يختلّ مع نهاية العهد. فباسيل، الذي ورث قيادة التيار في لحظة سياسية دقيقة، وجد نفسه أمام واقع جديد: الحليف الأساسي لم يعد قادرًا على توفير المكاسب نفسها، فيما باتت كلفة التحالف أعلى من عوائده، داخليًا وخارجيًا.
في هذا السياق، يصبح السؤال المركزي: هل خرج باسيل من التفاهم بعدما حصل على بدائل واضحة؟
الوقائع المتاحة حتى اليوم لا تشير إلى وجود ضمانات سياسية مقابلة. لم يظهر تحالف بديل متماسك، ولم تُسجَّل تسوية داخلية أو خارجية تعوّض خسارة الغطاء الذي وفّره حزب الله على مدى سنوات. كما لم يبرز دعم إقليمي أو دولي قادر على إعادة تعويم موقع باسيل أو تياره.
بذلك، يبدو الانفصال أقرب إلى فكّ ارتباط اضطراري، لا إلى صفقة سياسية مكتملة الشروط. فالخروج حصل في لحظة ضعف عام، لا في لحظة قوّة تفاوضية.
هذا الواقع يضع التيار الوطني الحر أمام مأزق مزدوج:
من جهة، خسر التحالف الذي شكّل عموده الفقري في إدارة السلطة،
ومن جهة أخرى، لم ينجح في بناء شبكة تحالفات بديلة قادرة على تأمين توازن سياسي جديد.
بل على العكس، تزامن هذا الخروج مع تراجع في البنية الداخلية للتيار نفسه. خلال السنوات الأخيرة، شهد التيار انسحابًا أو تهميشًا لعدد من القيادات التاريخية والكوادر التنظيمية، في ظل تركيز القرار السياسي والتنظيمي في يد القيادة. هذا المسار، الذي بُرِّر بالحاجة إلى ضبط الحزب ومنع التفلّت، أدّى عمليًا إلى إضعاف قدرته التمثيلية وتعدديته الداخلية، ما انعكس مباشرة على حضوره الشعبي والتنظيمي.
في موازاة ذلك، يدخل التيار الاستحقاق النيابي المقبل من دون حليف مركزي، وفي ظل مشهد سنّي مفتوح بعد خروج سعد الحريري من الحياة السياسية. صحيح أنّ هذا الفراغ يفتح نظريًا مجالًا لإعادة رسم التحالفات، إلا أنّ الوقائع تُظهر أنّ التيار لا يمتلك حتى الآن مدخلًا ثابتًا إلى هذا الشارع، خصوصًا أنّه كان من أكثر الأطراف التي تباهت سابقًا بمحاصرة الحريري سياسيًا وتحميله مسؤولية الانهيار.
أما على المستوى الخطابي، فإن التمايز المتأخّر عن حزب الله، مهما بلغ سقفه، لا يكفي وحده لبناء موقع سياسي جديد. فالناخب، في لحظات التحوّل الكبرى، لا يكتفي بإعلان الانفصال، بل يبحث عن رؤية بديلة وشبكة أمان سياسية واضحة.
في الخلاصة، لا يبدو أنّ جبران باسيل خرج من تفاهم مار مخايل وهو في موقع يتيح له فرض شروطه أو تعويض خسائره. بل على العكس، تكشف الوقائع أنّه دخل مرحلة سياسية أكثر عزلة وأقل حماية، في وقت يعاني فيه تياره من تآكل داخلي وفقدان جزء من نخبه.
وعليه، فإن السؤال الذي تطرحه المرحلة المقبلة لا يتعلّق فقط بمصير تحالف سقط، بل بمصير حزب اختار فكّ آخر تحالفاته الاستراتيجية من دون أن تتّضح حتى الآن ملامح البديل. بين إعادة التموضع والانتحار السياسي، تبقى الإجابة رهن الاستحقاق النيابي المقبل، الذي سيحسم ما إذا كان هذا الخروج بداية مسار جديد، أم نهاية مرحلة لم يُحسن التيار إدارة انتقاله منها.
وفي خضمّ هذا التحوّل، يبرز تساؤل مشروع لا يمكن تجاهله:
هل إنّ اللقاء الذي جمع رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل بالموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان شكّل عاملًا مؤثّرًا في قراره التبرؤ من تفاهم مار مخايل، وفي إعادة رسم موقفه من حزب الله؟
وهل ما جرى مجرّد تقاطع ظرفي مع مناخ إقليمي متغيّر، أم محاولة استباقية لفتح نافذة جديدة على المحيط العربي من دون امتلاك ضمانات واضحة أو بدائل سياسية متماسكة؟
أسئلة تبقى مفتوحة، في انتظار ما ستكشفه المرحلة المقبلة من مواقف عملية، لا من تبدّل في الخطاب فحسب.