الاحداث- كتبت صحيفة" الراي "الكويتية تقول:"التحقيقاتُ الأمنية في أحداث عين الرمانة - الشياح، ستأخذ وقتاً كي تنجلي كافة الحقائق المتعلقة بالوقائع الميدانية التي أدت إلى ما يشبه «بروفة» حرب جرت على مدى 4 ساعات.
لكن التداعيات السياسية لـ «الخميس الأسود» الذي هزّ لبنان وأثار ردود فعل إقليمية ودولية، سرعان ما بدأتْ تظهر منذ اللحظة الأولى لانكشاف عدد الضحايا وآثار المواجهات على الناس ومسؤولية الأفرقاء المنخرطين فيها.
لم يتوهّم أحد أن ردود الفعل المحلية ستنحصر بالاستنكارات أو حملات الدفاع.
فهناك تداعيات سياسية تحصل دائماً كما لدى حدوث أي زلزال أمني على غرار ما أعقب 14 فبراير 2005 (اغتيال الرئيس رفيق الحريري) أو 7 مايو 2008 (العملية العسكرية لحزب الله في بيروت والجبل).
لكن الحدَث السياسي الذي أسفرت عنه أحداث عين الرمانة - الشياح، لم يتعلق بما ارتدّ على فريقيْن خصميْن وأكثر أصلاً، بل بأنه ترك آثاراً مباشرة على فريق سياسي واحد، معروف منذ 2005 بفريق الثامن من مارس، وإن كانت القوى المنضوية فيه لديها حساباتها الخاصة، وقد ظهرت في الأيام الأخيرة أكثر وضوحاً.
من المفيد التذكير أن أحداث الطيونة، وقعت على «فالق» التحقيقات في انفجار مرفأ بيروت، و«هجمة» حزب الله وحركة أمل لتنحية المحقق العدلي القاضي طارق بيطار.
وهذه القضية بدأت تُظْهِر خلافات داخل الصف الواحد ارتسمت قبل جلسة مجلس الوزراء «الساخنة» وبعدها، حين اتخذ رئيس الجمهورية ميشال عون موقفاً واضحاً لجهة رفضه إقالة بيطار، بذريعة فصل السلطات السياسية والقضائية.
في مجلس الوزراء كان الانقسام بين طرفين: رئيس الجمهورية ووزراؤه من جهة، وحزب الله وحركة أمل وانضمّ إليهما في صورة ملتبسة تيار المردة (بقيادة سيمان فرنجية)، إلى أن أعلن موقفه لاحقاً بوضوح بأنه إلى جانب حليفيه.
ليست المرة الأولى يقف فيها «المردة» في وجه عون بعدما انكسرت كل علاقة بين حليفي «حزب الله»، وهو (فرنجية) حين أصرّ على حصة وزيريْن في الحكومة وحصل على كليهما، حوّل الصوتين في مجلس الوزراء إلى جانب الثنائي.
ورغم أن لا تصويت جرى في مجلس الوزراء بعدما رفع عون جلسة مجلس الوزراء (الثلاثاء الماضي) إلى أجَل غير مسمى، إلا أن موقف المردة أعطى للثنائي غطاء «مسيحياً».
وتَعَزَّزّ هذا الموقف في الساعات التي تلت مجلس الوزراء. ففي مقابل «المردة»، بدأ فريقا الثنائي الشيعي والعهد يظهّران مستوى الخلاف بينهما.
وفي العادة يميّز «حزب الله» بين رئيس الجمهورية و«التيار الوطني الحر».
إذ إن أي خلاف أو اشتباك سياسي مع التيار في قضايا داخلية أو خارجية، لم يكن ينعكس على العلاقة مع عون، الذي بقي الحزب في غالبية الأحيان يراعيه ولا يطاوله بكلمة انتقاد واحدة.
لكن وما حصل في مجلس الوزراء وما بعده، عَكَسَ الاختلاف الحقيقي بين الحزب وعون حول إقالة بيطار، وأكثر.
فرئيس الجمهورية يبرّر أن لا سلطة له على المحقق العدلي ويذكّر بأن الرئيس إميل لحود هو الذي أتى بالوزير شارل رزق الذي سار لاحقاً بالمحكمة الدولية من غير رضى لحود.
لكن الحزب المتمسك بإقالة بيطار رفع سقف المطالبة بحيث لم يعد ممكناً إيجاد مَخْرج مشرّف لكل الضالعين بالقضية سواء الذين مع الإقالة أو ضدّها.
وما نتج عن مجلس الوزراء من رسائل متبادَلة عبر وسائل الإعلام علانية، عدا عن الرسائل البعيدة عن الإعلام، أَظْهَرَ حجمَ التناقضات التي تحكم علاقة «حزب الله» بالتيار الحر وبالعهد على السواء باعتبار أن رئيس الجمهورية هو الذي رفض موقف الحزب في مجلس الوزراء.
ومَن يعرف عون يعرف أن مجرد التعاطي معه شخصياً بحدة، كما حصل في الأسلوب الذي اعتمده معه وزير الثقافة محمد مرتضى المحسوب على حزب الله، يعني أن عون ارتدّ حكماً إلى مربّع المواجهة أياً كانت القضية.
يعرف حزب الله ذلك وهو سارع إلى لملمة تصرف مرتضى، لكن التسريبات، كانت أقوى من الطرفين وبدا أنهما يتعمّدان رفْع السقف لحسابات داخلية وخصوصاً من جانب العهد والتيار.
في خلفية كل ما حصل في عين الرمانة الشياح وقبْلها قضية المرفأ، تَظْهر الانتخابات من دون أي التباس.
وهو الأمر الذي لم يتأخر رئيس التيار جبران باسيل في إظهاره باحتفال ذكرى 13 أكتوبر 1990 التي أحياها السبت، إذ حوّل المناسبة إلى إطلاق ماكينته الانتخابية السياسية على خلفية أحداث عين الرمانة، بعد سكوت أكثر من يومين ونجاح جعجع في شدّ العَصَب المسيحي حوله.
واستفاد باسيل من المناسبة ليوجه سهامه وجمهوره ضد خصومه المسيحيين، «القوات اللبنانية» بالدرجة الأولى و«المردة» بالدرجة الثانية، حتى أنه حاول تقزيم زعامتهما إلى زعامة محلية بين زغرتا وبشري فقط.
لكن الرسائل الأخرى التي حاول باسيل إطلاقها كشفت عمق المأزق الذي يعيشه التيار مع حزب الله و«أمل» في قضية المرفأ.
فكمية التناقضات التي حاول السير بين ألغامها كانت كثيرة، ذلك أن التيار محرَج أمام الرأي العام في عدم السير بالتحقيقات في المرفأ، ومحرَج بدفعه إلى القبول بتغيير بيطار لأن ذلك سيرتدّ عليه في الشارع المسيحي، ويجعل منه ملتزماً بما قرره «حزب الله» وهو الأمر الذي يحاول دائماً تمييز نفسه به على قاعدة أن قراراته نابعة من استقلالية وأنه يتعامل مع الحزب من الندّ للند.
لكن التيار في محصلة الأمر لن يتمكن من الخروج من عباءة الحزب لا سياسياً ولا انتخابياً، حين تكون أمامه دوائر انتخابية لا يمكن أن يفوز بها من دون الحزب.
وهو في إطلاقة تلميحاتٍ إلى تسييس التحقيق يمهّد الطريق إلى محاولة الخروج من المأزق من دون أن يكون ذلك مضموناً.
لأن عنوان فصل القضاء عن السياسة كشعار يرفعه عون، يحمل في تاريخ لبنان كثيراً من التجارب التي دلت على أن السياسة تتدخل في القضاء وأكثر. لا شك في أن باسيل حاول استلحاق الأزمة وما تركتْه من تداعيات.
فوقوف رئيس تيار المردة إلى جانب «حزب الله» يجعل فرنجية متقدماً في السباق الرئاسي في وجه رئيس التيار الحر.
ورسائل باسيل ضد الرئيس نبيه بري، تُضاعِف في شرذمة صفّ حلفاء الحزب الذين تلقّوا أكثر من انتقاد على خلفية موقفه الحاد من بيطار، قبل سقوط الضحايا.
ذلك أن عملية إطلاق النار عاودتْ شدّ العَصَب تجاه خصم وحيد اسمه سمير جعجع.
أما الخلافات والتباينات بين أمل وحزب الله والتيار الوطني والمردة فلا تزال على حالها. وكلما اقترب موعد الانتخابات سيكون هؤلاء أمام تحديات أكبر.
لكن الاستحقاق الأبرز هو كيفية التعامل مع قضية بيطار كسقفٍ لم يتخلّ عنه «حزب الله»، ما يجعل التيار الحر أمام امتحانٍ حقيقي، حين تنتهي الاحتفالات والشعارات الانتخابية، لجهة اتخاذ قرار واضح، سيكون عليه تبريره بقوةٍ أمام الحزب وجمهوره وأمام الناخبين المسيحيين، في موازاة طريقة تعاطيه مع الضغط السياسي والقضائي على «القوات» من جانب حزب الله وأمل.
ولم يكن عابراً، أمس، أن «حزب الله» مضى، أمس، في رفْع السقف لأعلى مستوى ضدّ «القوات» مصوّباً في الوقت نفسه على الجيش اللبناني في ما اعتبره خصومه محاولة لضرْب «عصفوريْن بحجر» واحد، وسط تطورين في هذا الإطار: الأول التداول بفيديو لعنصر في الجيش يطلق النار على المتظاهرين خلال أحداث الطيونة وسط تسريبات عن قتيل سقط برصاصه وأنه كان الضحية الأولى في الأحداث، قبل أن تشير تقارير أخرى إلى أن هذا الفيديو أعقب تعميم الجيش بإطلاق النار على كل مسلّح، لتعلن المؤسسة العسكرية في ضوء كل هذه المزاعم أن الأمر قيد التحقيق.
والثاني: موقف لوزير الدفاع موريس أعلن فيه «أن التدافع والاشتباك في الطيونة، أدّيا إلى إطلاق نار من الطرفين، كما أكدت الإفادات الميدانية دخول شبان إلى شوارع عين الرمانة».
وكان القيادي في «حزب الله» غالب أبو زينب الأوضح في مهاجمة الجيش ووزير الدفاع معلناً «تهتز الثقة بالمؤسسة بقوة من بيان الجيش المتغيّر (يوم الخميس، من أن المحتجين تعرضوا لإطلاق نار إلى حصول إشكال وتبادل لإطلاق النار) الذي رضخ لضغوط الأميركي وصولاً إلى وزير الدفاع».