Search Icon

"حزب الله" والأميركيون: محاولات شاقة لترسيم العلاقة المستقبلية

منذ 3 سنوات

من الصحف

حزب الله والأميركيون: محاولات شاقة لترسيم العلاقة المستقبلية

الاحداث- كتب ابراهيم بيرم في صحيفة النهار يقول:"الى ما قبل 48 ساعة خلت كانت دوائر القرار في "حزب الله" تحاول اقناع نفسها باعتقاد فحواه ان الادارة الاميركية ستخفف وتيرة ضغوطها العالية التي تمارسها منذ زمن على الحزب جزاء معروف بالغ الاهمية اقنع الحزب نفسه بانه أسداه لهذه الادارة عندما ساهم في إمرار تفاهم الترسيم البحري مع اسرائيل، الى ان توالت اخيرا سلسلة تطورات واحداث دراماتيكية اعادت الى الحزب قناعته السابقة ومفادها ان "الاميركي" لا يقنع بالهيّنات الليّنات، وانه استتباعا لن يمحض رضاه لأحد إلا لمن يلتزم كل الالتزام بإنفاذ ما يراه واجبا كاملا متكاملا.

اذ لم يكن قد مرت إلا ساعات على التصريح المفاجىء توقيتا ومضمونا الذي اطلقته مساعدة وزير الخارجية الاميركي لشؤون الشرق الادنى باربرا ليف، والذي رجحت فيه بجلاء كفة احتمال انزياح لبنان  الى قبضة الفوضى والفلتان كمعبر الزامي لـ"تحريره " من هيمنة الحزب، حتى أتت الترجمة العملية لهذا الكلام المحفوف بالمخاطر والاحتمالات السوداوية.

فللمرة الاولى منذ زمن بعيد تغِير مسيّرات مجهولة على قافلة صهاريج محملة بالمازوت الايراني كانت تعبر نقطة الحدود العراقية – السورية (معبر القائم) في طريقها الى سوريا عبورا الى لبنان. وعلى رغم ان ستارا من الالتباس والغموض ما انفك يكتنف عملية القصف المدوية هذه إن لجهة الفاعل او لجهة النتائج او لناحية وجهة السير الحقيقية لهذه القافلة وطبيعة المواد التي تحملها، فان ثمة مَن هم على تواصل مع الحزب نقلوا ان لهذا الحدث أبعادا تتعدى ما خلّفه من خسائر بشرية (في روايةٍ ان هناك 30 قتيلا) ومادية.

وبمعنى آخر ثمة من يرى ان هذا التطور المأسوي أتى في لحظة مفصلية، وتحديدا بعد اكتمال فصول ما اتفق على تسميته "انجاز الترسيم" وهو الذي مهّد له وبادر الى الدفاع عنه. فقد بدا الحزب وكأنه انطلق على نحو عاجل الى حصد الثمار وقبض الاثمان بغية تكريس أمر واقع ومعادلة معيّنة تخدم مصلحته وتوجهاته في الداخل والاقليم. وبناء عليه، أسرع الحزب الخطى لبلوغ هدفين في آن:

الاول: تثمير انجاز الترسيم على نحو يرسّخ شعورا بالاستقرار الداخلي في المستقبل، من شأنه ان يخرج من صورة المعرقل والمحاصَر بالتهم والمحمَّل لتبعات الحصار والانهيار الطاغي بعناد على المشهد. لذا لم يكن غريبا ان يركز الحزب خطابه بُعيد تفاهم الناقورة على النتائج الموعودة لهذا الامر وعوائده الاقتصادية والمالية اكثر من دفاعه عنه ودحضه التأويلات التي سادت ومفادها ان الترسيم "تطبيع مقنَّع" ينطوي على إغماض للعين عن حقوق لبنانية قد اهدرها الاتفاق.

الثاني: تكثيف كل الخطوات التي تؤول الى زيادة تأثيره وحضوره (الحزب) في معادلات الداخل من الابواب التي تهمّ المواطن.

لذا بدا الحزب مكرها على خوض اختبار نيات غير مباشر مع الادارة الاميركية، فسارع الى ادخال مادة المازوت الايرانية عبر البر عوضاً عن الآلية المعقدة والمكلفة التي اتّبعها العام الماضي عندما استجرّ هذه المادة عبر بواخر ترسو في الموانىء السورية قبل ان تُنقل برا الى الاراضي اللبنانية. وليس جديدا القول ان الحزب خاض تجربة واختبارا آخر هي تجربة هبة الفيول الايراني المجانية التي تستجرّها الدولة اللبنانية لتشغيل محطات توليد الكهرباء.

لكن رياح الامور أتت معاكسة لحسابات الحزب، اذ ما لبثت الادارة الاميركية ان ردت بالرفض على "العرضَين" معا، فلا إذن يسمح للبنان باستيراد الفيول الايراني ولا مجال لإغماض العين عن استجرار المازوت الايراني عبر الصهاريج براً.

وهذا وفق تفسير الحزب معناه ان لا تخلياً اطلاقاً عن القرار المعمول به منذ زمن والقاضي بمحاصرة الحزب ومشاكسة توجهاته تماما، وان ما قدمه من "عربون" وأثمان هي في حسابات واشنطن ليست كافية لخفض منسوب الضغوط على الحزب وما تجره من حصار يلقي بوطأته الثقيلة على كل لبنان.

الراصد لمسار الصراعات الطويلة التي وسمت علاقة الحزب مع الاميركيين يحضر أمامه استنتاج فحواه انها ليست المرة الاولى التي يضطر فيها الحزب لخوض "تجربة المقايضة" مع الاميركي ويصل الى نتائج مخيبة وسلبية. اذ سبق للحزب بما له من نفوذ في الساحة العراقية ان "مرّر" حكومة الكاظمي السابقة في بغداد على امل ان ترد واشنطن على هذه التحية بتخفيف منسوب ضغوطها على الساحة اللبنانية، وتحديدا على حكومة حسان دياب السابقة. ولقد أتى من ينقل لاحقا عن لسان رئيس كتلة نواب الحزب محمد رعد في مجلس خاص: "لم تفلح جهودنا ولم ينتج عرضنا للاميركي شيئا".

وعليه اعاد الحزب الاعتبار الى استنتاجه القديم ومفاده ان "اللعب" مع الاميركي بالغ الصعوبة والتعقيد، اذ انه لا يرضى بالقليل. لذا لا يمكننا نحن ان نتمادى بالعلاقة معه حتى وان كانت في حدّها الادنى، لاننا وان علمنا كيف تبدأ الامور معه لكننا لا نعلم حدود مطالبه واي مدى ستبلغ، اذ تكون البداية امورا تتعلق بالساحة اللبنانية لكنها سرعان ما ستتمدد لتصل الى اليمن وفلسطين وسوريا.

لا شك في ان الحزب يعرف كل ذلك سلفا، لكنه بدا مضطرا في لحظة ضاغطة الى ان يجمد هذه القناعة نزولا عند رغبة اصدقائه الاوروبيين وفي مقدمهم الفرنسي.

ووفق تقديرات الحزب فان الطلب الاميركي العاجل هو الارتضاء بمعادلة حُكم في لبنان بدأت معالمها وشخوصها بالتبلور منذ فترة، والثابت الى الآن ان الامر عند الحزب حيالها لم يعد مرفوضا بالحدّة السابقة.