Search Icon

حروبُ إسرائيل المفتوحةُ بكفَّةٍ،
وحربُ الضفَّةُ الغربيةُ بكفَّةٍ!

منذ 24 دقيقة

اقليميات

حروبُ إسرائيل المفتوحةُ بكفَّةٍ،
وحربُ الضفَّةُ الغربيةُ بكفَّةٍ!

الاحداث - كتب فيكتور الزمتر*

من بديهيات نجاح أيّة قضيةٍ، أنْ تتوافرَ فيها جُملةُ شروطٍ، في طليعتها وُضوحُها والإيمان الصلب بها، ومدى الإستعداد لتحمُّل التضحية من أجلها. كما تتطلَّبُ النظرَ بإمكانية تحقيقها، على ضوء دراسة المعطيات الواقعية، وتوفير الإمكانيات مع التأكُّد من أهليَّة أصحاب القضية، للعمل المنهجي المُمَرحل، فضلاً عن المتابعة والتقييم، وتوفُّر المُرونة والمُثابرة، رُغم المخاطر والصعاب والنكسات المُحتملة.

فالعلاقاتُ الدوليةُ، شهدت العديدَ من القضايا الوطنية والقومية، التي أضحت علاماتٍ فارقةً، في حياة الشعوب والأُمم، في سعيها إلى الإنعتاق من الظُلم. وفي حين نجحت رُؤى بعض الشعوب، بتحقيق أمانيها العُليا، بفضل إيمانها الراسخ بقضاياها، واستفادتها من الظروف الدولية المُؤاتية، كالقضية الجزائرية وقضية إريتريا، تعثَّرت شعوبٌ أُخرى، بتتويج نضالها المرير بتحقيق مَنالها الوطني، بالرُّغم من أحقيَّتها، كقضية فلسطين وإقليم كردستان.

وحدُها قضيةُ الدولة اليهودية، تبقى المُفارقةَ الفاقعةَ في نجاحها، رُغماً عن المعطيات التاريخية والجغرافية والديمغرافية.. المُعاكسة! إنَّ الدورَ المحوريَّ، الذي لعبته الظروفُ الدوليةُ، في قيام الكيان الإسرائيلي، لا يجبُ أنْ يحجبَ نجاحَ اليهود، بتحلُّقهم حول عصبيَّتهم الدينية، وبنجاحهم بتحويلها، زوراً، إلى قضيةٍ قوميَّةٍ.

والقضايا الوطنيةُ والقوميةُ، لا تينعُ بمُجرَّد تحقيق مُبتغاها، بل تتطلَّبُ رعايةً مستمرَّةً، إنْ أُريدَ لها أنْ تنمو وتصمدَ أمام عاتيات الزمن. هذا، بالضبط، ما تضطلعُ به إسرائيلُ، بالعمل الدؤوب المدروس والمُمَنهج، ليس فقط للحفاظ على مُنجزها الوطني الثمين، بل لتحصينه ومواكبته بشتى أنواع العُصمة والمناعة. ومن باب التيمُّن، لا ضيرَ من شجاعة الإعتراف، بأنَّ إسرائيلَ رائدةٌ في مجال الإلتزام بعصبيتها، عبر المُثابرة والتخطيط والتحديث.. فمُذ كانَت قضيتُها "هَلْوَسَةً" تُراودُ مُخيَّلةَ قومها، إلى أنْ أضحت واقعاً مُبهِراً، يشهدُ مسارُ نضالِها، على تحوُّطِها المُرهف من التهديد الوجودي، ما جعلَ عيونَها عصيَّةً على النُعاس.

ولعلَّ أبلغَ دليلٍ، على حرص إسرائيل البالغ على صيانة كيانها، يتمثَّلُ بحروبها المفتوحة، باتّجاه المخاطر المُحتملة، وِقائيّاً أو استباقيّاً. فإسرائيلُ لم تقُمْ فقط على الصراع، بل تعتاشُ منه، تبريراً لادِّعائها بأنَّها مُهدَّدةٌ وُجودياً، ما يُدِرُّ عليها التعاطُفَ الدولي، بقدر ما يُشدِّدُ عُرى عصبها المُجتمعي، ويُغرقُها بمساعداته المالية.

مُنذ قيامها، تخوضُ إسرائيلُ حرباً واحدةً، مُتواصلةَ الإيقاع، وإنْ كانت تخوضُها على جبهاتٍ سبعٍ، كما هو حاصلٌ راهناً، جاهدةً في تَصويرِها حرب بقاءٍ، بينما لم تتركْ اجتياحاتُها المُتوحِّشةُ، للرأي العام، شكّاً بمشروعها الإستيطاني التوسُّعي. ومع خطورة حربها على قطاع غزَّة ولبنان وسوريا وإيران، تبقى "الضفَّةُ الغربيةُ"، الساحةَ الأكثرَ استهدافاً لمشروعها، لما يُشكِّلُ اقتلاعُ ملايينها الثلاثة، من إنجازٍ لصفاء الدولة العبرية. ونظراً لضخامة العدد المُستهدف، دأبت إسرائيلُ، سلطةً ومُستوطنين، على اعتماد سياسة القضم والإستيطان، على طريقة "بيت بيت، دار دار، زنقة زنقة..". ولتاريخه، بلغ عددُ المستوطنات والبؤر الإستيطانية، في الضفة الغربية، نحو ستمئة، "يعيش فيها نحو 780 ألف مستوطنٍ"، والحبلُ على الجرّار.

فـ"الضفَّةُ الغربيةُ"، تُمثِّلُ أهميَّةً إيديولوجيةً محوريةً، لجهة بُعدها التوراتي، ولما تشكِّلُه من ثقلٍ ديموغرافيٍّ وازنٍ، ومن حيِّزٍ جغرافيٍّ مُعتبرٍ نسبيّاً. كما إنَّ وُقوعَها بالكامل تحت السيطرة الإسرائيلية، يُعطي حرية الحركة لميليشيات المستوطنين، للقيام بالأعمال القذرة، نيابةً عن السلطات الرسمية.

فسياسةُ التهويد ماضيةٌ، ولم تتوقَّف يوماً، منذ احتلال الضفَّة عام 1967، بفضل سياسة إسرائيل الإستنسابية، وتملُّصها من مُندرجات اتفاقات أوسلو وقوانين التملُّك، إلى التشديد في منح رُخص البناء للفلسطينيين، وهدم البناء "العشوائي"، والطرد التعسُّفي وهجمات المستوطنين..، في ازدراءٍ لإدانات الرأي العام، ومع غضِّ الطرف الأميركيّ الواضح.

الغلوُّ في سياسة التهويد، دفعَ السفير الأميركي، في إسرائيل، "Michael Huckabee"، إلى وصف اعتداءات المُستوطنين، في الضفَّة الغربية، بـ"العمل الإرهابي المُروّع.. وبالتصرُّفات المُثيرة للتقزُّز.. وتستوجبُ العقابَ"، وهو الذي سبق له أنْ صرَّحَ بأنَّ لإسرائيل "حقاً توراتياً في الأراضي، ما بين النيل والفرات".

صحيحٌ أنَّ وُجودَ ميليشيات المُستوطنين سابقٌ لحكومة اليمين الإسرائيلي المُتطرِّف، لكنَّ الصحيحَ أيضاً أنَّ تعدّيات تلك الميليشيات، تفاقمت أثناء حكم نتنياهو، لتنجحَ بتهجير الآلاف المؤلَّفة، من الفلسطينيين، لا سيَّما منذ عملية "طوفان الأقصى"، عام 2023، التي ضاعفت شعور الإسرائيليين بالتهديد الوجودي.

 جديدُ سياسة الإستيطان، موافقةُ حكومة إسرائيل على إحياء قرار البناء شرقي القدس، في ما يُعرف باسم "E1"، لبناء 3401 وحدة استيطانية، على مساحةٍ جغرافيةٍ، تفصلُ الضفةَ الغربية، بين شمالٍ وجنوبٍ، بما يقطعُ التواصُل بين رام الله وبيت لحم والخليل. وهذا القرار، يُشكِّلُ طعنةً نجلاء لحلِّ الدولتين، لكونه يعبثُ بخريطة الضفَّة الغربية، الجغرافية والديموغرافية، ما يقضي على حظوظ قيام دولةٍ فلسطينيةٍ. وهذا ما يُفسِّرُ تَعَمُّدَ وسائل الإعلام نشر خريطة "إسرائيل الكُبرى".

من هنا، أمسى المشروعُ الإستيطاني مُسلَّمةً إسرائيليةً، يصعبُ التخلّي عنها، نظراً لإجماع قادة إسرائيل، حكومةً ومُعارضةً، على نهج تهجير الفلسطينيين، إعداماً لطموحاتهم الوطنية. وفي ظلّ الإستشراس الإسرائيلي، وسط نكبة غزَّة، ومع تسليم الرأي العام بالأمر الواقع، تبدو معدومةً فُرصُ إرغام إسرائيل، على وقف تدميرها المنهجي للتطلُّعات الفلسطينية، ما لم تنتفضْ نخوةُ العرب، على الغطرسة الإسرائيلية المُتمادية، وحمل المجتمع الدولي على التحرُّك، لاستدراك المخاطر عليهم، قبل استلحاق الحقِّ الفلسطيني، هذا إذا لم يكنْ الوقتُ قد فاتَ، على الضفَّة وعلى ما بعد بعد الضفَّة الغربية!

*سفير سابق