Search Icon

حرب: مدماك وطنــي هــــوى

منذ 3 سنوات

سياسة

حرب: مدماك  وطنــي هــــوى

الاحداث- كتب النائب والوزير السابق بطرس حرب يقول:"أعلم أنّ وفاة البشر، كباراً وصغاراً، قدر الإنسان لا يستثني أحداً. إلاّ أنّنا كأشخاص نتعارف ونتصادق ونترافق ونتفاعل، نرفض عاطفياً حكم القدر عندما يصيب شخصاً مميّزاً له موقعه الخاص في وجداننا وذاكرة الوطن.

    فبالرغم من بلوغ السيّد حسين الحسيني، الصديق ورفيق العمر والنضال، السادسة والثمانين من العمر، كان لنبأ وفاته الأثر الكبير والحزن العميق في نفسي، بالنظر للصداقة وللمودّة التي كانت تربطنا.

    فلبنان لم يخسر رجلاً عادياً، بل خسر رجلاً إستثنائياً، أمضى حياته في خدمته، وواجه الكثير من الصعاب وقدّم كل التضحيات في سبيل المحافظة على قيمه وأصالته وحرية أبنائه وصون  مؤسساته وروح القانون والعدالة فيه، وهو الذي حمل أمانة ومسؤولية إخراج لبنان من الحرب التي دارت على أرضه وإقتتال أبنائه، وتمكّن، بحكمته ووطنيته وسعة صدره، من إنجاح مؤتمر الطائف وإقرار وثيقة الوفاق الوطني.

    وهو الذي آمن بوحدة لبنان وعيش أبنائه المشترك، فحال دون إنقسام مجلس النواب يوم إنشطر لبنان إلى شطرين طائفيين متحاربين . ولم يقطع علاقاته في أحلك وأدقّ الظروف، بالبطريرك صفير، وكان يعود إليه لاستطلاع رأيه في أي طرح لإنهاء الصراع الدامي والمدمّر الدائر في لبنان، والتعاون معه للتوافق مع المسيحيين على مشروع يوقف الإقتتال ويعيد بناء الدولة الشرعية ومؤسساتها، ومن هنا كانت اللقاءات العديدة التي عقدتها ما عُرف " بلجنة بكركي " ممثّلة القوى المسيحية في بكركي، والتي شاركت فيها، لبحث مقترحاته.

    في الخلاصة، أسمح لنفسي بالجزم، أنّه لولا وجود حسين الحسيني في موقع رئاسة مجلس النواب المنتهية ولايته، وإتفاق جميع النواب على ترئيسه جلسات الحوار، لما كان تمكّن اللبنانيون من الإتفاق على وثيقة الوفاق الوطني.

    بموت السيّد حسين يسقط أحد المداميك الأساسية للبنيان الوطني، المتداعي بسبب عدم إحترام الوثيقة تلك وخرقها من الخارج بتواطؤ من مجرمين بحق لبنان من بعض أبنائه في الداخل.


    وما يجعلني أكثر حزناً، أنّ التطورات التي حصلت على المسرح السياسي والوطني لم تنصفه، بل اضطهدته وجرّدته من إمكانية التأثير على سير الأمور الوطنية، وسلّطت عليه قوة السلاح والتزمّت المذهبي، وزوّرت نتائج الإنتخابات لإضعاف موقفه وشلّ قدرته على حماية إنجازنا الوطني، بالرغم من محاولته إنشاء ما كان يُطلق عليه " عصبة الطائف " للدفاع عن وثيقة الوفاق الوطني وفرض إحترامه على كل المسؤولين في الدولة إلاّ أنّ ذلك لم يحبطه ويقعده عن متابعة نضاله، متابعاً إيّاه معنا في اللقاء الوطني النيابي إلى جانب الرئيس سليم الحص، أطال الله بعمره، والمرحوم الرئيس عمر كرامي والمرحوم نسيب لحود وكل من النواب نايلا معوض ، محمد يوسف بيضون، والبير منصور، وأنا، حيث كان لنا صولات وجولات في وجه الفساد وضرب الحريات وتعزيز دور المؤسسات الدستورية وإستقلالية السلطة القضائية.

    وإن أنسى فلا أنسى، أنّه، يوم قدّم إستقالته من النيابة، كنا في مجلس النواب نناقش سياسة الحكومة، وكان يجلس بقربي كالعادة، وأنّه لم يبلّغني عن نيّته بالاستقالة، لئلا أحاول ردعه عنها، واعتلى المنبر ليلقي كلمته المجلسية الأخيرة، ويعلن إستقالته، وينسحب من الجلسة، ويخرج من مجلس النواب دون عودة، ما نزل عليّ كالصاعقة بسبب المفاجأة غير المنتظرة، ولمعرفتي أنّني، بعد إستقالته، سأفقد رفيقي في النضال ودعمه، المحترم والمسموع، للمطالب الإصلاحية، وسيفقد مجلس النواب أحد أهم مشرّعيه.

    إلاّ أنّ خيبتي ازدادت عندما إنكفأ الكثيرون من الرفاق والمحازبين والرأي العام عن الإلتفاف حوله، ليحوّلوا إستقالته إلى حدث وطني يُطلق حركة إصلاح حقيقية، ويمنع الإنحرافات التي دفع لبنان واللبنانيون ثمنها الغالي لاحقاً.

    فوق كل ذلك يخسر لبنان أحد رموز اللياقة والأخلاق السياسية، الذي استطاع، في أدقّ الظروف وأصعبها، من المحافظة على مستوى رفيع من الآداب واللياقة في إدارة جلسات مجلس النواب وفي التعاطي مع أعضاء المجلس النيابي.

    وأخيراً، لا يسعني إلاّ أن أذكر أنّ علاقتي بالسيّد حسين تجاوزت العمل السياسي والدستوري والمجلسي، إلى علاقة صداقة شخصية وعائلية، رسّخت علاقاتنا الإنسانية وحوّلتها إلى رابط عاطفي  يدفعني اليوم إلى ذرف الدموع على صديقي ورفيقي وزميلي الذي إنطفأ نوره وغاب.

    رحمة الله عليه، وعزائي إلى عائلته العزيزة، ودعائي إلى الله أن تستمر مسيرة السيّد، وما كان يمثّل من قيم، في أبنائه الأعزّاء فيتابعوا نضاله بخلقيته العالية وبأصالته الصادقة من أجل إعادة لبنان دولة سيدة حرّة مستقلّة، دولة قانون ومؤسسات، دولة يعيش فيها مواطنوها بكرامة وإعتزاز.