Search Icon

حرب : لبنان بين البقاء والزوال!

منذ 4 سنوات

من الصحف

حرب : لبنان بين البقاء والزوال!

الاحداث- كتب النائب والوزير السابق بطرس حرب في صحيفة النهار يقول:"يعترف الجميع بأنّ اللبنانيين، مسؤولين ومواطنين، قد فشلوا في بناء دولة الحق والقانون ذات السيادة والاستقلال الكاملين، وأنّ الحلّ ليس في تبادل  الاتهامات وإدانة المسؤولين السياسيين، أو أن يُردّ عليهم، بأنّ الطبقة السياسية المشكو من أدائها، ولا سيما في هذا العهد "الميمون"، لم تصل إلى السلطة بانقلاب عسكري، وأنّها من إختيار المواطنين بالذات ، وأنّه كما تكونون يُولّى عليكم.
 
​إنّها الحقيقة الموجعة، لكنّها الحقيقة.
 
​ولا يخفّف من مسؤولية اللبنانيين تذرّعهم بالصراعات الإقليمية، وإنشاء دولة إسرائيل واعتداءاتها المتكررة على لبنان، ولا سيما إحتلالها لمعظمه عام 1892، واللجوء الفلسطيني بمئات الآلاف إلى لبنان، أو الوصاية السورية، ولا الصراعات الدولية بين أميركا والاتحاد السوفياتي سابقاً، أو بروز الجمهورية الإسلامية وولاية الفقيه.
 
​فلو لم يتفاعل اللبنانيون مع هذه العوامل وينقسموا حولها، لما كان حصل في لبنان ما حصل، ولو حاسب المواطنون حكامهم الفاسدين والفاشلين وأحزابهم، ولم يدعموهم،  تصويتاً وتصفيقاً، لما انهار لبنان وجاع اللبنانيون وسقطت الدولة وأُذِلّ أبناؤها.
 
​فتبادل التهم حول المسؤوليات ليس إلاّ تضييعاً للوقت وتجهيلاً للفاعل ومحاولة السياسيين والمواطنين معاً تبرئة ذمّتهم، وتحميل غيرهم تبعة ما آلت إليه البلاد، وهو ما لن يغيّر في الأمر شيئاً. فكلّنا مسؤولون عمّا آل إليه وضع البلاد، ولو نسب متفاوتة، بين من كان في السلطة، وإن كان قد التزم بالأخلاق وأحكام القوانين ومعارضاً شرساً للانتهاكات،وبين من ضرب القيم الأخلاقية وخالف القوانين والدستور لتأمين مصالحه والإثراء غير المشروع، وبين من خان وطنه وقدّم مصلحة دول أخرى على مصالح دولته للوصول إلى موقع في السلطة،   متعهدّاً حماية مصالح من أوصلوه إليها، ولو على حساب مصلحة دولته وشعبه، وبين من سرق وأختلس وارتشى وغشّ، وبين من خالف المواثيق الوطنية، فعزّز مليشياته سلاحاً وتدريباً وتمويلاً لخدمة مصالح دولة أخرى، بدل حلّ مليشياته وتسليم سلاحه للجيش اللبناني، كما كان الاتفاق الوطني ينص عليه، وأخيراً بين من انتخب هؤلاء، وكرّر إنتخابهم دون مساءلة أو محاسبة، وربما عن حسن نية، لأنّه وقع ضحية للشعارات الزائفة لأهل السلطة وأكاذيبهم ومناوراتهم.
 
​إلاّ أنّ البكاء على الأطلال لن ينفع، فما حصل قد حصل، وها أنّ لبنان، الدولة والوطن، قد سقط، وهو بحاجة إلى أعجوبة من صنع اللبنانيين لإنقاذه، وليس انتظار تدخل دولي أو سماوي لحلّ قضيتهم.
 
 
​ما يدعوني إلى هذا الكلام، هو إقتناعي بأنّ الممسكين بالسلطة لم ولن يقبلوا بالتخلّي عنها، ليفسحوا في المجال أمام الصلاّح لتولّي الأحكام والإنقاذ، وما شهدناه في الثلاثة عشر شهراً الماضية ،مثلاً، يؤكد ذلك، بحيث لم يتنازل رئيس الجمهورية، وحزبه، عن مطالبته بالثلث المعطّل للتحكّم بالسلطة وقراراتها، ولم يتنازل أي طرف من الفريق الحاكم وحلفائه في السلطة عن حصته فيها، ولو تمّ تمويه ذلك بمستحضرات تجميل سياسية يبرع فيها رئيس الحكومة، سيّد تدوير الزوايا والمراهنة على الوقت للنجاح، فتمّ تشكيل حكومة جديدة، تضمّ بعض الأسماء الناجحة المرتبطة سياسياً بالأحزاب الحاكمة والدول التي تدعمها، بالإضافة إلى بعض من ينطبق عليهم القول " المكتوب يُقرأ من عنوانه" ، فأمطروا اللبنانيين بتصريحات تافهة ، تعيدنا إلى عصر كليلة ودمنة أو لافونتين، مع فارق كبير في المضمون والأسلوب والهدف والمستوى.
 
​والأخطر من كل ذلك بنظري، وأنا ممّن تقدموا بإقتراح قانون بإنشاء السلطة القضائية المستقلة عام 1997، ما حصل، ويحصل، في التحقيقات الجارية في جريمة العصر، المتمثلة بانفجار مرفأ بيروت، وسقوط ما يفوق المايتي ضحية وآلاف الجرحى والمعوّقين، وتدمير نصف عاصمة لبنان، ولا سيما موقف الطبقة السياسية السلبي من صلاحية قاضي التحقيق العدلي في ملاحقة الرؤساء والوزراء المعنيين في الملف، والذي يرمي إلى رفع يد السلطة القضائية عن ملف الجريمة المفجعة، وحصر أمر التحقيق فيها  بالسلطة السياسية وأحزابها وميليشياتها وعصاباتها ،مع علمهم المسبق بأنّ إحالة القضية لمجلس النواب سيؤدّي الى للحؤول دون تحميل أي مسؤول سياسي تبعة ما حدث.
 
​أسوق هذا الكلام، لا لأدين من أدّعى عليهم القاضي بيطار، وجلّهم من معارفي الذين تربطني بهم علاقات اجتماعية وإنسانية طيبة، بل لمساعدتهم على عدم الوقوع في الشرك المنصوب لهم، واتخاذ الموقف المستفزّ للأرملة التي فقدت زوجها، والأبناء الذين فقدوا آباءهم وأمهاتهم، وللآباء والأمهات الذين فقدوا أبناءهم المفجوعين، وللفت نظر أهل السلطة الى أنّ موقفهم هذا سيضعهم في مواجهة شعبهم المفجوع ،ولا سيما أنّ الإدّعاء لا يعني الإدانة، وأنّ مثولهم أمام القضاء لتوضيح دورهم قد يؤدي إلى الرجوع عنه.
 
​وأبدأ بسؤالهم، وسؤال الكتل والأحزاب والطوائف التي ينتمون إليها، لماذا أنتم خائفون من المثول أمام قاضي التحقيق العدلي إذا كنتم أبرياء؟ وهذا ما تدّعونه. أو ليس من الأفضل لكم، وكلكم رجال سياسية، ويُفترض بكم مبدئياً، أن تكونوا حراساً للدولة والقانون والعدالة، وحماة لحقوق الناس، أن تتواضعوا وتتصرفوا كأي مواطن عادي، وتلبّوا دعوة القضاء للتحقيق؟ ولماذا تتلطّون وراء حصانة ليست موجودة في الدستور وتخلقونها لحماية أنفسكم، وكلّكم، نعم كلّكم، تعلمون أنّ الحصانة الوحيدة، المنصوص عنها صراحة في الدستور، هي لرئيس الجمهورية في المادة /60/ التي تخضع أفعاله للقوانين العامة وتمنع محاكمته أمام القضاء العادي، وتفرض محاكمته في كل الأفعال والجرائم أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، حتى عند ارتكابه جرائم عادية، ما يمنع إتّهامه إلاّ من قبل مجلس النواب.
 
​أما بالنسبة إليكم، كرؤساء وحكومات ووزراء، فليس في الدستور ما يستثنيكم ويمنع محاكمتكم أمام القضاء العادي، ويحصر صلاحية محاكمتكم بالمجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، واقتصر الأمر على منح المجلس الحق بملاحقتكم في حالتين محددتين، هي الخيانة العظمى وإخلالكم بالواجبات المترتبة عليكم، ولنا في تاريخ ملاحقة الوزراء، عند ارتكابهم جرائم عادية، ما يؤكد صلاحية القضاء العدلي، كإحالة وزير الزراعة السابق محمد عجاج عبد الله أمام محكمة الجنايات وإصدار حكم بحقه، ولا داعي للتذكير أن الوزير المذكور كان ينتمي إلى كتلة التنمية والتحرير التي كان يرئسها، ولا يزال، رئيس مجلس النواب نبيه برّي، ولم تتزلزل الأرض آنذاك وتقوم القيامة لأنّ القضاء الجزائي إتهم وحاكم  وزيراً وأنزل به العقوبات، ولم يثر أحد موضوع حصانة الوزراء، والصلاحية المطلقة الحصرية المزعومة لمجلس النواب بالاتهام، وللمجلس الأعلى بالمحاكمة والإدانة.
 
​ناهيك عن قرار محكمة التمييز بهيئتها العامة المؤلفة من أعلى القضاة في لبنان، والصادر عام 2000، الذي يؤكد خضوع أفعال الرؤساء والوزراء لصلاحية القضاء العادي. فالصلاحيات محدّدة في الدستور والقوانين، وهي ليست مرتبطة بأهمية المسؤولين ولا بعددهم، وهي ليست " à la carte "، ولا   يكرِّسها موقف بعض القضاة الجبناء ،الخائفين من أهل السلطة ،أو من السلاح ،أو من التهديد " بالقبع "، أو غير الراغبين في مواجهة الفاسدين من الطبقة السياسية لئلا يقتصّوا منهم ويعاقبونهم،أو المتواطئين أو المحرجين، وهم قلّة والحمد الله. فصلاحية السلطة القضائية شاملة لكل الأفعال الجرمية، إلاّ ما استثناه الدستور بنصّ صريح واضح مانع.وهو الذي أكّد في المادة السابعة على "أنّ اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ...دون ما فرق بينهم"
 
​لست بصدد الدخول في جدل دستوري حول هذا الأمر، مع تشبّثي الجازم برأيي ورأي كبار رجال القانون بعدم وجود حصانة لرئيس مجلس الوزراء والوزراء في حال ارتكابهم إحدى الجرائم العادية، بل لأسأل عن سبب موقف القوى الحاكمة، والمتحكمّة، ورفضهم المثول أمام المحقق العدلي، كأي مواطن عادي، لإثبات براءتهم، وبتُّ مقتنعاً بأنّ بعضهم، وأشدّد على كلمة بعضهم، يخاف من ثبوت تورّطه بالجريمة الفظيعة، إمّا بالمشاركة في إدخال المواد المتفجرة إلى لبنان وسببه الحقيقي، أو إدخالها الى المرفأ وهو عالم بالخطر الذي تشكّله على السلامة العامة، أو بتخزينها خلافاً للقانون ولشروط السلامة، أو لسحبها من مكان تخزينها لاستعمالها لغايات عسكرية لبنانية أو غير لبنانية، أو لحماية تخزينها والسماح بإخراجها خلافاً لأحكام القوانين، أو لمعرفته بوجود خطر يهدّد حياة الناس وتلكؤه عن القيام بما يستطيع لمنع وقوعه وهي جرائم جزائية عادية.
 ​
​كل ما أقصد مما سُقتُ أعلاه، أنّ شعبنا الذي  قُتل وشُرِّد وأُذِلّ وجُوِّع ونُهب واُغتصبت حقوقه  نتيجة فجور أهل السلطة وفسادهم وعدم كفاءتهم، لم يبقَ له من أمل إلاّ في السلطة القضائية المستقلة لحماية حقوقه وضبط سير الأمور والحدّ من تعسّف السلطة وأهلها، وأنّه يتعرّض اليوم  لجريمة جديدة ترتكبها الطبقة الحاكمة، بالإجهاز على هذه السلطة. فيوم تتآمر القوى السياسية الحاكمة، التي تختلق حصانة دستورية للوزراء، مع المليشيا المسلّحة المتحكّمة بالبلاد وسياستها الخارجية، والتي استباحت السيادة والحدود، والتي تتباهى بتنفيذ أوامر وأجندة إيران على حساب مصلحة لبنان، فيدخل مسؤول رفيع منها قصر العدل ليهدّد، نعم يهدّد، القاضي المولج بالتحقيق في إنفجار المرفأ، ويخرج منه حراً طليقاً، وكأنه سيّد القصر، ولا يُلاحق بالجرم المشهود الذي ارتكبه من أي مرجع قضائي، ولا يتجاسر رئيس الجمهورية  حتى على إدانته شفوياً ،ومجلس الوزراء على طرح هذه القضية الخطيرة على طاولته وفي جدول أعماله، وكأن شيئاً لم يحدث، أو كأنّ الأمر مجرد حادث سير بسيط، يومها يسقط الهيكل بكامله، وتسقط  الدولة ويسقط الدستور وتسقط القوانين وتسقط حقوق المواطنين، كل المواطنين، ويسقط المسؤولون من أعلى الهرم الصامت كالصنم ، لأنّه  يدين للحزب برئاسة جمهوريته، إلى أسفله، ويكون لبنان قد انتهى، ما يذكرنا بقول تشرشل أيام الحرب العالمية الثانية عندما انهارت معنويات شعبه  بعد قصف هتلر للندن ، ولمّا عُرض عليه الواقع المأساوي :" هل القضاء بخير؟ فإذا كان بخير، لا تخافوا على إنكلترا ." وما يدفعني إلى القول: لأنّ القضاء لم يعد بخير أخاف على لبنان من الزوال.
 
 
 
​فيا قضاة لبنان،
​إنّهم يسلبونك صلاحياتكم بالتشبيح ،وللأسف بتواطؤ قسم منكم ، وتعلمون أنّه إذا رضختم، سيتحكّم شريعة الغاب بلبنان ، وتسقط كل الضمانات التي يُفترض أن توفروها للمواطنين ،ويستبدّ أهل السلطة بالبلد والعباد ، ويسقط نظامنا الديمقراطي، ما يضع مصير الدولة وحقوق اللبنانيين  رهن موقفكم.
 
​فإذا تمسّكتم بصلاحياتكم، وتسلّحتم بأخلاقيات القضاة الصالحين وبالشجاعة المطلوبة منكم ، ولم تخضعوا للتهديد المليشياوي، ولم تتنازلوا عن كونكم المرجع الأخير لضبط الأمور وحفظ حقوق المواطنين، وإذا حكمتم بالحق والعدل والقانون، عندئذ تنقذون لبنان وتنالون عدالة قاضي السماء وثقة اللبنانيين، وعندئذ فقط، يبقى الأمل ببقاء لبنان دولة للحق والقانون. أما إذا تخاذلتم وخفتم وحاولتم إرضاء الحاكمين ، فويلكم من عدالة السماء ومن لعنة التاريخ لكم.
 
​ولأنني ما زلت أؤمن بكم ، وأؤمن بأنّكم حراس   الدولة وحقوق المواطنين ، وأنّ أكثريتكم تدرك أهمية دوركم وخطورته ، فبالله عليكم ثوروا على الظلم والتسلّط  ، وتذكّروا أولئك القضاة الابطال زملاءكم ،  الذين أنقذوا دولهم من المافيات الفاسدة التي كانت  تهيمن على بلادهم ، فتصدّوا لهم ، وأدخلوا رؤساء دولهم ومسؤوليهم الفاسدين السجون ،وأنقذوا دولهم وشعوبهم  ، ولا تحطّموا الأمل فيكم، ولا  تكرِّسوا ،بإذعانكم لرغباتهم  ،إعدام الوطن والدولة وقضائها وبذلك تحفظون لبنان .