الاحداث- كتب الوزير والنائب السابق بطرس حرب في صحيفة النهار فقال:"ما تشهده البلاد في هذه المرحلة من جدل دستوري مثير حول الصلاحيات، وما يتخلّله من نظريات لدعم هذا الرأي أو ذاك، يدفعني إلى التوجّه إلى أهل الاختصاص في الحقل الدستوري، راجياً إيّاهم ألّا يسخّروا فكرهم وعلمهم وكفاءاتهم القانونية لخدمة مآرب الأطراف السياسية المتناحرة، لئلّا تتحوّل آراؤهم ودراساتهم إلى استشارات "غبّ الطلب"، تُسقط قيمتها القانونية، لافتاً إلى أنّه يُفترض بنا، كقانونيين، أن نبقى ضبّاط انتظام الحياة الدستورية في نظامنا، وحرّاساً له لمنع انحرافه، لأنه يصحّ فينا القول إننا ملح صحّة الحياة السياسية، و"إذا فسد الملح، فبماذا يُملّح". فلنتمسّك بالحقيقة والحق والدستور لنبقى المرجع الأمين الموضوعي، الذي يعود إليه اللاعبون السياسيون تلمّساً للطريق الصحيح السليم للحكم.
من هذا المنطلق، والتزاماً منّي بالدعوة أعلاه، وبالرغم من موقفي السياسي المعروف من العهد ورئيسه، ومن عصابة التجّار ومصّاصي الدماء التي تحيط به، والتي باعت الوطن وسيادة الدولة وكرامة المواطنين من أجل أطنان من الدولارات، وليس مقابل ثلاثين من الفضّة، ما جعل يهوذا الإسخريوطي، الذي باع السيد المسيح وسلّمه إلى جلّاديه، قدّيساً، إذا ما قورن بأعضاء هذه العصابة، إذ إنّ الإسخريوطي باع المسيح مرّة ليستكمل النبوّة، ويُصلب المسيح ليخلّص البشر، أمّا هم فقد باعوا الوطن، ويستمرّون في بيعه كل يوم، ليتسلّطوا ويكدّسوا الثروات، ولو صُلب شعب #لبنان، مع الفارق أيضاً أنّ الإسخريوطي ندم على فعلته وشنق نفسه للتكفير عن جريمته، أمّا هم، فلم يندموا، وما زالوا يمعنون شنقاً وإذلالاً وتفقيراً وتهجيراً لشعبهم، غير عابئين، وليس لنا من أمل في أن يندموا ويشنقوا أنفسهم.
إنّ موقفي السياسي هذا، لن يخرجني، في ما يتبع، عن موضوعيتي في تحديد موقفي من الجدل الدستوري القائم حول مرحلة ما بعد حصول الفراغ في سدّة #رئاسة الجمهورية المرجّح، وكيفية إدارة البلد خلاله.
أولاً: في التكليف بتشكيل الحكومة
يوم كنّا في الطائف، وعند وصولنا إلى كيفية تشكيل الحكومات، كنت ممّن طرحوا تقييد الرئيس المكلّف بمهلة زمنية للتأليف، يسقط التكليف بانقضائها وتُجرى استشارات نيابية جديدة لتسمية البديل، وطرح آخرون الاحتكام إلى مجلس النواب عند الاختلاف على تشكيل الحكومة التي يقدّمها الرئيس المكلّف لرئيس الجمهورية، فإذا حازت التشكيلة الأكثرية النيابية، تصبح ملزمة لرئيس الجمهورية، فيُصدر مرسوم تشكيلها مع رئيس مجلس الوزراء، ويضطر إلى التعايش معها في ظل ما يُعرف بالمساكنة "Cohabitation".
رفض النواب السنّة الطرحين، وتمسّكوا بآلية تشكيل الحكومة قبل الطائف، وبترك أمر الاتفاق للرئيسين، متّكلين، في ذلك، على وطنيتهما وحكمتهما المفترضة وإعلائهما المصلحة الوطنية العليا على مصالحهما الشخصية أو الفئوية، ما دفعنا للتوافق على ذلك. إلاّ أنّ من المؤسف أنّ ما توافقنا عليه لم يعد متناسباً مع مستوى المسؤولين الأخلاقي والوطني هذه الأيام، ما أدّى إلى تعطيل آليات تشكيل الحكومات، ولا سيما بعد سيطرة السلاح غير الشرعي على الحياة السياسية، ومنعه تشكيل حكومات لا ترضي حامليه، وبلغ الأمر بهم إلى فرض رئيس جمهورية بقوة هذا السلاح، يلتزم توجيهاتهم ويشرّع وجودهم وينفذ رغباتهم.
لم يرد يوماً في ذهننا أن يتولّى مسؤولية إدارة البلاد أشخاص ينحصر همّهم بتأمين مصالحهم وتعزيز نفوذهم وتسلّطهم، وتوريث السلطة للعائلة بعدهم، ولو على حساب الوطن وديمومته ومواطنيه، وهذا خطأ ارتكبناه بدافع رغبتنا وتصميمنا على وقف الاقتتال والتدمير والتهجير والحروب العبثية التي خاضها ميشال عون آنذاك.
ما يعني عملياً، أنّه لا مدة محدّدة في الدستور لمن يُكلَّف بتشكيل الحكومة. إلاّ أنّ ذلك لا يعني أنّ المهلة الممنوحة له مفتوحة دون أية ضوابط قانونية وأخلاقية، لأنها محدّدة بمبدأ المهل المعقولة "Délais raisonnables" التي تفرض التصرّف بعقل وأخلاق وحكمة، ووطنية.
فليس صحيحاً القول بأنّ مهلة تأليف الحكومة مفتوحة بلا حدود، فهي ليست أبدية وليست اعتباطية يمكن التمادي في استعمالها تعسّفاً وبما يضرّ مصلحة البلاد. إلاّ أنّ المطامع والمصالح السياسية لدى بعض رؤساء الوزراء المكلّفين، وشروط القوى السياسية المتناقضة، سجّلت سابقات طويلة جداً للتكليف، وبلغت أحياناً ما يقارب السنة الكاملة، ما يستدعي بنظري إعادة طرح هذا الأمر على طاولة البحث الهادئ لتطوير نظامنا السياسي دون المساس بالمبادئ الأساسية التي يستند إليها هذا النظام.
ثانياً: في كيفية تشكيل الحكومة
يدور جدل كبير حول دور رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف تشكيل الحكومات، وتنقسم الآراء بين من يعتبر أنّ تشكيل الحكومة هو صلاحية حصرية للرئيس المكلّف، وأنّ دور رئيس الجمهورية في العملية يقتصر على إصدار مرسوم تشكيل الحكومة، وأنّ الرئيس المكلّف يجري الاستشارات النيابية لتشكيل الحكومة ويوقّع مع رئيس الجمهورية مرسوم تشكيلها.
أمّا الرأي الآخر فيعتبر أنّ رئيس الجمهورية هو شريك أساسي في تشكيل الحكومة، وبسبب ذلك يعود له حصّة في الوزراء الذين ستتشكّل منهم الحكومة. وكلتا النظريتين مخالفة لروحية الدستور وأحكامه، ولا سيما أنّ الاتفاق، الذي تمّ في مؤتمر الدوحة عام 2009، على تخصيص رئيس الجمهورية بحصّة وزارية مؤلفة من ثلاثة وزراء، كان استثنائياً ومخالفاً لكون رئيس الجمهورية رئيساً لكل الوزراء ولرئيسهم، وأنّ مجلس الوزراء بكامله هو من "حصّة" الرئيس، إذا جاز التعبير، وأنّ الاتفاق الذي تمّ آنذاك، وإن حصل في الدوحة، حصل تحت ضغط السلاح وبالإكراه، وهو، وإن نُفّذ، باطل، ولا يشكّل سابقة دستورية، بل تسوية سياسية استثنائية.
فرئيس الجمهورية هو رئيس الدولة، كل الدولة، ورئيس كل السلطات والإدارات والمؤسسات العامة، وهو "رمز وحدة الوطن ويسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه"، وهو ضابط الحياة السياسية في البلاد، ويصبح، عند انتخابه رئيساً، رئيساً لكل اللبنانيين وفوق كل الصراعات السياسية والطائفية والحزبية، وإن كان رئيساً أو عضواً في حزب عند انتخابه، فعليه أن يستقيل من حزبه ليعمل في خدمة كل اللبنانيين، وليس لمصلحة محازبيه، وذلك لكي يكون جديراً بموقعه، وقادراً على توجيه الحياة السياسية في البلاد، وأن يكون مؤثراً على موقف كل الوزراء، ويتحوّل إلى أب صالح حقيقي لكل اللبنانيين دون تفرقة، ولا يصبح موضوع سخرية ومزحة مهينة وتندّر بين اللبنانيين كالزعم بأنه "بيّ الكل".
في الخلاصة، إنّ دور رئيس الجمهورية في تشكيل الحكومات ليس ثانوياً على الإطلاق بل أساسي، لأنّ الدستور نصّ على أن "يصدر بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء مرسوم تشكيل الحكومة..."، وأنّ كلمة "اتفاق" تفترض التقاء إرادتين: إرادة رئيس الجمهورية مع إرادة الرئيس المكلّف، وما يعني أيضاً أنّ أيّاً من الإرادتين عاجزة عن إصدار مرسوم تشكيل الحكومة وحدها.
فموافقة رئيس الجمهورية على التشكيلة الوزارية أساسية وليست شكلية، وإن لم تحصل فلا حكومة، ما يستدعي بنظري التوافق، مع تأكيدي على حق الرئيس المكلّف بعرض التشكيلة الوزارية التي يرتئيها على رئيس الجمهورية، وعلى وجوب التباحث معه والاستماع إلى توجيهاته والتقريب بين وجهتي نظرهما، لكي يصدر مرسوم التشكيل. إلّا أنّ ذلك لا يعني أنّ النصّ الدستوري يمنح رئيس الجمهورية صلاحية فرض الحكومة التي يريد، أو المطالبة بحصّة وزارية له من كتلته الحزبية أو النيابية، لمواجهة الكتل السياسية الأخرى في مجلس الوزراء، لأنّه رئيس لكل الوزراء ولمجلس الوزراء عند حضوره لجلساته، ولأنّه بذلك يتحوّل من رئيس لكل الوزراء، ولكل اللبنانيين، إلى رئيس لفريق سياسي في وجه الأفرقاء الآخرين، وهذا يصيب موقعه الرئاسي بالضعف، ووقاره بالضمور، ويسمح لبعض الوزراء بمواجهته والتهجّم عليه، حتى لو وُصف بالرئيس القويّ، كما سبق أن حصل أكثر من مرّة.
فالتوافق بين الرئيسين شرط أساسي لتشكيل الحكومة، إلّا أنّ ما يدخل البلاد في الصراعات، هو عندما يستغلّ أيّ من الرئيسين موقعه وصلاحياته لتحقيق مكاسب شخصية وحزبية وعائلية وسلطوية، وعندما يتعمّد أحدهما ضرب القواعد الأساسية للتشكيل، كأن يبتزّ الآخر لفرض شروطه، أو كأن يهمّش أحدهما صلاحيات الآخر ودوره في تشكيل الحكومة.
ثالثاً: في مصير صلاحيات رئيس الجمهورية بعد خلو سدّة الرئاسة
إنّ المادة /62/ دستور واضحة ولا تسمح بأيّ اجتهاد، وهي تنصّ على "إناطة صلاحيات رئيس الجمهورية وكالة مجلس الوزراء"، وهو ما حصل قبل الطائف وبعده أكثر من مرّة.
إلاّ أنّ الإشكالية اليوم تكمن في احتمال تولّي حكومة معتبرة مستقيلة بحكم الدستور هذه الصلاحيات، ومدى قدرتها على ذلك، ما سمح لبعض السياسيين ورجال القانون بإطلاق نظريات متناقضة، بين تطبيق النص، على وضوحه، وبين عدم جواز ترك الرئيس المنتهية ولايته، وتكريس "الفراغ" (الرئاسي) على الفراغ (الحكومي) باعتبار أنّ الحكومة معتبرة مستقيلة، وأن صلاحياتها لا تتجاوز تصريف الأعمال بالمعنى الضيّق (المادة /64/ دستور) وذلك لتبرير بقاء الرئيس في موقعه حتى انتخاب رئيس جديد، والطريف أنّ هذا الفريق هو فريق رئيس الجمهورية الحالي الذي تجاوز صلاحيات رئيس الجمهورية عندما عيّنه أمين الجميّل رئيساً للحكومة الانتقالية وأعلن حروبه العبثية، في الوقت الذي لم يكن قد حاز ثقة مجلس النواب، وكان على رأس حكومة غير مكتملة الصلاحيات، ويُفترض بها تصريف الأعمال فقط.
ما يدفعني إلى التساؤل: هل هناك مشكلة دستورية، أم صراع على السلطة بعد الفراغ الرئاسي المحتمل؟
فالحكومة المستقيلة المعتبرة مستقيلة، أو غير الحائزة ثقة مجلس النواب، هي الهيئة التي تتمتّع بالسلطة التنفيذية لتسيير الأعمال بالمعنى الضيّق بانتظار تشكيل حكومة جديدة، وخلوّ سدّة الرئاسة ينقل، دستورياً، صلاحيات رئيس الجمهورية إلى مجلس الوزراء لممارستها بالصلاحيات الضيّقة الممنوحة له، ما يعني أنّ مجلس الوزراء، الذي قد ينعقد استثنائياً بعد استقالة الحكومة،عندما تدعو الحاجة الملحّة والضرورة، لا يمكنه ممارسة صلاحيات رئيس الجمهورية إلّا بالصلاحيات الضيّقة التي يمنحه إيّاها الدستور، ولا يُسمح له بممارسة صلاحيات الرئيس، غير الملتصقة بشخصه، كاملة، ما يؤدّي إلى تعذّر ممارسة الصلاحيات الرئاسية الباقية كاملة، هذا مع الأخذ في الاعتبار الضرورات الملحّة التي قد تبرّر بعض المحظورات، والتي تفرضها مصلحة البلاد المستعجلة والطارئة والملحّة، ما يعني عملياً أنّ النظام الدستوري والسياسي سيعمل كجسم مقطوع الرأس، وأنّ مشاركة المسيحيين في السلطة وفي موقع الرئاسة الأولى، ستكون شبه معدومة، ما يشكّل خللاً كبيراً في التوازن الوطني، وكل كلام غير ذلك يتناقض مع أحكام الدستور ولا يجد تبريراً له إلّا في السياسة وصراعاتها.
فواجب الجميع تأمين استمرارية السلطة بالحدّ الذي يسمح به الدستور، وكل تجاوز لذلك يُعدّ خرقاً للدستور ويخضع للمساءلة السياسية والقانونية، بما فيها المساءلة الجزائية.
في الخلاصة، لا حلّ للأزمة الدستورية إذا بقي رئيس الجمهورية ممتنعاً عن تسهيل تشكيل الحكومة، لأنه مصمّم على فرض أكثرية الوزراء التابعين له فيها، ليتمكّن، عبرها، من إدارة شؤون البلاد، ويتحكّم بقراراتها بالواسطة، بعد تركه سدّة الرئاسة، لعلّه بذلك يحقّق حلمه الثاني بتوريث الرئاسة لصهره من بعده، رغم فشله الذريع وصفقاته المشبوهة وكل العقوبات المفروضة دولياً عليه.
أمّا بالنسبة للرئيس المكلّف، فهو يعلم أنّه غير قادر على تشكيل حكومة دون موافقة رئيس الجمهورية، وأنه بالرغم من رغبته بذلك، يحاول ألّا يخضع لإملاءات الرئيس المرتبطة بمصالحه ومصالح حاشيته، فأدعوه، بكل صدق، للعمل جاهداً، من جهته على الأقلّ، للوصول الى توافق مع رئيس الجمهورية لتشكيل حكومة وطنية انتقالية بشكل لا يسمح له، أو لرئيس الجمهورية، الذي عانى لبنان الأمرّين من حكمه، بالتحكّم بمفاصل الحكم.
في الخلاصة أستطيع الجزم بأن الصراع الحقيقي هو على السلطة وهو ليس صراعاً دستورياً. فالدستور واضح "ولا مجال للاجتهاد عند وضوح النص"، ولنقل بصراحة، إذا ما استمرّ، يتحوّل صراعاً على جثة لبنان، على جثة الوجود المسيحي الفاعل والمؤثر في السلطة، لأنّ المسيحيين هم أكبر المتضرّرين من بقاء موقعهم فيها شاغراً، ومن ذوبان صلاحيات موقع الرئاسة بسبب تعنّت فريق سياسي، ورفضه التخلّي عن رئاسته لغيره من المسيحيين، تطبيقاً لمبدأ "عليّ وعلى أعدائي يا رب" وإسقاط دورهم السياسي الضامن لوجود لبنان ولوجودهم ودورهم الأساسي فيه، وفي كل الأحوال تحويل موقع الرئاسة إلى ورقة مساومة وابتزاز في ميزان التوازن السياسي والطائفي في البلاد.
فكفى كفراً بلبنان وتهديماً له، فالبلاد في حالة السقوط الكامل، وشعب لبنان جائع خائف قلق على مستقبله، وشبابنا يهاجرون، واقتصادنا منهار، في الوقت الذي لا تزال فيه فرص إنقاذه متوفرة إذا أحسنّا التصرّف.
عيب وألف عيب، حان الوقت لكي "تحسّوا بَقا".