الاحداث- كتب فيكتور الزمتر*
ضاقت السُبُلُ بمُقاومة حزب الله، المُحاصَرُ بين مطرقة الجبروت الإسرائيلي وسندان النقمة اللُّبنانية، إلى أنْ اهتدى أمينُها العام، إلى سلاح "تخزين الغضب"! ففي كلمةٍ، ألقاها، يوم 14 آب 2026، توجّه أمينُ عام الحزب، إلى بيئة المقاومة بالقول: "نطلبُ منكم أنْ تختزنوا .. الغضبَ في صدوركم، وتتهيَّأوا لاستخدامه في الوقت الذي يحينُ، لتحقيق أهدافكم ومطالبكم".
للوهلة الأُولى، بدا الإعلانُ عن هذا السلاح عبثيّاً، لا واقعياً، أمام حراجة الوضع، حيثُ تطحنُ آلةُ الحرب الإسرائيلية، ما في طريقها من بشرٍ وحجرٍ وشجرٍ. هذا، ولم يرشحْ عن الإعلام الإسرائيلي، ما يدلُّ على "ارتعاب" قادة إسرائيل، من هذا السلاح الدفين، في وقتٍ اعتَبرَ خصومُ الحزب، دعوتَه لمناصريه بـ"تخزين الغضب"، مُخدِّراً موضعيّاً، لربح بعض الوقت، أو هروباً إلى الأمام. فإشهارُ سلاح الغضب، وترحيلُه إلى "المكان والزمان المناسبين"، في حمأة فرض إسرائيل وقائعَ مُرَّةً على الأرض، لا يُقدِّمان حلولاً واقعيةً للتصدُّعات، ولا يُبلسمان المأساة المعيشية، التي تُعاني منها بيئة الحزب ولبنان.
إنَّ دعوةَ حزب الله لبيئته بكظم غضبها من الظلم اللاحق بها، تستبطنُ الدعوةَ إلى العضِّ على الجراح والألم، وضبط النفس والإنفعال، وإرجاء ردَّة الفعل، بانتظار ساعة الصفر التي تراها قيادتُه مناسبةً. وهذا دليلٌ على أنَّ الظرفَ القاهرَ والحصارَ المُحكَم، لا يسمحان لـ"لعين بمُقاومة المِخْرَزِ"، بقدر ما هو دليلٌ، على بقاء المجال مُتاحاً للتغوُّل الإسرائيلي، لتوسيع احتلاله وتجريفه، كرمى للصبر الإستراتيجي.
كما تنطوي الدعوةُ على تحذير مُعارضي المُقاومة، حكومةً ورأيَ عامٍ، من "أنَّ الغضبَ له وقتٌ، ويُمكنُ أنْ ينفجرَ .. فليتحملْ .. (من) يعملُ ضدَّ المقاومة وأهل المقاومة .. مسؤوليةَ (الإعتداء عليها ..". إنَّه تحذيرٌ مُواربٌ، يُلوِّحُ بالإنفجار الداخلي. ويأتي هذا الكلامُ بالتوازي مع الإعتراف بـ"عدم تكافؤ القوَّة .."، ومع ذلك، "الإستسلامُ مرفوضٌ لما فيه من "إبادةٍ وإلغاءٍ ..".
معضلةُ لبنان الراهنةُ، تختلفُ، بالتوقيت القاتل وبالوقائع المُريعة، عن كلِّ ما عداها من تناسل المُعضلات الأُخرى. لذلك، يُخشى أنْ تكون خاتمتُها، أقسى إيلاماً من سابقاتها، لما قد تُحدِثُه من تصدُّعٍ في بُنيته الكيانية. فالإجتياحُ الإسرائيلي الحالي، لم يقتصرْ على تجاوز نهر اللّيطاني، واحتلال ما يقربُ من سبعمئة كلم2، بل مسح معالمَ عشرات البلدات والقرى، ما خلَّفَ تهجيرَ مئات الآلاف من سكانها. والدليلُ على إقامة الاحتلال الطويل، يكمنُ بشقّ الطرقات وإقامة التحصينات، والإصرار على احتلال المواقع المُشرفة، عدا الطلب التعجيزي بتجريد حزب الله من سلاحه، لارتباطه بالقرار الإيراني المُعقَّد.
إلى ذلك، وقائعُ سياسة إسرائيل، مُنذ قيامها حتى اليوم، وبالخصوص في السنوات الأخيرة، لم تعُدْ تتركُ مجالاً للشكِّ، بنواياها التوسُّعية، لا سيَّما في فلسطين ولبنان وسوريا. إنّها سياسةُ "الفعل"، عن طريق قضم الأراضي، بشكلٍ مدروسٍ ومُمنهجٍ، مُستكينةً إلى سياسة "ردَّة الفعل" العربية، المُقتصرة على الإدانة والإستهجان والإستنكار. هكذا، ابتلعت إسرائيلُ حصَّتها في الدولة اليهودية، بموجب قرار تقسيم فلسطين، رقم 181 عام 1947، لتقضمَ، في ما بعد، حصَّةَ دولة فلسطين، وِفقَ قرار التقسيم عينه. وفي أعقاب حرب الأيام الستَّة المُهينة، عام 1967، ضمَّت إسرائيلُ القدسَ والضفَّةَ الغربيةَ. وفي عام 1981، قامت بضمِّ مُرتفعات الجولان، لتستكملَ احتلالَ المرتفعات، بُعَيْدَ سقوط نظام الأسد، أواخر 1924، بالسيطرة على المنطقة العازلة، بموجب اتفاقية عام 1974، والبدء باستيطانها. وها هي اليوم، بصدد ضمِّ الضفََة الغربية، ورُبَّما قطاع غزَّة وجنوب لبنان، لا قدَّرَ الله.
المُتمعُّنُ بما تقدَّمَ، لا يُخامرُه شكٌّ بالمخاطر الداهمة، والمُحدقة بجنوب لبنان، حيثُ تتجمَّعُ الظروفُ القاهرةُ، التي تُحاصرُ الكيانَ اللُّبنانيَّ، وتُخاطرُ بتمامية أراضيه. فبعد حروب الإسناد والإنتقام، فقدت المّقاومةُ فائضّ قُوَّتها، مع استشهاد زهرةَ شبابها، واغتيال رموزها القيادية، وسقوط نظام الأسد، وانشغال إيران، بلملمة أوضاعها، بفعل الحرب الأميركية الإسرائيلية عليها. وما زادَ في الطين بَلَّةً"، تعميقُ الشرخ الداخليَّ، بين المُقاومة ومعارضيها، بانضمامُ الحكم اللُّبناني، جهاراً، إلى المُطالبين بنزع سلاحها، تحت ذريعة حصرية السلاح.
وهنا، يطفو على السطح السؤالُ المحوري: كيف للبنان المُنقسم على ذاته، أنْ يستعيدَ أرضَه المُغتصبةَ، من أشداق الإسرائيلي الطامع، بدون مُقاومةٍ؟ واستطراداً، ما هو الثمنُ المُنتظر تسديدُه، إذا ما استُفردَ لبنانُ الأعزلُ، بمواجهة الإستقواء الإسرائيلي، المُتمرِّد على المواثيق الدولية؟ يرى البعضُ الجوابَ بالتفاوُض، لاستعادة الأرض، وإنْ كانت معاهدةَ السلام، الثمنُ الأقصى. ولكنْ، من يضمنُ ذلك، والوطنُ على هذا الدرك من التشرذُم، بمواجهة كيانٍ، على هذا المستوى من الشراسة والشهية التوسُّعية؟
أصلُ مأساة الوطن الصغير، من ألِفها إلى يائها، تكمنُ في خلاف بنيه على هويَّته الوطنية، الذي يبرزُ لدى اتخاذ القرارات المصيرية، لا سيَّما ما يتَّصلُ بقرارات الحرب والسلم. فالإجتياحاتُ والإعتداءاتُ الإسرائيليةُ، ضدَّ لبنان، لا تُحصى، جرّاء مُناصرته قضايا العرب، على حساب مُقامرته، وحيداً، بمصيره، لقاء الخفَّة العربية، في مُقاربة تلك القضايا، بموازاة منهجية وتخطيط العقل الإسرائيلي.
عسى أنْ تُستقى من هذه المتاهة، حاجةُ العودة إلى الوطن، الحاضنُ الأبقى، كي لا نبكي ضياعَه، ساعةَ لا تنفعُ دموعُ الندم.
*سفير سابق