الاحداث- كتب د.فيكتور الزمتر*
الإعلامُ الأميركي، ومعه الإعلامُ العالمي، غارقٌ بمُساجلاتٍ حول الفائز والخاسر، في "مذكَّرة التفاهم"، بين الولايات المتحدة وإيران، بدل أنْ يتحلَّقَ السجالُ، حول الحكمة القائلة: "من حفرَ حُفرةً لأخيه، وقعَ فيها".
ما يلفتُ الإنتباه في غلواء تلك السجالات، هو التركيزُ على ما يُوصفُ بالتنازُلات الأميركية المجانية، وكأنَّ سفكَ دماء غير المُحلَّلٌ للأميركيين، وأنَّ من حقِّهم قلبُ نظام حُكم من لا يمشي في رِكابهم، وأنَّ خيراتَ وثرواتَ الخصوم "داشرةٌ"، تُخوِّلُهم الإستيلاءَ عليها ..
وبعيداً عن سجالات النصر والهزيمة، لا يحتاجُ المُراقبُ إلى عناءٍ كبيرٍ، ليكتشفَ أنَّ لهفةَ الرئيس ترامب الظاهرة، لتوقيع "مُذكَّرة التفاهم"، تخفي استدراكاً للتهوُّر بدخول تلك الحرب، كما تنطوي، بالقدر ذاته، على إدراكِ الرئيس الأميركي المُتأخِّرِ، بفداحة استدراجه، من قِبَل نتنياهو، إلى حربٍ إسرائيليةٍ صرفةٍ، انتظرَ، هذا الأخيرُ، أربعين عاماً ليُكحِّل عينيه بحصولَها. فقد سبَّبَت الحربُ تهشيماً بسمعة ومصالح الولايات المتحدة، عدا ما نالته من رصيد رئيسِها ورصيد حزبه الجمهوري، على أعتاب الانتخابات النصفية، في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل.
لم يكنْ مُنتظراً أنْ "ينفختَ دفُّ" التحالُف، ويتفرَّقُ "العاشقَان"، ترامب ونتنياهو، غداة انكشاف غُبار المعركة الخاسرة ضدَّ إيران. ففي آخر مُلاسنة، لم يتردَّدْ الرئيسُ ترامب من الادِّعاء، بأنَّ لولاه، "لَما كانت هناك إسرائيل، لأنَّ لا رئيساً أميركياً كانَ مُستعداً لفعل ما صنعتُ لإسرائيل .. لديَّ علاقةٌ جيِّدةٌ مع بيبي (نتنياهو).. لكن على نتنياهو أنْ يتصرَّفَ بمسؤوليةٍ أكبرَ تجاه لبنان".
وبعد ترامب، تناوبَ على انتقاد المسؤولين الإسرائيليين، نائبُ الرئيس الأميركي، D. J. Vance، مُذكِّراً بأن ثُلثَي أسلحة إسرائيل من دافعي الضرائب الأميركيين. وألمحَ إلى واجب نتنياهو بضبط تصريحات وُزرائه، الداعية إلى التمرُّد على التوجُّه الأميركي إلى التهدئة. وزادَ مُحذِّراً إيّاهم من "مهاجمة الحليف الوحيد، المُتبقّي لهم"، في إشارةٍ إلى ارفضاض حلفاء إسرائيل التقليديين، عن تأييدها على ضوء مُقاربتها الهمجية في غزَّة ولُبنان.
طبيعيٌّ أنْ يُصدمَ المسؤولون الإسرائيليون، المُعتادون على الدلال الأميركي، من هذا الإنتقاد النادر، لرفضهم الإتفاق الأميركي الإيراني. واستشعروا الخطرَ من حدَّة لهجة النقد، غير المعهودة، لسلوكهم، خوفاً على اهتزاز الدعم العسكري لهم. فالإنتقاداتُ الأميركيةُ تدلُّ على تآكُل التأييد التقليدي لإسرائيل، في أوساط الحزب الجمهوري، المعروف بروابطه المتينة معها، أُسوةً بالتحوُّل المُتنامي، في أوساط الحزب الديمقراطي. إلّا إنَّ هذا لا يعني انقلاباً بالتحالُف المتين، بين ليلةٍ وضُحاها، لحاجة ترامب ونتنياهو لبعضهما البعض، في انتخابات التشرينين القادمين. ويُحسِنُ خصومُ إسرائيل، إنْ بنوا على هذه الفجوة، من خلال تنمية وتوثيق التناغُم الحديث، بين السعودية ومصر وتُركيا وباكستان، وإيران لاحقاً.
والمُلفتُ عودةُ قضية لبنان، إلى اهتمام الرئيس ترامب وإدارته، على أمل ألّا يكون كرمى لعيون إيران فقط. فلُبنان يتطلَّعُ بحرارةٍ إلى ترجمة هذا الاهتمام بإجراءاتٍ حسِّيةٍ، تُنصفُ مُعاناته المُتمادية، بمناصرة المطالبات اللُّبنانية المُلحَّة، بتثبيت وقف النار ووقف الإعتداءات الإسرائيلية وانسحاب الاحتلال الكامل من لبنان، ما يُسهِّلُ عودةَ الدولة اللُّبنانية إلى الإمساك بزمام الأُمور، سحباً لذريعة إسرائيل بأمن مُستوطناتها الشمالية.
صحيحٌ أنَّ هذه المُلاسنات لا تعني، بالضرورة، انقطاع "حبل السُرَّة"، بين الولايات المتحدة وإسرائيل، بعد عُقودٍ من التعاضُد العضوي بينهما، لكنَّها تترك مجالاً للتكهُّن، بأنَّ ترهُّلاً معيَّناً أصابَ سيبةَ التحالُف المتين، جرّاء انكشاف التمادي الإسرائيلي، باستغلال العضد الأميركي، لتحقيق مصالح إسرائيل، على حساب المصالح الأميركية.
لقد كشفت السنواتُ الثلاثةُ الأخيرة، أنَّ قادةَ إسرائيل، يسارُهم قبل يمينهم، تجمعُهم بوصلةٌ واحدةٌ، تُحدِّدُ وُجهة "الشعب المُختار" إلى " أرض المِيعاد"، على قاعدة النهج الميكيافيلي، القائم على مبدأ "الغاية تُبرِّرُ الوسيلة"، لبلوغ هدفَهم التوسُّعي. فلَكَمْ بالغَ وتباهى قادةُ إسرائيل، بمآثر قوَّتِهم، التي لا تُقهرُ، إلقاءً للخشية في أعماق من تُسَوِّلُه نفسُه، من جوارهم، الوقوفَ بوجه عنجهيَّتهم، دون التحسُّب لِما يُخلِّفُه الضغط والظُلمُ من انفجار التوجُّسات الدفينة.
تنقلُ وسائلُ الإعلام أنَّ اتصالاتٍ تُجريها الإدارةُ الأميركيةُ مع المعارضة الإسرائيلية، بحثاً عن قيادةٍ إسرائيليةٍ جديدةٍ. وهذا يُؤشِّرُ، في حال ثُبوتها، إلى أنَّ نتنياهو قد استُنْفِذَ سياسيّاً، ودقَّت ساعةُ مُثوله أمام العدالة، ليتذوَّقَ مرارة السجن، التي أترعَ علقَمَها للسجناء الفلسطينيين واللُّبنانيين، بعد ثلاثة عُقودٍ من الغرور والإستعلاء. لقد أحدثت يومياتُ الحرب على إيران، زلزالاً هزَّ موقفَ الولايات المتحدة، مع حُلفائها قبل خصومها، ما حملَ إدارةَ الرئيس ترامب، على التذكير بخذلان إسرائيل له، بعد تراجُعها عن المُشاركة بعملية اغتيال قاسم سُليماني، قائد فيلق القدس. واستخلصَ الرئيسُ ترامب إلى أنَّ نتنياهو، برعونته المُتطرِّفة، نَحَرَ "السلامَ الإبراهيمي"، ولم يتورَّعْ عن التجسُّس على الشعب الأميركي، ولي نعمة إسرائيل، ما يستدعي ترحيلُه لصالح الإعتدال توطئةً للتسوية.
*سفير سابق