الاحداث- كتب سركيس نعوم في صحيفة النهار يقول:"يُراهن مُعارضو "الثنائيّة الشيعيّة"، سواء داخل المُكوِّن الشيعي أو المكوّنات الأخرى السُنيّة والدرزيّة والمسيحيّة، على أنّهم سينجحون في تحقيق خرق انتخابيّ مهمّ في الدوائر كلّها ولا سيّما إذا نجحت المساعي المبذولة من داخل ومن خارج في إعادة روح 14 آذار عند مكوّناتها كما في توحيد هيئات المجتمع المدني والهياكل الشعبيّة التي أنتجتها ثورة 17 تشرين الأول 2019. هل هذا الرهان في محلّه؟ يُجيب مُتابعو "#حزب الله" و"#حركة أمل" بالقول إنّ تحقيق مُعارضيهما خرقاً انتخابيّاً يتمثّل بخسارة "الثنائيّة" مرشّحاً أو اثنين أمرٌ ممكن الحصول. لكنّ الأكثر ترجيحاً من ذلك في رأيهم هو تدنّي التصويت الشيعي عن النسبة التي كانت ثابتة في كل الاستحقاقات الانتخابيّة. وهي تُراوح بين 45 و47 في المئة. أحياناً قليلة كانت تصل هذه النسبة إلى عتبة الـ50 في المئة. لهذا الانخفاض في نسبة التصويت مبرّرات منطقيّة ومعقولة، منها الوضع العام الصعب حياتيّاً واقتصاديّاً ونقديّاً وماليّاً، ومنها أيضاً قرف الناس من الفساد المستشري داخل الطوائف والمذاهب كلّها. وهذا أمرٌ قد يدفع ناخبي "الحزب" إلى التساؤل عن الأسباب التي دفعته إلى إعادة ترشيح النوّاب أنفسهم الذين مثّلوه في مجلس النوّاب الحالي المقتربة ولايته من الانتهاء، علماً بأنّ "حركة أمل" امتنعت عن إعادة ترشيح بضعة نوّاب وأحلّت مكانهم آخرين غير معروفين على الساحة السياسيّة. لكنّ هذا التغيير الجزئي الذي ينمُّ عن محاسبة جزئيّة لن يكون له تأثير كبير لأنّ "الحركة" أعادت ترشيح غالبيّة نوّابها في المجلس الحالي، وبطريقة جعلت لبنانيّين كثيرين شيعة وغير شيعة يظنّون أنّ الهدف من ذلك حمايتهم من ملاحقة القاضي طارق البيطار. طبعاً "يضيف المتابعون أنفسهم، إنّ اقتصار تدنّي نسبة الاقتراع على الشيعة يُمكن أن تكون آثاره سلبيّة على صعيد النتائج بعد إنجاز فرز الأصوات، إذا اقتصر عليهم ولم يصب أيضاً نسب الانتخاب داخل المكوّنات الأخرى أي السُنّة والدروز والمسيحيّين. وهذا أمرٌ مستحيل لأنّ معاناة أبناء كلّ هذه "الشعوب" من الأوضاع المتردّية على كلِّ صعيد موجودة عند أبنائها كلّهم. من شأن ذلك خفض نسبة الاقتراع في أوساط ناخبيها الأمر الذي يُعيد التوازن إلى نسبة التصويت بحيث لا ينعكس خفضاً وإن بسيطاً لنوّاب فريقٍ يستفيد منه فريقٌ آخر لاكتساب مقعد أو أكثر. علماً بأنّ برودة المعركة الانتخابيّة التي أوحت باحتمال تغيُّر أعداد النوّاب المُنتخبين والموازين، وأسبابها اعتقاد كثيرين أنّ الانتخابات لن تجري في موعدها، وستؤجّل لأسباب عدّة مثل الاعتقاد بأنّ هناك فريقاً أو أكثر يُعدّون لتأجيل الانتخابات لأنّه لا مصلحة لهم في نتائجها حاليّاً، أو مثل اضطرار السلطة ممثّلة بالحكومة إلى عدم إجراء الانتخابات نتيجة فوضى أمنيّة عارمة داخليّة تشمل البلاد كلّها. ومن شأن خفض نسبة الاقتراع عند جميع الأفرقاء القضاء على أمل تحقيق المعارضين لـ"الثنائيّة الشيعيّة" وحلفائها اختراقات تؤثّر على عدد مقاعد كل فريق.
طبعاً لا يعتقد المتابعون أنفسهم لحركة "الحزب والحركة" أنّ المناخ الانتخابي العام عند الشعب اللبناني أو الشعوب سيبقى على برودته الحاليّة. وهم يُرجّحون أن تعود الحماسة إليه بواسطة رفع الشعارات التي يختلف عليها اللبنانيّون، بل التي يمكن أن تُعيدهم إلى الحرب والتقاتل مثل الاستراتيجيا الدفاعيّة والحياد ودولة اللامركزيّة الموسّعة جدّاً وحتّى الدولة الفيديراليّة وربّما التقسيم إذا حميت الأجواء على نحوٍ مُقلق ومُخيف. في حالٍ كهذه فإنّ كلَّ فريقٍ سيشدّ عصب شعبه، ومن شأن ذلك إعادة نسبة الاقتراع إلى مستوياته العاديّة أي الجيّدة وإن متوسّطة، أو ربّما رفعها على نحوٍ محسوس.
ماذا عن رئاسة مجلس النوّاب بعد الانتخابات النيابيّة التي ستُجرى في الخامس عشر من شهر أيار المقبل؟ قد يتساءل البعض هنا عن طرح هذا الموضوع رغم علمه أنّ التحالفات القويّة على تناقض أطرافها ليست لها مواقف موحّدة من هذا الاستحقاق. فبعضهم يريد الحؤول دون عودة رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي إلى موقعه النيابي الذي أمضى فيه حتّى الآن نحو ثلاثة عقود تقريباً. وفي هؤلاء شيعة طامحون إلى احتلال هذا الموقع بتصويتٍ نيابيّ بعد التفويض الشعبي في الانتخابات. وهم قد لا يكونون إجمالاً على خلاف سياسيّ جوهريّ مع برّي وحليفه "حزب الله" لكنّهم يعرفون أنّ الأولويّة اليوم عند صاحبَي القرار الشيعي هي لإبقاء وحدة الصفّ الشيعي، ولمنع عودة الاقتتال الشيعي – الشيعي الذي حصل مرّة بين 1987 و1990، والذي يحرص الفريقان على منع تكراره تلافياً لخسارة معركة أو حربٍ قاداها منذ عقود وربّما صارت قريبة إلى ما يُشبه النهاية السعيدة سواء في لبنان وحتّى في المنطقة. وفي هؤلاء أيضاً جهات من مكوّنات أخرى صار بينها وبين برّي ما صنع الحداد. لكن في أيّ حال فإنّ أبواب البحث في تغيير رئيس مجلس النوّاب قد أُقفلت بعدما رشّح برّي نفسه لولاية نيابيّة وأخرى لرئاسة مجلس النوّاب. طبعاً ربّما حاول البعض أو يُحاول الإفادة من جوٍّ "فاتر" بين برّي وسوريا بشّار الأسد، وربّما حاول بعضٌ آخر أو يحاول تحريض سوريا هذه على برّي لوقوفه على الحياد في "الحرب الكونيّة" التي شنّها عليها الإرهابيّون الإسلاميّون مثل "داعش" و"القاعدة" و"النصرة" وأشباههم رغم أنّها كانت في حينه محتاجة إلى كلِّ مساعدة متوافرة. لكنّ المحاولات هذه سيكون مصيرها الفشل. ذلك أنّها تعتمد على اقتناع ضمني بأن سوريا، بعد انتهاء غالبيّة الحرب عليها وعلى نظامها لمصلحتها، لا بدّ ستعود إلى اهتمامها بلبنان ولا سيّما بعدما بدأت دولٌ عربيّة عدّة مهمّة قريبة وبعيدة نسبيّاً رحلة تعبيد طريق العودة السوريّة إلى جامعة الدول العربيّة وإلى نشاطاتها المتنوّعة في الأوساط العربيّة. لكنّها أي سوريا مقتنعة أيضاً بأنّها لم تعُد في حاجة إلى تكرار تجربتها السابقة غير الناجحة في لبنان التي انتهت باستشهاد رئيس حكومته رفيق الحريري وبإخراج مجلس الأمن بحضٍّ فرنسيّ – أميركيّ وتطنيش دول أخرى قوّاتها العسكريّة من لبنان عام 2005. وهي مقتنعة بقدرتها على الاعتماد على حليفها "حزب الله" في لبنان القادر على منع عودته إلى معاداة سوريا كما كانت الحال سابقاً. كما أنّها مقتنعة بأنّ تحالفها مع الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة وعلاقتها الوثيقة بروسيا سيجعلان "لبنان الجديد" غير معادٍ لها ولا سيّما إذا سارت الرياح الإقليميّة والدوليّة في اتّجاه إعادة النظر في الصيغة اللبنانيّة على نحوٍ يُعزِّز دور الفريق الإقليمي والمكوِّن الداخلي الذي "ربح" الحرب في المنطقة كما في لبنان. فهل يتعلّم اللبنانيّون، على تعدُّد شعوبهم، من الماضي الفاشل وحروبه المدمّرة للدولة بكلّ مؤسّساتها والقاضية على طموحات شعوبها، هل يتعلّمون ويتّخذون الحوار الموضوعي سبيلاً لحلّ خلافاتهم وإعادة بناء دولتهم؟