الاحداث- كتبت صحيفة "الأنباء" الالكترونية: في لحظة لبنانية دقيقة تتقاطع فيها التحديات الداخلية مع التصعيد الإقليمي، برزت مواقف سياسية واضحة للحزب التقدمي الاشتراكي تؤكد رفضه حروب الآخرين على أرض لبنان، وتشدد على أولوية الالتفاف حول الجيش اللبناني وتأييد قرارات الحكومة، والتمسك بالدولة ومؤسساتها الشرعية، انطلاقاً ممّا أرساه اتفاق الطائف، واحتضان أهالي الجنوب.
وقد عبّر عن هذه المواقف الرئيس وليد جنبلاط خلال الاجتماع الاستثنائي الموسّع في دار الطائفة الدرزية، فيما حملها رئيس الحزب النائب تيمور جنبلاط والوفد النيابي والحزبي المرافق في جولته على الرؤساء الثلاثة، وقوى سياسية.
وقال الرئيس وليد جنبلاط: "إذا استمرت المواجهات الدائرة، قد نصل إلى حرب عالمية ثالثة، وهي حرب نفوذ ومصالح، ولا نملك أي تأثير على مجريات تلك الأمور سوى التمسك بالوحدة الوطنية والتضامن والصبر والحوار الدائم".
وأضاف، خلال الجلسة الاستثنائية التي عقدت بدعوة من سماحة شيخ العقل الدكتور سامي أبي المنى، أن "لا مأوى لجميع اللبنانيين إلا لبنان الكبير الذي أرساه الانتداب الفرنسي آنذاك"، مشيراً إلى أنه، رغم الموازين الدولية، يقدّر موقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الرافض للعدوان.
وتابع جنبلاط: "لا لحروب الآخرين على أرضنا، فأهل الجنوب والضاحية وجميع اللبنانيين يدفعون ثمن قرارات أتت من إيران". وشدد على أن "تغيير اتفاق الطائف جريمة، ونحن متمسكون به ونسعى إلى استكمال تطبيقه"، لافتاً إلى أن هذا الموقف سمعه أيضاً من رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الجمهورية ورئيس الحكومة نواف سلام.
كما أكد التضامن مع اللبنانيين في كل المناطق في هذه المحنة، داعياً إلى تكثيف جهود الإغاثة والتواصل مع مختلف المرجعيات السياسية والدينية لتعزيز الصمود. وأعرب أيضاً عن تضامنه مع الدول العربية التي تتعرض للصواريخ، مؤكداً أنها ليست مسؤولة عن هذه الحرب.
وأيّد جنبلاط قرارات الحكومة، مشيراً إلى أن الشرعية اليوم تتميز بقراراتها حتى وإن تعذّر تنفيذ بعضها في الظروف الراهنة، وختم قائلاً: "المحنة كبيرة، لكن شعبنا كبير، وسنجتاز هذه المحنة".
جولة تيمور جنبلاط
بالتوازي، جاءت جولة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب تيمور جنبلاط والوفد المرافق على الرؤساء الثلاثة وقوى سياسية، لتؤكد التوجه السياسي نفسه. فلا يجتاز لبنان هذه المحنة من دون التمسّك بالوحدة الوطنية، والمرحلة تتطلّب التمسك باتفاق الطائف، والالتفاف حول الدولة اللبنانية ومؤسساتها، وفي مقدّمها الجيش اللبناني بوصفه الضامن الأساسي للاستقرار الوطني في ظل التحديات الأمنية المتزايدة.
ومن قصر بعبدا، قال جنبلاط إن الزيارة تأتي "تضامناً ودعماً في هذه المرحلة الصعبة والحساسة التي يمر بها لبنان"، موضحاً أن البحث تناول عدداً من النقاط الأساسية، أبرزها دعم ومساندة أهالي الجنوب الذين يدفعون مجدداً ثمن خيارات سياسية جرّت البلاد إلى صراعات خارجية، إضافة إلى التأكيد على ضرورة الحفاظ على اتفاق الطائف وتطبيقه كإطار ناظم للحياة السياسية في لبنان، وكذلك أهمية الدعم السياسي والمعنوي للجيش اللبناني.
وأكد جنبلاط أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون حصراً بيد الدولة اللبنانية.
وفي ختام جولته، زار النائب تيمور جنبلاط والوفد المرافق رئيس حزب الكتائب اللبنانية النائب سامي الجميّل في بيت الكتائب المركزي في الصيفي، حيث جرى عرض للأوضاع السياسية والأمنية في البلاد. وشدد المجتمعون على أهمية تمتين الوحدة الوطنية وتحييد لبنان عن صراعات المنطقة، والتعامل مع ملف النزوح من منطلق وطني وإنساني بما يجنّب البلاد أي توترات داخلية.
كما أكدوا ضرورة دعم الجيش اللبناني وتمكينه من القيام بدوره في حفظ الأمن والاستقرار في ظل الظروف الراهنة.
حراك دبلوماسي رسمي
وفي موازاة هذه التحركات السياسية الداخلية، تتواصل المساعي الدبلوماسية التي يقودها رئيس الجمهورية جوزاف عون لاحتواء التصعيد الإسرائيلي والتهديدات المتزايدة على الجبهة اللبنانية.
وفي هذا الإطار، أجرى الرئيس عون اتصالاً بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون طالب خلاله بتدخل باريس لدى المجتمع الدولي لوقف التهديدات الإسرائيلية المتصاعدة، ولا سيما تلك التي أطلقها وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بقصف الضاحية الجنوبية لبيروت وتدميرها على غرار ما جرى في خان يونس، وهي تهديدات أدت إلى نزوح آلاف المواطنين من منازلهم.
وتأتي هذه الاتصالات في ظل قلق لبناني متزايد من احتمال توسع العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد لبنان، خصوصاً مع تصاعد الخطاب السياسي والعسكري بين إيران وإسرائيل، وتزايد المؤشرات إلى احتمال توسع الحرب، لا سيما بعد بدء عمليات برية تطال قرى الجنوب.
وفي هذا السياق، تعمل الرئاسة اللبنانية بالتنسيق مع عدد من العواصم الدولية لمنع تنفيذ التهديدات الإسرائيلية، والتأكيد على ضرورة حماية المدنيين والبنية التحتية اللبنانية من أي استهداف واسع.
المشهد الإقليمي
أما على المستوى الإقليمي، فتتواصل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، وسط تصعيد عسكري يمتد من الخليج إلى شرق المتوسط. وتشير المعطيات الميدانية إلى استمرار الضربات الجوية والصاروخية المتبادلة، مع تركيز العمليات على البنى العسكرية واللوجستية المرتبطة بالقوى المتحالفة مع طهران في عدة ساحات.
وفي ظل هذا المشهد الإقليمي المضطرب، تبدو الساحة اللبنانية أمام محنة صعبة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والوطنية. فالتحدي الأساسي يتمثل في الحد من تداعيات الحرب الدائرة في المنطقة على لبنان والحفاظ على الاستقرار الداخلي، عبر تعزيز الالتفاف حول الدولة ومؤسساتها الشرعية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني، وتحصين الجبهة الداخلية في مواجهة الأخطار