الاحداث- كتب فيكتور الزمتر*
لم يُولدْ "النظامُ الدولي" بقُدرة قادرٍ، بل وليدَ صراع البشر الغريزي الدموي، عبر قرونٍ، بين القوى المُهيمنة وتلك الصاعدة، بحيثُ تُرسى ركائزُ النظام الجديد، في ردهات المفاوضات، ودائماً وِفق أهواء ومصالح المُنتصر الأقوى.
يُجمعُ عِلمُ السياسة، على أنَّ "معاهدةَ وستفاليا"، عام 1648، التي أنهت حرب الثلاثين عاماً الدينية، شكَّلت إيذاناً بقيام نظامٍ دوليٍّ، قائمٍ على مبدأ سيادة الدولة القومية، وعدم التدخُّل بالشؤون الداخلية. وبالرُّغم من فشل "صلح وستفاليا"، في إطفاء النزاعات الأوروبية، فقد أسهمَ في تقليص نفوذ الكنيسة، وفي أُفول القوى الأمبراطورية.
اللُّبنةُ الثانيةُ في تطوير النظام الدولي، أرساها "مؤتمرُ فيينا"، عام 1815، بدعمه التوازُنَ بين القوى الأوروبية، وإنهاء صراعاتها بعد اندلاع "الثورة الفرنسية"، عام 1789، وما تلاها من حروب نابوليون بونابرت التوسُّعية. وفي تأكيدهم على أُسُس "معاهدة وستفاليا"، أعادَ المُنتصرون فرنسا إلى حدودها الدولية، كما أعادوا أنظمةَ الدول التقليدية، التي كانت سائدةً قبل الثورة الفرنسية.
بعد ذلك، تعدَّدت المؤتمرات والمعاهدات، بتعدُّد الصراعات، مُشرِّعةً مكاسبَ القوي المُنتصر، على حساب الخاسر، كحال "معاهدة فرانكفورت"، التي وُقِّعت في 10 مايو 1871، بعد انتصار بروسيا بسمارك، على فرنسا نابوليون الثالث، وإرغام فرنسا على التنازُل لألمانيا، عن معظم "الألزاس" وبعض أجزاء "اللّورين". أخلَّ تشريعُ أطماع المُنتصر، بمضامين "مؤتمر فيينا"، عام 1815، وزرعَ بُذور "الحرب العُظمى"، 1914- 1918، وأربكَ موازين القوى الأوروبية، مع إصرار فرنسا على استعادة مقاطعتَي "الألزاس واللّورين"، الأمرُ الذي فرضَته "معاهدة فرسايل"، يوم 28 حزيران 1919.
وأُعيدتُ الكرَّةُ، في الحرب العالمية الثانية، 1939- 1945، مع استرجاع ألمانيا المنتصرة، لمقاطعتَي "الألزاس واللُّورين"، في مطالع الحرب، قبل أنْ يفرضَ الحلفاءُ المنتصرون، على ألمانيا، إعادةَ المقاطعتَين إلى فرنسا. والحالُ تكرَّرَ أيضاً مع حصص المُنتصرَين الرئيسيَّين، الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتي، في تشريع مغانمهما من الحرب، على حساب ألمانيا وأوروبا الشرقية واليابان..
ويشهدُ عالمُ اليوم، تكرارَ سيناريو غلبة القوي على الضعيف، بدليل تغييب "منظمة الأُمم المتحدة"، وتهميش دورها في السهر على السلم والأمن الدوليَّين، لصالح القوى المُهيمنة.
فالحربُ الروسيةُ الأوكرانيةُ، تتعدَّى مستقبلَ أوكرانيا وحدها، لتطالَ قواعدَ النظام الأوروبي، القائم على أنقاض الحرب العالمية الثانية، بما في ذلك ما طرأَ عليه من تعديلاتٍ، في أعقاب تفكُّك الإتحاد السوفياتي. فبقدر تمسُّكِ أوروبا، بما أفضت إليه "الحربُ الباردةُ"، بقدر ما تشعرُ روسيا بهشاشة أمنها، وبانكشاف موقعها الإستراتيجي، مع تمدُّد "الحلف الأطلسي" إلى حواضرها.
وهذا ما يُفسِّرُ إقدام روسيا، على ضمّ "شبه جزيرة القرم"، عام 2014، وعلى سعيها، لضمِّ منطقة الـ"Donbass"، جنوب شرق أوكرانيا، بحجَّة حماية غالبية سكانها الروس. فتخوُّفُ أوروبا من استخدام السلاح، لإعادة رسم الحدود، يوازيه تخوُّفُ روسيا من الزحف الجيوسياسي إلى أسوار "الكرملين". فكان أحرى إعمالُ الحكمة، لطمأنة الهواجس الروسية المُعتَبَرة، قبل الدفع بتوسيع الحلف الأطلسي شرقاً!
وهكذا، يفرضُ الصراعُ على الحدود، جغرافيةً كانت أو أمنيةً، ضرورةَ إعادة النظر بركائز "النظام الدولي"، بالإحترام المُتبادل لسيادة الدول ولمصالحها، وبطمأنة الهواجس، لا بإثارتها وتعميقها. فقد آنَ الأوانُ للقوى المُقتدِرة، أنْ تُدركَ بأنَّ السلامَ لا يستقيمُ، إنْ لم يُرسَ على قواعد العدل، لا على الثأر والإستقواء، وعلى تعميق الثقة وتبديد الشكوك، لا بالإنتقام والإستبعاد.
المُؤسفُ أنَّ النظامَ الدولي، هو صورةٌ عن تبدُّل موازين القوى، تغليباً لمنطق الإستقواء، لا الإستيعاب. فتجاهُل الهواجس الأمنية، يقودُ إلى إعادة رسم الخرائط بالقوَّة، ما يفتحُ البابَ أمام تناسُل الصراعات. فالصراعُ الروسي الأوروبي، حول أوكرانيا، وهو أحدُ إفرازات الإنشقاق الكنسي، مُثقلٌ بمخلَّفات "الحرب الباردة"، ولا ينتهي بمكاسب الإتحاد السوفياتي الحدودية، بعد الحرب العالمية الثانية. وبعضُ الألسن الخبيثة، تغمزُ من قناة الحسد الأوروبي، من مساحة روسيا الشاسعة، ومن مواردها وثرواتها الدفينة، ما ينطوي على حُلم الغرب بتفكيك الإتحاد الروسي.
إلّا أنَّ خطورةَ هذا الصراع، تكمنُ بتمدُّده إلى "جيب كالينغراد"، مسمارُ جحا الروسي، في وسط أوروبا الغربية، واستطراداً إلى "ممرّ سوالكي Sualki" ، الرابط بين بولندا وليتوانيا.فبعد تعميم الهواجس، بنوايا غزوٍ روسيٍّ مُحتملٍ، أعلنت أوروبا ما يُشبه النفيرَ العام، لِتُضاعفَ موازناتَ الدفاع، وتحفرَ الخنادقَ، وتزيدَ عديدُ الجيوش.. وكأنَّ الحربّ على الأبواب.
إنَّ تَوسُّعَ الجدل أخيراً حول "ممرِّ سوالكي" جعلَه أكثرَ النُقاط حساسيةً وتوتراً، في الصراع بين حلف الـ"NATO" وروسيا. فالممرُّ عبارةٌ عن طريقٍ ضيِّقٍ، بطول مئة وأربعة كيلومترات، لكنَّ أهميَّتَه تكمنُ بكونه الرابط البريّ الوحيد، بين بولندا ودول البلطيق الثلاثة، وتحدُّه بيلاروسيا من الشرق، و"جيب كالينينغراد" الروسي من الغرب.
فالغربُ، ربطاً بتفاقُم الحرب الأوكرانية، يخشى من توغُّلٍ روسيٍّ وشيكٍ ومحدودٍ، في هذا الممرّ، لاختبار مصداقية "المادة الخامسة"، من ميثاق الحلف الأطلسي، التي تفترضُ الدفاعَ الجماعي. لكنَّ الحلفَ نفسَه لا يرى مؤشّراتٍ على ذلك. وبدورها، فسَّرت موسكو إجراءاتَ الحلف الإحترازيةَ، مؤشِّراً على مخطَّطٍ أطلسيٍّ، لعزل "جيب كالينغراد"، ما استوجبَ إصدارَ التهديد الروسي بالسلاح النووي. هذا التوازي بالتوجُّس، يعكسُ عُمقَ انعدام الثقة، بين الغرب وروسيا، ما يُوجبُ تحوُّطَ كلٍّ منهما، لإبقاء الإصبع على الزناد، مع ما في ذلك من مخاطرُ انفلات العصب المشدود، في ساعةٍ لا تنفعُ معها كلمةُ "يا ليت".
*سفير سابق