الاحداث- كتب فارس خشان في صحيفة النهار العربي يقول:"يعتقد رئيس "التيّار الوطني الحر" جبران باسيل أنّ زمن رفع العقوبات الأميركيّة المفروضة عليه قد حان، إذ إنّه يعِد نفسه، وفق "التلميحات" التي تلقاها خلال مرحلة التفاوض على اتفاق الترسيم البحري مع إسرائيل، بأن تسقط هذه العقوبات المفروضة عليه، وفق قوانين مكافحة الفساد الأميركيّة، في شهر كانون الثاني/ يناير المقبل.
وهو مهّد لهذا "الإجراء" الذي يمني النفس به، بتوجيه رسالة الى واشنطن بأنّ علاقته مع "حزب الله" ليست علاقة تبعيّة بل هي علاقة "براغماتيّة"، وبالتالي فهو قادر على فكّ التحالف معه، حين تتعارض "مبادئه" كطرف سياسي "مستقل" مع "أجندة" هذا الحزب.
ولا تنفي أوساط على علاقة وثيقة بباسيل هذه المعلومات، لا بل هي تشدّد على أنّ العقوبات التي كانت قد فرضتها واشنطن على رئيس" التيّار الوطني الحر" بسبب التصاقه ب"حزب الله" سوف تسقطها عند "ثبوت استقلاليّته"، وتقول:" على فرض أنّ جبران باسيل فاسد فهل هو الفاسد الوحيد في لبنان، وتاليًا لماذا فرضت العقوبات الأميركية عليه وحده، في إطار قانون ماغنيتسكي، ولم تشمل غيره؟".
وعليه، لا تستبعد أوساط معارضة أن يكون هناك توافق مسكوت عنه بين باسيل و"حزب الله" على هذا السيناريو، إذ إنّه سبق للأمين العام لـ "حزب الله" حسن نصرالله، وعند تطرقه علنًا الى موضوع العقوبات الأميركية التي استهدفت باسيل، أن أعطاه حريّة المناورة من أجل " ردّ الضيم عنه".
وفي إطلالة له على قناة "المنار" التابعة له، في الحادي عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، كشف نصرالله أنّه قال لباسيل: "علاقتنا معكم فيها صداقة ومودة، ونحن نتفهم أي موقف ستتخذونه، واذا كنا قادرين على المساعدة فلن نتأخر".
ولكنّ باسيل انتظر مفاوضات ترسيم الحدود البحريّة مع إسرائيل وحلول موعد الإستحقاق الرئاسي، حتى ذهب إلى حيث يستطيع "حزب الله" المساعدة، أي زعم الإختلاف السياسي مع خيارات "التيّار الوطني الحر".
وهذا السلوك السياسي ليس غريبًا عن باسيل، فهو في فترة التسويق لرئاسة العماد ميشال عون، كان في مجالسه المغلقة، يؤكّد لقيادتي "تيّار المستقبل" و"القوات اللبنانيّة" على أنّ والد زوجته مصرّ على إعادة التموضع، فهو، وإن كان سوف يحافظ على علاقته الوطيدة ب"حزب الله" إلّا أنّه سوف يكون، في المفاصل الأساسيّة، إلى جانب سيادة لبنان واستقلاله وسيمنع إلحاقه بالمحور الإيراني.
ووفق ما اتضح لاحقًا، فإنّ "حزب الله" كان في صورة "تعهّدات" باسيل وعون، لا بل أجازها، من أجل تذليل العقبات التي كانت تحول، حينها دون وصوله الى القصر الجمهوري.
وفي انتظار "إعادة التأهيل " أميركيًّا، من خلال نظريّة الرفع الإداري للعقوبات، يعمل "التيّار الوطني الحر" على حرق جميع المرشحين المنافسين الذين يمكن أن يمرّوا في الداخل أو في الخارج، يتقدّمهم بطبيعة الحال، سليمان فرنجيّة، الخيار المعلن لـ "حزب الله"، وقائد "الجيش اللبناني" العماد جوزف عون الذي لا يرفع بوجهه أيّ طرف "فيتو" صريح، في وقت يسعى الى تسويق هادئ لباسيل نفسه من خلال رفع شعار: نريد رئيسًا للجمهوريّة، يكون، في آن، صديقًا ل"المقاومة" ومنفتحًا على الخارج.
ولكن هل يحقق هذا الشعار التسويقي حاجة لبنان الإنقاذيّة؟
نظريًّا، هذا شعار متوازن، إذ يضع حاجة لبنان الى الاستقرار على مسافة واحدة مع حاجة لبنان الى الإنقاذ، ولكنّه واقعًّا، شعار "خلّبي" وبلا مضمون!
وقد أثبتت التجارب، على اختلافها وكثرتها، أنّ لا قيمة تُذكر لهذا النوع من الشعارات، إذ إنّ جميع من صنّفهم "حزب الله" في خانة الأصدقاء لم يتمكّنوا من المحافظة على انفتاحهم على الخارج، بل وجدوا أنفسهم ملحقين بمحور يعزل لبنان، وهذه هي الحال التي وصل إليها لبنان خلال ولاية الرئيس ميشال عون وقبله خلال ولاية الرئيس أميل لحود، ولم يتجنّب لبنان هذه العزلة إلّا مع الرئيس ميشال سليمان الذي أخرجه "حزب الله" من خانة أصدقائه، بمجرّد أن أصرّ على المحافظة على الإنفتاح على الخارج.
ولا يرضى "حزب الله" بأن يكون الرؤساء منفتحين على الخارج، لأنّه، عندما تدق ساعة الإستحقاقات، يريد منهم أن ينفّذوا "اجندته" التي تتعارض مع سياسة الإنفتاح على الخارج، على اعتبار أنّ لبنان، من وجهة نظر هذا الحزب المسلّح، ليس سوى "العمق الإستراتيجي للجمهوريّة الإسلاميّة في إيران".
ومهما صيغت أخبار حول اللقاء "الخاطف" الذي عقده ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، على بعد دقائق على مغادرته الرياض حيث شارك في القمة الصينيّة-العربيّة، فإنّ فحوى اللقاء بيّن استحالة أن يكون المسؤول في لبنان صديقًا ل"حزب الله" ومنفتحًا على الخارج، في آن، طالما أنّ "حزب الله" لم يُغيّر سلوكه ولم يعمل على رفع نفسه عن لوائح الإرهاب الخليجيّة، بالتحديد.
ولا يبدو أنّ حاملي هذا الشعار التسويقي يلتفتون بعناية الى ما لم يعد "حزب الله" يخفيه مطلقًا، وها هو نائب أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، في كلمة ألقاها أوّل من أمس، يقول بالحرف:" إنّ الشعب اللبناني لن يعود، مرة أخرى، ليكون تحت عباءة الأمم المتحدة أو أمريكا أو الغرب، لأن هؤلاء جميعا انحازوا وكانوا السبب المباشر للاحتلال الإسرائيلي".
وهذا كلام لا يحتاج الى كثير من الجهد التفسيري، فصديق "المقاومة" يجب أن يكون منغلقًا على الشرعيّة الدوليّة التي تمثّلها "الأمم المتّحدة".
ولعلّ كلام الشيخ قاسم هذا يفسّر وحده لماذا أكثريّة الطبقة السياسيّة المعروفة بثرثراتها تبقى صامتة عندما يدعو البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي الى "تدويل الحل في لبنان". وحدهم أصدقاء "حزب الله" يرفعون الصوت رافضين طلب الراعي، يتقدّمهم "التيّار الوطني الحر" الذي يظن، على الرغم من تجربة مؤسّسه ميشال عون الرئاسيّة الفاشلة جدًّا، أنّه قادر على أن يلدغ اللبنانيّين من الجحر نفسه، مرتين.