الاحداث- كتب عقل العويط في صحيفة النهار يقول:"راجت في الفترة التي رافقت الانسحاب الأميركيّ المهين من أفغانستان، وتلته، عبارة "المتغطّي بالأمريكان عريان" الشهيرة، التي نسبها وزير الخارجيّة المصريّ أحمد أبو الغيط، آنذاك، خلال العام 2014، إلى الرئيس المصريّ المخلوع حسني مبارك، بعدما تخلّى عنه الأميركيّون.
هذه فرصةٌ – عِبرةٌ (!) إضافيّة جديدة لتذكير كلّ مَن يهوى من اللبنانيّين التغطّي بآخر، والاحتماء به، والتزلّم له، وتمريغ جبينه بصبّاطه، أكان هذا الآخر إسرائيليًّا أم أميركيًّا أم فرنسيًّا أم روسيًّا أم سعوديًّا أم قطريًّا أم فلسطينيًّا أم سوريًّا أم إيرانيًّا، بأنّ ذلك عيبٌ وحرامٌ وخساسةٌ ودناءةٌ وحقارةٌ وانعدامُ شرفٍ وعمالةٌ و... خيانةٌ عظمى.
ينبغي التبصّر جيّدًا في هذه الحكمة، التي كم نحتاج إليها في مثل هذه الأيّام الوجوديّة الخطيرة، حيث التغطّي بالأخرين، وخصوصًا الآن السوريّين والإيرانيّين، يصل إلى ذرى غير مسبوقة، تذكّر بذرى الارتماء في أحضان الصهيونيّة. وإذا كان التذكير ينفع، فيجب استذكار كلّ النتائج الوخيمة التي استجرّتها جرائمُ التغطّي بالآخرين، ليس على الأطراف المتغطّين فحسب، بل على الجميع بلا استثناء، وعلى لبنان – كدولةٍ مستقلّةٍ حرّةٍ ذات سيادة – خصوصًا.
المتغطّي بآخر يستفيد من التغطّي، فيحصل على "امتيازات" كثيرة، ليس أقلّها الأمن الذاتيّ، ولا فرض الضرائب والخوّات وجبايتها، ولا نيترات الأمونيوم، ولا البنزين، ولا الاستكبار، ولا النهب، ولا تعميم الفساد، ولا الاغتناء، ولا التعدّي على الكرامات، ولا الوصاية، ولا الاحتلال، ولا أيضًا "التشرّف" بحصوله على الأكثريّات النيابيّة والوزاريّة، ولا ركوب الكراسي، ولا تسنّم المناصب، ولا الرئاسات.
في مقدور المرء إذا كان عاقلًا وحكيمًا وبعيد النظر ورحبًا، أي إذا كان يسترشد بالعقل والحكمة وبعد النظر والرحابة النقديّة، ويتحصّن بها دون سواها، أنْ يحصي، ويوثّق، ويؤرّخ، الأشخاص والمسؤولين والحكّام والرؤساء والأطراف والأحزاب والطوائف والمذاهب الذين تغطّوا بآخرين، و"الامتيازات" التي حظوا بها. لكن ينبغي له في الآن نفسه (مسترشدًا بالعقل والحكمة وبعد النظر والرحابة النقديّة ومتحصّنًا بها دون سواها)، أنْ يحصي، ويوثّق، ويؤرّخ، صنوف الدمار والخراب والتخلّف والانحطاط، وألوان الكوارث والنوائب والمآسي والفواجع، التي نجمت عن "تجارب التغطّي" بالآخرين، في مراحلها كافّةً، والتي نشهد على فصولها التدميريّة المتلاحقة، وآخرها هذا التغطّي الإسفافيّ المقيت بالنظامَين السوريّ والإيرانيّ، من خلال فرض مترتّباته الوجوديّة والكيانيّة والجيوسياسيّة والدستوريّة والسياسيّة (واستحقاقاته النيابيّة والوزاريّة و... الرئاسيّة) بقوّة الأمر الواقع، وسلاحه.
ليس مطلوبًا من الكلمة، وأقصد الرأي والموقف، أي الأدب خصوصًا (والفنون عمومًا) – مهما كان عظيمًا ورؤيويًّا واجتراحيًّا – أنْ يتعاظم على مأساة وكارثة وفجيعة، ولا أحيانًا أنْ يجترح، أو ينوب. شرفُهُ الجوهريّ – إلى كونه كلمةً وأدبًا - أنْ يشهد بكرامة، وأنْ لا "يتغطّى" بأحد، وأنْ لا يمسّح جوخًا لأحد، وأنْ لا يتمسّح بأحد، وأنْ لا يمالئ أحدًا، وأنْ لا يلحس حذاء أحد، أو يستجير بثوب أحد، من أجل شهرةٍ أو حفنةٍ من مال، وسوى ذلك من "امتيازات".
المتغطّي بآخرين عريان. أيّا يكن هذا المتغطّي، وأيًّا يكن ما يتنطّح إليه.
قد يكون تعيير "المتغطّي" بأنّه "عريان"، مفيدًا في هذه اللحظات اللبنانيّة الوجوديّة الأشدّ خطورةً. التذكير بالعري المُذِلّ مفيد، بل هو عِبرةٌ مهمّة للعقل والحكمة، لكنّ الاكتفاء بهما... لا يكفي.