Search Icon

الفخ: تخشى السلطة مواجهة "حزب الله" فتسلّمه لبنان

منذ 46 دقيقة

من الصحف

الفخ: تخشى السلطة مواجهة حزب الله فتسلّمه لبنان

الاحداث- كتب فارس خشان في صحيفة النهار يقول:"السلطة اللبنانية اليوم أمام امتحان لم تعد تملك ترف تأجيله؛ فالمسألة لم تعد مسألة سلاح «حزب الله» وحسب، ولا مجرد خلاف على آلية نزع السلاح، بل باتت تتعلق بقدرة الدولة نفسها على اتخاذ قرار مستقل وتنفيذه. 

 

وفي هذا الامتحان، يبدو أن الخوف من «حزب الله» يدفع السلطة إلى السلوك الذي قد يقودها، في النهاية، إلى الوقوع في الفخ الذي نصبه الحزب منذ سنوات: دولة تتردد في مواجهته، ثم تجد نفسها عاجزة عن إقناع الخارج بأنها قادرة على ممارسة سيادتها.

والرسائل الأميركية والإسرائيلية الأخيرة تكشف أن هذا المسار بدأ يأخذ شكلاً أكثر وضوحاً. فالجانب الأميركي يلوّح بفتح باب التفاوض المباشر مع «حزب الله»، بعدما كان التعاطي مع الملف اللبناني يمر أساساً عبر الدولة ومؤسساتها. والسفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى قال بوضوح إن واشنطنمستعدة للتفاوض مع الحزب إذا كان لديه «شيء يقدمه»، في وقت يؤكد فيه أن السلاح يجب أن يكون حصراً في يد الدولة.

هذه الرسالة تحمل في طياتها ضغطاً على السلطة اللبنانية أكثر مما تحمل مجرد انفتاح على الحزب. فالمعنى السياسي لها أن واشنطن لن تبقى بالضرورة أسيرة القنوات الرسمية اللبنانية إذا لم تجد لدى هذه القنوات القدرة على إنتاج حل فعلي لملف السلاح.

والأخطر هو التلويح بإعادة الملف اللبناني إلى إيران. فإذا وصلت واشنطن إلى استنتاج أن الدولة اللبنانية غير قادرة على حسم علاقتها بـ«حزب الله»، فإن الانتقال من التفاوض مع بيروت إلى البحث عن تفاهم مع الحزب أو مع مرجعيته الإيرانية يصبح احتمالاً مطروحاً. وعندها لا يعود الأمر متعلقاً بالسلاح فقط، بل يدخل مباشرة في بنية النظام اللبناني الهش، بما يعنيه ذلك من أثمان سياسية قد تدفعها القوى والمؤسسات التي يفترض أنها تمثل الدولة.

هنا تحديداً يظهر خطر الوقوع في الفخ. فالسلطة التي تخشى المواجهة مع «حزب الله» قد تعتقد أن إبقاء قنوات التنسيق مفتوحة، وتأجيل المواجهة، والبحث عن تسويات تدريجية، يحمي الاستقرار الداخلي. لكن الرسالة الأميركية تبدو مختلفة: عدم تنفيذ ما تعهدت به الدولة قد يؤدي إلى فقدانها احتكار الملف لمصلحة قنوات أخرى.

 

الرسالة الإسرائيلية الخطرة


في الجهة المقابلة، تأتي الرسالة الإسرائيلية أكثر قسوة. إسرائيل أبلغت واشنطن أن تجربة «المنطقة النموذجية» الأولى في جنوب لبنان فشلت، وأن الجيش اللبناني لم ينفذ المهمة التي كان يفترض أن تشكل أساساً للانسحاب الإسرائيلي التدريجي.

وبحسب الرواية الإسرائيلية، فإن الجيش اللبناني حصل على إحداثيات لمواقع تابعة لـ«حزب الله»، لكنه لم يتعامل معها كما هو مطلوب، بل طلب مزيداً من المعلومات من دون أن ينفذ الإجراءات اللازمة. وتذهب التقييمات الإسرائيلية إلى أن الجيش يتجنب الدخول في مواجهة مع الحزب، وأن هناك تنسيقاً سياسياً وعسكرياً معه.

وهنا لا تعود المسألة، في المنظور الإسرائيلي، مجرد ضعف في القدرات العسكرية أو نقص في المعلومات. إسرائيل تريد أن تقول لواشنطن إن المشكلة في الإرادة والقرار. أي أن الجيش اللبناني، وفق الرواية الإسرائيلية، يعرف أين توجد البنية العسكرية لـ«حزب الله»، لكنه لا يريد أو لا يستطيع الدخول في مواجهة معها.

أما واشنطن، فتدفع في الاتجاه السياسي نفسه: السلاح يجب أن يكون بيد الدولة، والمفاوضات مع إسرائيل يجب أن تستمر، والضربات الإسرائيلية يجب أن تتوقف أو تخف، لكن على «حزب الله» أيضاً أن يقدم شيئاً ملموساً في ملف السلاح.

وهنا تصبح السلطة اللبنانية أمام معادلة شديدة الخطورة. إذا واجهت «حزب الله» بقوة، تخشى انفجاراً داخلياً. وإذا لم تواجهه، فإنها تخاطر بأن تفقد ثقة الأميركيين والإسرائيليين بقدرتها على تنفيذ التزاماتها، وبأن يصبح الحزب نفسه هو الطرف الذي يجب التفاوض معه مباشرة، وينال ما يرغب به من مطالب داخل بنية النظام، ما يثير غضب المجموعات اللبنانية الأخرى التي ستجد نفسها تدفع الثمن مجدداً! أي أن الخوف من مواجهة الحزب قد يؤدي إلى النتيجة التي يفترض أن السلطة تحاول تفاديها.

فبدلاً من أن يكون «حزب الله» مشكلة داخل الدولة، يصبح هو الطرف الذي لا يمكن حل المشكلة من دونه. وبدلاً من أن يكون السلاح ملفاً لبنانياً داخلياً، يصبح موضوعاً على طاولة تفاوض أميركية ـ إيرانية أو أميركية ـ "حزب الله". وبدلاً من أن تكون الدولة هي صاحبة القرار في الجنوب، يصبح “حزب الله” هو صاحب القرار على امتداد لبنان.

وهذا هو جوهر الفخ. «حزب الله» لا يحتاج إلى إسقاط السلطة اللبنانية كي يحافظ على نفوذه. يكفي أن يلوّح بجعل كلفة مواجهته مرتفعة إلى الحد الذي يدفع السلطة إلى التراجع، ثم يجعل هذا التراجع دليلاً إضافياً إلى أنه قوة لا يمكن تجاوزها.

والنتيجة أن السلطة، كلما خافت من الحزب أكثر، وجدت نفسها مضطرة إلى التنسيق معه أكثر، وكلما نسقت معه، زادت الشكوك الخارجية في استقلال قرارها، وكلما زادت الشكوك، ارتفع احتمال أن تتجاوزها واشنطن وتذهب مباشرة إلى الطرف الذي تعتبره صاحب التأثير الحقيقي.

هذه ليست مجرد أزمة سلاح. هي معركة على من يملك القرار اللبناني.