الاحداث- كتبت صحيفة "الجمهورية": لا تصعب على من يتتبع مجريات الحركة الداخليّة، وما يدور في الكواليس السياسيّة والديبلوماسيّة حول الانتخابات النابية، الاستنتاج بأنّها تدور كلها حول "فخ منصوب" للاستحقاق النيابي، لتطيير الانتخابات ومنع إجرائها في الموعد المقرّر في العاشر من شهر ايار المقبل، وبالتالي فرض التمديد للمجلس النيابي الحالي امراً واقعاً. واما التبريرات التي تُساق إزاء هذا الامر، فهي فاقعة في صراحتها، وتحدّد بصورة واضحة السبب الموجب للتعطيل والتمديد، الذي يتلخّص في انتظار التطوّرات الإقليمية وما ستفرزه الحرب الأميركية - الإيرانية من وقائع ومتغيّرات ربما تكون جذرية وانقلابية في بعض ساحات المنطقة الواقعة جميعها على خط النار.
إجراء موقت
الحدث اللافت داخلياً، كان إجلاء السفارة الأميركية في بيروت عبر مطار بيروت لعشرات من موظفيها، ما أثار علامات استفهام حول توقيت هذه الخطوة، فيما نقل موقع "إكسيوس" الأميركي عن مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية تأكيده "انّ الخارجية أمرت بمغادرة الموظفين غير الأساسيين في حكومة الولايات المتحدة وأفراد أسرهم من سفارة الولايات المتحدة في بيروت". واشار إلى انّ هذا الإجراء موقت يهدف إلى ضمان سلامة موظفينا"، موضحاً "أننا نقوم بتقييم البيئة الأمنية بشكل مستمر، وبناءً على أحدث مراجعة أجريناها، رأينا أنّ من الحكمة تقليص وجودنا ليقتصر على الموظفين الأساسيين".
الفخ الانتخابي
سياسياً، المناخ العام يشهد تراكماً مريباً لعلامات الاستفهام حول مصير الاستحقاق الانتخابي، والتقديرات التي تتساقط بشكل متسارع من الداخل والخارج التي تروّج لتعطيل الانتخابات وتحاول أن تزرع في أذهان اللبنانية حتمية التمديد للمجلس النيابي الحالي لسنة او اثنتين او ربما اكثر.
السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: هل سيقع اللبنانيون في هذا الفخ؟ وهل في مقدورهم إن قرّروا الإفلات من هذا الفخ، أن يعاكسوا إرادة التعطيل؟
تشي الأجواء السائدة على خط الاستحقاق الانتخابي أنّ اجراء الإنتخابات في موعدها، وعدمه يقعان حالياً على بعدٍ متساوٍ، ولكن مع غلبة إعلامية ملحوظة لمنطق التعطيل، الذي نجح في إحاطة الاستحقاق بشكوك جدّية ومقاربة إجراء الانتخابات كاحتمال ضعيف، وخصوصاً بعدما تبدّى جلياً، والكلام هنا لمسؤول كبير "انّ الفخ الانتخابي تتضافر في نصبه إرادة مشتركة بين الداخل والخارج، لها جمهورها السيادي والتغييري، وجرى التعبير عن هذه الإرادة في محاولة سفراء "اللجنة الخماسية" العبور إلى التمديد للمجلس الحالي، من الأبواب الداخلية الرسمية والسياسية، ويبدو جلياً انّها اصطدمت بباب رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي صدّ هذه المحاولة برفضه تأجيل الانتخابات لأسباب تقنية او غير ذلك، او التمديد للمجلس الحالي، وتأكيده على المضي فيها وإجرائها في موعدها.
على انّ هذه المحاولة الفاشلة للجنة الخماسية، قد لا تكون الاخيرة، كما يقول المسؤول عينه، حيث تبرز الخشية من انّ الفترة الفاصلة عن موعد الانتخابات في 10 ايار، محاولات أخرى، كمثل إثارة إشكالات، واشتباكات سياسية تحت عناوين مختلفة، وربما إرباكات غير محسوبة تربط الانتخابات بصاعق المغتربين، تحول دون إجراء الانتخابات في موعدها، وتضع البلاد امام خيار من اثنين، اما الفراغ النيابي او التمديد للمجلس".
واللافت أمام ما كشفه بري حول مفاتحته من قبل سفراء الخماسية وبصورة صريحة، بأنّهم يحبّذون تأجيل الانتخابات، هو الصمت الداخلي المطبق حيال هذا الامر من قبل المكونات المعنية بالملف الانتخابي، والتي ملأت الإعلام والشاشات بمواقف الحرص على الانتخابات وإجرائها في موعدها. ما خلا ما تناقلته بعض المعلومات حول مآخذ أُبديت في مجالس بعض السياسيين وكبار المسؤولين، تخفف من وطأة ما طرحه سفراء الخماسية، ونقل عن أحد المسؤولين امتعاضه من تسويق التأجيل للانتخابات، كون هذا التأجيل يشكّل ضربة معنوية بالغة القساوة لعهد الرئيس جوزاف عون.
سبب التأجيل
وفي غياب السبب العلني السياسي والتقني المقنع لتأجيل الانتخابات، تزدحم الصالونات السياسية بروايات وأحاديث تأجيلية، بعضها يردّ السبب إلى انّ "خماسية التأجيل" طرحته ريثما تتبلور صورة المنطقة وما ستفرزه من متغيّرات، وبعدها تجري الانتخابات في ظروف افضل، فيما ردّ البعض الآخر السبب إلى انّ هناك إرادة خارجية بقطع الطريق امام عودة تيار "المستقبل" إلى الحياة السياسية والنيابية، وذهب بعض ثالث إلى ردّ السبب إلى انّ خريطة المجلس النيابي الحالية قد تشهد مع الانتخابات خللًا في التوازن، لمصلحة ثنائي حركة "امل" و"حزب الله" وحلفائهما، والأهم في هذا السياق أنّ ثمة من اعتبر انّ السبب الحقيقي وراء طرح تأجيل الانتخابات هو الإبقاء على نواف سلام رئيساً للحكومة. وعلى ما يقول مسؤول رفيع لـ"الجمهورية": "قد تكون هناك أسباب كثيرة للتأجيل منها ما هو معلن ومنها ما هو مستور، وتبعاً لذلك قد يكون خلف التأجيل سبب واحد من تلك الأسباب، وقد تكون الأسباب كلها، فقد تعددت الأسباب والهدف واحد، ويبدو انّ مسار التأجيل قد انطلق، عبر سفراء الخماسية، وقبلهم عبر الاستشارة الهمايونية لهيئة الاستشارات والتشريع في وزارة العدل، او عبر امور ما زالت خفية حيث ليس معلوماً ماذا يحضّرون بعد".
قلق متزايد
مشهد المنطقة يعتريه قلق عابر للدول، وسط غليان رهيب في أجوائها، والأزمة المحتقنة بالحشود والأساطيل والاستعدادات والتهديدات المشتعلة المتبادلة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، باتت متموضعة على ما يبدو انّه خط الزلزال، وعلى مسافة شعرة، او بالاحرى على بعدٍ لصيق بلحظة كبس الزر وإشعال الحريق.
وعلى الرغم من أنّ الأجواء المحيطة بهذه الازمة، ترجح خيار الضربة العسكرية، وثمة تقديرات تفيد بأنّها باتت على بعد ساعات قليلة، الّا انّ تقديرات ديبلوماسية غربية، تؤكّد أنّ احتمالات الخرق وبلوغ المفاوضات بين واشنطن وطهران تفاهمات، ما زالت ممكنة، وخصوصاً انّ الجانبين راغبان في ذلك. ولكن هذه الرغبة لا تنفي وجود افتراقات جوهرية بين واشنطن وطهران، وهو ما يفترض أن يطرح على طاولة المفاوضات، كما لا تنفي وجود نقطة ضعف جوهرية قد تتأسّس عليها عوامل تنسف المفاوضات من أساسها، وتتجلّى في أنّ الجانبين يُقرّان بما هو قائم بينهما من خلافات وتناقضات، ولكن المشكلة البالغة الحساسية حالياً هي أنّ كل طرف يرغب في أن تؤدي المفاوضات إلى بلوغ تفاهم او اتفاق يحقق هدفه ومصلحته، هنا تكمن العقدة الأساس، وستتفاقم حتماً في حال الإصرار على تجاوز اولوية بلوغ اتفاق مبني على مصالح مشتركة".
محاذير الحرب
ويُنقل في هذا السياق عن ديبلوماسي رفيع قوله، انّ "واشنطن وطهران تشتركان في إعطاء فرصة للمفاوضات، وبذلك يعطيان إشارة بشكل غير مباشر على انّهما ما زالا يحاذران الحرب، ويفتشان عن سبيل لإنجاح المفاوضات".
وبحسب الديبلوماسي عينه، فإنّه يؤكّد "انّه ما زال يخالف كثيرين يفترضون انّ الضربة الأميركية لإيران باتت مسألة وقت قصير، وخصوصاً انّ ظروف الضربة لا تبدو انّها ناضجة حتى الآن، كما انّ نتائج الضربة في ما لو حصلت، وتداعياتها ومساحة امتداداتها على المستويين الإقليمي والدولي لا تبدو واضحة بدورها، وهذا من شأنه، لا اقول انّه يمنع الضربة، إذا ما كان القرار الضمني حولها متخذاً بصورة حاسمة من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بل اقول انّه يؤخّرها، وتبعاً لذلك ليس في الإمكان الركون على الإطلاق لتقديرات نظرية، وحتى الآن ما زلت اعتقد انّ محاذير الحرب كبيرة جداً، واعتقد أنّ الاطراف ستجد نفسها مضطرة للعمل على تجنّبها".
اللافت في سياق الأزمة المشتعلة بين واشنطن وطهران هو التناقض الفاقع في الأحداث، والذي تبدّى في الايام الاخيرة في الإعلان عن إيجابيات انتهت اليها الجولة الثانية من المفاوضات بينهما في جنيف، ثم ما لبث الامر ان تحوّل إلى ضفة اخرى تجاوزت ما حُكي عن إيجابيات، وارتفع فيها سقف التهديد إلى مستويات شديدة الخطورة، بدت معها الامور وكأنّ الضربة الأميركية ستحصل نهاية الاسبوع الماضي، او بداية الاسبوع الجاري، ثم في ظل هذا التوتر والاستعدادات الحربية جرى الإعلان فجأة عن جولة ثالثة من المفاوضات بين واشنطن وطهران في جنيف الاسبوع الجاري.
حرق أعصاب
ورداً على سؤال قال الديبلوماسي: "المفاوضات حاجة لكل الاطراف، وانا من المقتنعين بأنّ كثيراً مما يُقال في الإعلام والشبكات والقنوات ومواقع التواصل، يُقال نقيضه في الكواليس والغرف المغلقة، وهذا هو الحال بين الأميركيين والإيرانيين. ولذلك المفاوضات هي الحَكَم بين الجانبين، وليست محكومة بسقف زمني، ليس في الإمكان تحديده، وخصوصاً انّه معروف عن كليهما انّهما محترفان في فن المماطلة والتمييع وحرق الأعصاب".
على انّ ما ينبغي لحظه في هذه الأجواء، هو الضخ الإسرائيلي المتواصل حول حتمية الضربة الأميركية لإيران، حيث تلاقت تقديرات الصحافة العبرية على انّ الضربة حاصلة حتماً خلال هذا الاسبوع، حيث بتنا على اعتاب هجوم على إيران، وخصوصاً انّ فرص نجاح المفاوضات ضئيلة جداً. وما يبعث على خيبة الامل هو أنّ مبعوثي ترامب لا يتحدثون عن الصواريخ الباليستية ولا عن الأذرع الإيرانية في المنطقة. فيما ذكرت صحيفة "جيروزاليم بوست" العبرية انّه "سيتمّ توقيع "اتفاق إطار بين طهران وواشنطن، يتضمن: خفض مستوى التخصيب، نقل رمزي لجزء من المواد النووية، وآلية رقابية تبدو لافتة للنظر لكنها تفتقر إلى ضمانات تنفيذ حقيقية. عراقجي سيصافح ويتكوف، وسيعلن ترامب أنّه حقق ما لم يتمكّن أوباما من تحقيقه قط، فيما ستعلن إيران أنّها لم تتنازل عن شيء، وكلا الطرفين سيكون صادقًا في ادعائه".
سيناريوهات خطيرة
وبالتوازي مع إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو انّ اسرائيل بصدد تشكيل محور جديد في المنطقة تتسيّده، حذّر مسؤول عربي من سيناريوهات خطيرة تعدّها إسرائيل للمنطقة، ولبنان بشكل خاص، سواء حصلت الضربة الأميركية لإيران او لم تحصل.
ورجّح ذلك ايضاً مصدر أمني بقوله ردا على سؤال لـ":الجمهورية": ثمة معطيات أكيدة ترجح احتمال تكثيف إسرائيل لعملياتها العسكرية في لبنان، وبوتيرة مركّزة على مناطق معيّنة، وصولاً إلى تحقيق الهدف الإسرائيلي، الذي جاء على لسان اكثر من مسؤول إسرائيلي، ويتلخّص بإقامة المنطقة العازلة بالقرب من خط الحدود جنوب الليطاني. فإسرائيل كما هو معلوم تريد منطقة بلا حياة جنوب الليطاني. وفي سبيل تحقيق هذا الامر أخشى أن تلجأ إسرائيل، التي تتصرف بكامل حرّيتها وليس ما او من يردعها، إلى تفريغ القرى الجنوبية من اهلها وإبعاد أهلها".
ولفت إلى خرق بعض المستوطنين الإسرائيليين الجدار الحدودي، نحو الجانب اللبناني، وقال: "هذا الخرق ليس عبثياً، بل له دلالته وأبعاده الخطيرة، فهو جزء من مخطط خبيث، بدأ بتعليم أولادهم على انّ لبنان جزء من إسرائيل، ثمّ بنشر إعلانات في إسرائيل لبيع الأراضي في جنوب لبنان، وصولاً إلى هؤلاء المستوطنين المتشدّدين الذين قاموا بعراضة قرب الجدار وترويج بأنّ لبنان منحة من الرب لهم، وواحة استيطان لهم".
واستدرك قائلاً: "المؤسف انّ ردّ الفعل من جانبنا ليس بالمستوى المطلوب، كذلك الامر بالنسبة إلى "الميكانيزم" التي من الأساس لا طعم لها، ما أخشاه، بل اتوقعه، هو انّه في ظل هذا التفلّت الحاصل، فقد نشهد مزيداً من الامور المشابهة، وربما أسوأ وأخطر منها".