Search Icon

العسكريون يرفضون تقسيط حقوقهم

منذ 8 ساعات

من الصحف

العسكريون يرفضون تقسيط حقوقهم

الاحداث- كتبت زينب بزي في صحيفة الاخبار:"لم يكن العسكريون ينتظرون فتح معركة جديدة في ملف المنح المدرسية العائدة للعام الحالي. فبالنسبة إليهم، كانت القضية قد تجاوزت مرحلة النقاش، بعدما استُكملت الإجراءات القانونية والإدارية، ورُصدت الاعتمادات المالية اللازمة، وسلكت الملفات مسارها الطبيعي وصولاً إلى مرحلة الدفع. إلا أنّ اقتراحاً مستجداً من قبل وزارة المال يقضي بتقسيم المساعدات المدرسية إلى أربع دفعات متساوية أعاد الملف إلى الواجهة وأثار اعتراضاً داخل المؤسسات العسكرية والأمنية.

وبحسب معلومات «الأخبار»، فإنّ صاحب فكرة تقسيط المنح هو حاكم مصرف لبنان كريم سعيد. وتشير المعلومات إلى أنّ وزير المالية ياسين جابر لم يكن مؤيّداً لهذا الطرح في البداية، وأنّ هناك خلافاً نشأ بين سعيد وجابر حول آلية التعامل مع الملف، قبل أن يرضخ الأخير في نهاية المطاف لمصلحة مقاربة سعيد، وهو ما انعكس في الكتاب الذي أرسلته وزارة المالية إلى الإدارات المعنية. ويستند سعيد في طرحه إلى اعتبارات مرتبطة بالكتلة النقدية، معتبراً أنّ ضخّ المبالغ دفعة واحدة قد يترك انعكاسات على الاستقرار النقدي.

غير أنّ هذه المقاربة لا تنسجم مع الأرقام الفعلية للكتلة النقدية. فالمعطيات النقدية تشير إلى أنّ الكتلة النقدية تبلغ حالياً نحو 62 تريليون ليرة، فيما تُقدّر الكلفة الإجمالية للمنح المطروحة بحوالي 21 ألف مليار ليرة. وبالتالي، حتى في حال دفع هذه المبالغ دفعة واحدة، فإنّ الكتلة النقدية سترتفع إلى نحو 83 تريليون ليرة، أي أقل من المستوى الذي سجّلته في آذار 2025 عندما بلغت نحو 87 تريليون ليرة. وحينها، استوعبت السوق النقدية هذا الحجم من السيولة من دون أن ينعكس ذلك اضطراباً استثنائياً في سعر الصرف أو خضّة نقدية توازي حجم المخاوف المطروحة اليوم.

الاعتراض على «التقسيط» ظهر بوضوح في برقية رسمية صادرة عن المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي بتاريخ 12 أيار 2026، رداً على كتاب وزارة المالية المتعلّق بتقسيم المساعدات المدرسية العائدة لعام 2026 إلى أربع دفعات متساوية. فالمديرية لم تكتفِ بإبداء التحفّظ، بل قدّمت مبرّرات قانونية وإدارية مفصّلة لرفضها، مؤكدة أن جميع مراحل النفقة المتعلّقة بالمساعدات المدرسية قد أُنجزت بالكامل، من العقد إلى التصفية فالصرف والدفع، وأن الاعتماد المالي اللازم حُجز على الموازنة وفق الأصول.

واستناداً إلى المادة 94 من قانون موازنة عام 2019 وقرارات مجلس إدارة تعاونية موظفي الدولة، اعتبرت المديرية أنّ القرارات المتعلّقة بالمساعدات المدرسية أصبحت نافذة، وأنّه يتعذّر قانوناً وإدارياً إلغاؤها أو تعديلها أو تجزئتها أو جدولتها بعد استكمال جميع الإجراءات القانونية الخاصة بها.

ولم تقتصر البرقية على الجانب القانوني، بل ذهبت أبعد من ذلك عندما ربطت القرار المُقترح مباشرة بالواقع المعيشي للعسكريين، إذ أشارت إلى أنّ تقسيم المنح سيترك انعكاسات سلبية على معنويات العناصر في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها لبنان، خصوصاً أنّ العسكريين لا يزالون ينتظرون معالجة ملفات مالية أخرى، فيما تستمر المدارس بمطالبة الأهالي بتسديد الأقساط قبل انتهاء العام الدراسي. وانطلاقاً من ذلك، اقترحت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي عدم الموافقة على التقسيط والعمل على تحويل كامل المبلغ دفعة واحدة إلى حسابها لدى مصرف لبنان، بما يتيح دفع المستحقات للمستفيدين من دون تأخير إضافي.

وتشير معلومات متداولة داخل الأوساط العسكرية إلى أن كتاباً مماثلاً وُجّه أيضاً إلى مؤسسات عسكرية وأمنية أخرى، بينها الجيش اللبناني، حيث سُجّلت اعتراضات على مبدأ التقسيط نفسه.

حاكم مصرف لبنان كريم سعيد هو صاحب فكرة تقسيط المنح الدراسية إلى 4 دفعات

وإذا تأكّدت هذه المعطيات رسمياً، فإنّ الأمر يتجاوز حدود موقف إداري صادر عن جهاز أمني واحد، ليعكس توجّهاً عاماً داخل المؤسسات العسكرية والأمنية الرافضة لتحويل الحقوق المُكتسبة إلى دفعات مؤجّلة.
إلا أن الاعتراض على تقسيط المساعدات يشكّل جزءاً من أزمة أوسع تتعلق بمجمل الحقوق المالية العائدة لموظفي القطاع العام والتي لا تزال عالقة منذ سنوات.

فمنذ بداية الانهيار المالي، تراجعت القيمة الفعلية للرواتب والتقديمات بشكل كبير، فيما بقيت غالبية المعالجات المطروحة محصورة بالوعود أو بالإجراءات المؤقّتة. وخلال الأشهر الماضية، تصدّر ملف ما يُعرف بـ«الرواتب الستة» واجهة المطالب، إلى جانب التعويضات العائلية والمساعدات الاجتماعية والمنح المدرسية. كما شهدت المرحلة الأخيرة سلسلة اجتماعات واتصالات بين المعنيين ووزير المال ياسين جابر، تخلّلتها وعود بالعمل على إيجاد حلول لهذه الملفات وتأمين التمويل اللازم لها، إلا أنّ ذلك لم يُفضِ إلى أي نتيجة عملية حتى الساعة، لا بل تعداه إلى تصريح رسمي من وزير المال ياسين جابر بعدم نية صرف هذه المبالغ الآن.

وعملياً، لم تتجاوز الخطوات الرسمية حتى الآن إطار إعداد مشروع قانون لفتح اعتماد إضافي في موازنة عام 2026، تقدّمت به وزارة المالية لتأمين كلفة التعويضات المؤقّتة والتعويضات العائلية واستكمال التقديمات المدرسية للعسكريين المتقاعدين. وقد وافق مجلس الوزراء على المشروع وأحاله إلى مجلس النواب، ما يعني أن الملف انتقل من مرحلة الوعود إلى مرحلة انتظار الإقرار التشريعي، الذي سيبقى مُعلّقاً وغير مُنتِج لأي مفاعيل إذا ما أُقرّت زيادة الـ1% على القيمة المُضافة.

في هذا السياق، يشدّد النائب السابق والعميد المتقاعد شامل روكز على أن الأولوية اليوم يجب أن تكون لإقرار مشاريع القوانين المطلوبة داخل مجلس النواب، معتبراً أن النقاش حول آلية الدفع يجب أن يأتي لاحقاً بعد تثبيت الحقوق قانوناً. الموقف نفسه يعبّر عنه العميد المتقاعد مارون بدر الذي يرى أنّ المطلوب حالياً هو إقرار الاعتمادات والقوانين اللازمة لحفظ الحقوق، على أن يُبحث بعد ذلك في آليات التنفيذ.

في المقابل، يطرح العميد الركن الطيار المتقاعد أندريه أبو معشر سلسلة تساؤلات تتعلّق بالمسار القانوني والمالي المُعتمد حالياً. فهو يتساءل عن سبب الحاجة إلى العودة إلى مجلس النواب لإقرار المساعدات المدرسية والتعويضات العائلية، في حين أنّ الحكومات المتعاقبة كانت تعتمد في مراحل سابقة على إصدار المراسيم اللازمة لصرف المساعدات من دون العودة إلى المجلس النيابي.

كما يسأل عن الأسباب التي حالت دون نقل اعتمادات من احتياطي الموازنة إلى موازنات الوزارات المعنية لتغطية هذه النفقات، كما جرى في ملفات أخرى. وبالنسبة إلى أبو معشر، فإن ما يجري اليوم لا يعدو كونه حلقة جديدة من مسلسل التأجيل والتسويف، معتبراً أنّ أي نية جدّية لمعالجة الملف كان يُفترض أن تبدأ بإعداد المراسيم والقرارات التنفيذية اللازمة بدلاً من إبقاء النقاش محصوراً بين الوعود والاقتراحات.