الاحداث - كتبت صحيفة النهار تقول:" غلب التخوّف الشديد من دخول لبنان متاهة تصعيدية واسعة جديدة على معظم الأوساط الرسمية والسياسية اللبنانية، ولو أن بوادر هذا التخوّف حصرت علناً بالإدانات والاستنكارات والتحذيرات الرئاسية التي صدرت عقب عاصفة التصعيد الميداني العنيف التي هبت على الجنوب يوم السبت الماضي وتواصلت تردداتها أمس. إذ أن التصعيد الذي يُعدّ الأشد خطورة في مستوياته غير المسبوقة أقله منذ إعلان الاتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، منذراً بمرحلة تصعيدية قد تطيح كل مرتكزات التفاهمات المحققة، على هشاشتها، في جولات المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية الأميركية السبع، هذا التصعيد شكل بوقائعه الميدانية وظروفه الإقليمية الإنذار المتقدم لمرحلة متفجرة يتحسّب لها الجميع، ولو أن التحركات والجهود المبذولة تحصل تحت عنوان إنقاذ الخطوات التنفيذية للاتفاق الإطار من الانهيار.
ولعل أكثر ما أثار مخاوف الأوساط اللبنانية المعنية، غداة العاصفة التصعيدية الأخيرة، أن لبنان بدأ في الخلفية الاستراتيجية الإقليمية عرضة مرة جديدة لاستباحة إقليمية مزدوجة تجسّدت في الاندفاع الميداني لطرفي المعادلة التصعيدية، أي إسرائيل و"حزب الله" بوكالته عن نفسه وإيران سواء بسواء. فإسرائيل انقضّت على أهدافها في الجنوب فجر السبت، ولو رداً على عملية ضد جنودها قام بها "حزب الله"، في معرض تحويل هذه الذريعة الثمينة التي قدّمها إليها الحزب كنموذج للرد الساحق الذي تنوي اعتماده تباعاً ضمن معركة سيطرتها على "علي الطاهر" وسواها، في الحقبة الآتية الفاصلة عن الانتخابات العامة في إسرائيل في تشرين الأول المقبل. وبذلك لم يكن غريباً أن تشعل الواقعة الأخيرة المزايدات الانتخابية الأشدّ تطرّفاً في إسرائيل على الغارب، ما ينذر لبنان بما قد يواجهه في الأسابيع المقبلة. وأما "حزب الله"، وإن كان لا يقيم وزناً واعتباراً لمشهد عشرات ألوف الجنوبيين الذين نزحوا من مناطق التصعيد والتوتر وسواها يوم السبت الماضي واحتشدت أرتال سياراتهم على طول الطريق الساحلية من الجنوب إلى بيروت، فيبدو أنه قرر فتح معركة اسقاط المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية بتكليف من إيران، في اللحظة الانتخابية الإسرائيلية نفسها، بما يتراءى له أنه يمكن الاستدارة لاحقاً إلى الداخل اللبناني لتصفية حساباته مع السلطة الرسمية التي يعلن حربه عليها يومياً بحملات التخوين والتهديد "بانفجار الغضب".
لذلك، اتجهت الأنظار نحو ما يمكن الولايات المتحدة الأميركية القيام به من مزيد من الجهود وسط مؤشرات متزايدة على أن مرتفع علي الطاهر ومحيطه قد يتحوّلان إلى محور لمواجهة أوسع واخطر، علماً أن واشنطن حمّلت "حزب الله" مسؤوليته عن وجود إسرائيل في الجنوب اللبناني، ولكن التفلت الإسرائيلي في الموسم الانتخابي ترجمه تأكيد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأنّه "لن يُترك أيّ حساب مفتوحاً في أي ساحة"، قائلاَ: "سنضرب بقوة دفاعاً عن جنودنا ومواطنينا".
التصعيد الميداني
والحال ان الوضع الميداني ظل غداة العاصفة التصعيدية محافظاً على مستويات عالية من التوتر، وما بين منتصف الليل ونهار أمس واصل الجيش الاسرائيلي تصعيده الأمني على مناطق الجنوب حيث شن سلسلة غارات استهدفت دوحة كفررمان ودير سريان. كما نفّذ موجة غارات عنيفة أشبه بحزام ناري على "علي الطاهر – الدبشه" وألقى قنابل مضيئة وفوسفورية علي مرتفعات علي الطاهر والمحيط. إلى ذلك، تعرضت بلدة سجد والمنصوري لقصف مدفعي. وشهدت بعض قرى الجنوب تفجيرات عنيفة نفّذها الجيش الإسرائيلي ليلاً وفجراً.
وأفاد موقع "واللا" الإسرائيلي أن تقديرات أمنية في إسرائيل تشير إلى أن "حزب الله" يحاول إمداد عناصره المحاصرين في مواقع تحت الأرض في مرتفعات علي الطاهر، فيما تسعى إسرائيل إلى تحديد مواقع البنية التحتية والعناصر في المنطقة وتدميرها.
عمال بين أنقاض المبنى المدمر في دير الزهراني يعملون على إصلاح الكابلات الكهربائية المتضررة جراء الغارات الإسرائيلية. (أحمد منتش)
عمال بين أنقاض المبنى المدمر في دير الزهراني يعملون على إصلاح الكابلات الكهربائية المتضررة جراء الغارات الإسرائيلية. (أحمد منتش)
الموقف الأميركي
وفي ردة فعلها على التطورات الأخيرة حمّلت وزارة الخارجية الأميركية "حزب الله" مسؤولية استمرار الوجود الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية، معتبرةً أنه يشكّل أيضاً "العقبة الرئيسية أمام التعافي الاقتصادي في لبنان". وقال متحدث باسم الخارجية الأميركية، في تصريحات إعلامية بشأن التطورات المتعلقة بلبنان وإسرائيل، إنّ "عملية المناطق التجريبية، تبقى السبيل الوحيد الممكن لتحقيق السلام والأمن الدائمين للبنان وإسرائيل"، لافتاً إلى أنه "نتطلع إلى إتمام الجيش اللبناني عمليات التطهير في المناطق التجريبية الأولى، وبعد التحقق من التطهير، ستتوسع العملية. ويُعد نزع سلاح حزب الله جزءاً لا يتجزأ من هذه العملية".
وأكد أن "الولايات المتحدة ستواصل دعم الإطار الثلاثي بما يتماشى مع مصالحنا في الاستقرار الإقليمي، ومنع المزيد من الصراع، وبرنامج الرئيس ترامب لتعزيز السلام بين الدول". واعتبر أنّ "حزب الله كان العقبة الرئيسية أمام الانتعاش الاقتصادي للبنان، والوصمة الوحيدة على سمعته الدولية، وأكبر تهديد لأمنه واستقراره. وهو يتحمل المسؤولية الكاملة عن وجود إسرائيل على الأراضي اللبنانية. ولهذا السبب تحديداً يجب نزع سلاح "حزب الله" وتفكيكه".
وفي سياق متصل، أشار مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية، إلى أنّ "واشنطن اطّلعت على أحدث تصريحات الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم". وردّ قائلاً: "المفارقة في أن يلقّننا درساً حول السيادة والاستسلام رجلٌ يتلقّى أوامره من مشغّليه الإيرانيين، ويدير منظمة إرهابية أمضت عقوداً في تحويل لبنان إلى قاعدة عمليات متقدمة لإيران".
وفي إطار المواقف الإسرائيلية علق وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، على الغارات التي استهدفت بلدات في جنوب لبنان، متوعداً بالدفاع بقوة عن جنود الجيش الإسرائيلي وسكان المناطق الشمالية. وقال عبر حسابه على منصة "إكس": "لن يبقى أي حساب مفتوح في أي ساحة. سندافع بكل قوة عن جنودنا ومواطنينا". من جهته، أمل وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير "في أن تكون إسرائيل مقبلة على تصعيد عسكري في لبنان"، داعياً إلى "عدم الاكتفاء بإحباط التهديدات، بل منح القوات الإسرائيلية حرية أوسع في التحرك"، مطالباً بـ"سحق حزب الله واستهداف بيروت".
أما في المواقف الداخلية من التطورات، فأعرب أمس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي عن "تطلّعه إلى أن تثمر المفاوضات الجارية بشأن الجنوب والسيادة بما يحفظ حقوق لبنان، ويوقف الاعتداءات، ويؤمّن الانسحاب من الأراضي اللبنانية، ويعيد الأمن والاستقرار إلى أهل الجنوب وقراهم، ويفتح باب إعادة الإعمار، فتستعيد الدولة كامل دورها وسيادتها، ويكون الجيش اللبناني سندها في حماية الوطن". وربط الراعي بين مفهوم "الأرض الجيدة واستعادة الدولة دورها"، معتبرًا أن "السلام والسيادة والاستقرار ليست شعارات، بل هي التربة التي يحتاج إليها لبنان لكي يستعيد عافيته ويعيد بناء ما تهدّم ويمنح أبناءه القدرة على البقاء في أرضهم وصناعة مستقبلهم. فلبنان ليس أرضًا عقيمة ويمكنه أن يثمر من جديد". واكد" أن لبنان، رغم ما مرّ به من أزمات وصعوبات، يبقى أرضًا قادرة على الحياة والعطاء، شرط أن تستعيد الدولة حضورها، وأن يحكم القانون، وأن تُصان الحرية، وأن تتحول المسؤولية العامة إلى خدمة للإنسان والوطن".