الاحداث- كتبت زينب حمود في صحيفة الاخبار تقول:"لم تتحوّل عودة النازحين إلى الضاحية الجنوبية لبيروت إلى استقرار فعلي، بل بدت كحالة معلّقة بين رحيل وعودة. فمع دخول وقف إطلاق النار المؤقّت حيّز التنفيذ، عادت بعض العائلات إلى منازلها، قبل أن تجد نفسها بعد وقت قصير أمام موجة نزوح جديدة. مشهد يومي يتكرّر: حقائب تُجهّز وتُفرّغ أكثر من مرة، وقلق لا يهدأ، فلا المقيم يشعر بالأمان، ولا النازح يجد استقراراً في مكان نزوحه.
أمس، استيقظ العائدون على هدير المُسيّرات الإسرائيلية التي عادت لتحلّق فوق رؤوسهم، ما رفع منسوب التوتر وأعاد الأسئلة نفسها: هل نبقى أم نغادر؟ أصوات الرصاص تدفعهم إلى التحقق سريعاً عبر الشاشات والهواتف، لمعرفة إن كان جيش العدو الإسرائيلي قد نشر أي إنذار إخلاء جديد، قبل أن يتبيّن أحياناً أن إطلاق النار يواكب تشييع أحد الشهداء. وبين الخوف والترقّب، يغيب النوم العميق، ويحلّ مكانه سهرٌ متواصل على متابعة الأخبار، تحسّباً لأي تطور قد يعيد إشعال الحرب.
تعكس هذه الوقائع هشاشة العودة إلى الضاحية، إذ يعيش العائدون حالة من الترقّب الدائم، لا يعرفون معها إن كان عليهم استئناف حياتهم الطبيعية أم البقاء على أهبة مغادرة جديدة في أي لحظة. تقول ريما إنها «سعيدة» بعودتها، لكنها «غير مطمئنة»، مضيفةً أن «من يملك مكاناً للنزوح لم يرجع، أما نحن فعدنا لأننا لا نملك خياراً، ونؤجّل تشرّدنا فقط».
في المشهد اليومي، تبدو الضاحية شبه خالية مع حلول الليل. حركة السير التي تكون محدودة نهاراً، تنعدم تقريباً مساءً، فيما تُعدّ المنازل المضيئة على الأصابع. هذا الواقع يعكس نمطاً متكرراً: زيارات نهارية لتفقّد البيوت أو قضاء الحاجات، تعقبها مغادرة قبل الليل. من شرفة منزلها في برج البراجنة، تراقب سيرين حركة «خجولة جداً»، وتُسارع إلى إبلاغ عائلتها عند مرور أي سيارة، كنوع من الطمأنينة بأنهم «ليسوا وحدهم»، خصوصاً أن معظم الجيران لم يعودوا إلى المبنى.
حركة سير محدودة نهاراً وشبه معدومة ليلاً والبيوت المُضاءة تُعدُّ على الأصابع
وتتفاوت صورة العودة بين مناطق الضاحية وفق «مقياس الخطورة» غير المعلن، المرتبط بحجم الاستهداف خلال الحروب السابقة والحالية. ففي حين تبدو الأحياء الداخلية أكثر فراغاً، تسجّل المناطق الطرفية مثل الجناح والأوزاعي والغبيري حضوراً سكانياً أكبر نسبياً، لكونها لم تشهد نزوحاً كاملاً إلا لفترات محدودة، قبل أن يعود سكانها إليها.
هكذا، لم تصمد حماسة العودة طويلاً بعد إعلان وقف إطلاق النار. فبين الشوق إلى المنازل، والتحذيرات الأمنية، والخشية من فقدان أماكن النزوح، تراجع كثيرون عن قرار العودة الدائمة، واكتفوا بزيارات خاطفة إلى أماكن سكنهم الأصلية.
هذا الخوف انتشر سريعاً بين الفئة التي كانت مصمّمة على البقاء، مثل محمد الذي أوصى عائلته بعدم ترك مكان نزوحها، لأن «الحي شبه فارغ من السكان، والأوضاع تبدو غير مطمئنة». كذلك، تذكّر العائدون ليلة خروجهم من منازلهم تحت القصف، ففضّلوا «عدم تكرار التجربة المشؤومة، عندما خرجنا مذعورين، وبقينا ساعة ونصف ساعة في زحمة سير، قبل أن نصل إلى وسط بيروت»، تروي يارا.
هذه الحال دفعت الدكاكين لتفتح وتبيع ما تبقّى على الرفوف من دون «المخاطرة بشراء سلع وبضائع حتى تتضح الصورة»، يقول صاحب دكان في حارة حريك. أمّا محال الثياب والأحذية والمفروشات وغيرها من السلع الكمالية، فلم تفتح أبوابها بعد.
في المقابل، أصلح أصحاب المولّدات وموزّعو الإنترنت الخطوط المُقطّعة من جراء الحرب، وأعادوا تقديم خدماتهم للعائدين الراغبين، فيما بدت عودة أغلب المطاعم والمقاهي إلى العمل لافتة.
هكذا يعيش أبناء الضاحية «كل يوم بيومه»، متخبّطين بين العودة وعدم العودة، في ظلّ ضبابية المشهد، وكثافة الأخبار المتناقضة التي يتابعونها.