Search Icon

الشغور الثالث توالياً: التشقّق المؤسساتي يتوسّع

منذ 3 سنوات

من الصحف

الشغور الثالث توالياً: التشقّق المؤسساتي يتوسّع

الاحداث- كتب مجد بو مجاهد في صحيفة النهار يقول:"تعتبر ظاهرة الشغور الرئاسي المعشّشة برلمانياً للاستحقاق الثالث تباعاً حالة جديدة من نوعها لبنانياً، لم يسبق أن استوطنت سياق العهود التاريخية سابقاً حتى خلال أزمنة الأزمات الكبرى التي لفحت البلاد.
وعندما أعلن الرئيس بشارة الخوري تنحيه عن سدّة الرئاسة الأولى في أيلول 1952 على وقع الضغط الشعبي تسلّم قائد الجيش فؤاد شهاب مقاليد السلطة، فيما استمرّ الشغور الرئاسي أياماً معدودة فحسب سبقت انتخاب الرئيس كميل شمعون علماً أن الاستعدادات اللوجستية لم تكن قريبة نسبيّاً باعتبار أنّ الولاية الممدّدة لم تبلغ شمعة عامها الثالث يومذاك. ثمّ انتخب الرئيس فؤاد شهاب في 31 تموز 1958 قبل شهر ونصف شهر من الموعد الانتخابي للمساهمة في تهدئة الأوضاع الداخلية وسط شبه إجماع من قوى المعارضة والموالاة حينذاك عليه بعد الأحداث التي شهدها البلد ذلك العام. ولم يقبل شهاب التمديد رغم تحفيز نيابي تلقّاه على اتخاذ خطوة مماثلة، لكنّ قراره الرافض وتمريره ورقة الوزير شارل حلو على مشارف بروز أزمة رئاسية أنقذ روحية الحياة الدستورية. وانتخب سليمان فرنجية رئيساً بفارق صوت واحد عام 1970، وتبعته رئاسة الياس سركيس على الرغم من اندلاع الحرب اللبنانية التي لم تؤثّر ضراوتها على إجراء الاستحقاق الدستوري وتجنّب الشغور. وبعد استشهاد الرئيس بشير الجميّل على أثر اغتيال أتى وقعه كزلزال، لم يدخل لبنان الشغور الرئاسي مع انتخاب الرئيس أمين الجميّل بعد أيام.

وعرف لبنان شغوراً رئاسياً حقيقياً الأول من نوعه مع تسلّم الحكومة الانتقالية برئاسة العماد ميشال عون الحكم، في وقت إضاءة دستوريين على حالتها تشخّصها كحكومة غير ميثاقية لسببين: نتيجة انسحاب الوزراء المسلمين الثلاثة منها كإشكالية أولى، وعدم رعايتها كحكومة انتقالية جلسات انتخاب رئاسية كإشكالية ثانية رغم أن مهمتها الأساسية كانت التمهيد للانتخابات الرئاسية. وبعد انتخاب الرئيس رينه معوّض واستشهاده، وصل الياس الهراوي إلى سدّة الرئاسة وتبعه تمديد للولاية الرئاسية أواخر 1995، وصولاً إلى رئاسة اميل لحود والتمديد له حتى تشرين الثاني 2007. وبدت تكرّ سبحة الشغور الرئاسي اعتباراً من هذه المرحلة. وشهدت البلاد خلالها 6 أشهر من الفراغ في سدّة الرئاسة الأولى وأحداث أيار 2008 مع اجتياح "حزب الله" العاصمة بيروت قبل الوصول إلى تسوية أفضت إلى انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية. ثم تربّع الشغور على كرسيّ الرئاسة الأولى مدّة سنتين وخمسة أشهر على أثر تعطيل نصاب الجلسات الرئاسية حتى 31 تشرين الأول 2016. ويطلّ الشغور برأسه توالياً للمرة الثالثة بعد انتهاء عهد الرئيس ميشال عون، على وقع تدحرج "دومينو" الأوراق البيضاء المكدّسة والمؤدية أخيراً إلى انسحاب كتل محور "الممانعة" من الدورة الثانية للجلسة الرئاسية وتعطيل النصاب.

الشغور المستعاد، يقول الباحث الدستوري الدكتور سعيد مالك لـ"النهار" إنه "يشكّل وضعاً غير صحيّ ويفترض العمل على ملء شغور المؤسسات وفي طليعتها موقع رئاسة الجمهورية. ويتوجب أن يجتمع المجلس النيابي ويعقد جلسات مفتوحة ولا يبارح النواب البرلمان قبل انتخاب رئيس جديد. وتتمثل الآلية الدستورية في ضرورة الاجتماع بشكل دائم ومستمرّ ومن خلال دورات متتالية لانتخاب رئيس"، لافتاً إلى أن "الشغور الرئاسي سيتسبّب بمزيد من التشقّق داخل النظام اللبناني ويمكن أن يؤدي إلى انهيار داخله وهذا ما لا نتمناه. ويُخشى حصول انهيارات ذات طابع دراميّ على المستويات الأمنية والاقتصادية والمالية، باعتبار أن الاستمرار في الشغور سيولّد فراغاً ينعكس تطوّرات سلبية على البلاد والعباد". وينتقد مالك "الاستمرار في الاقتراع بورقة بيضاء كدلالة عجز عن الاتفاق على مرشّح رئاسي من قوى معيّنة، بما لا يخدم انتخابات الرئاسة الأولى بل يعرقلها ويعكس تصرّفاً سلبياً. كما أن النائب يصار إلى انتخابه بغية القيام بمهمات الوكالة عن الناخبين اللبنانيين وليس الاعتكاف، بما معناه أن الحضور أساسيّ والمشاركة جوهرية على عكس الانسحاب من الجلسات باعتباره عملاً تعطيليّاً للمؤسسات. ويشكّل التحلّي بالمسؤولية الحلّ الوحيد عبر انتخاب رئيس للجمهورية".

في التشخيص التاريخي للاختلافات المجتمعية وصولاً إلى "أزمنة الشغور"، يقرأ المؤرخ الدكتور عماد مراد لـ"النهار" أن "النواب كانوا يتصفون بوعيٍ خلال مراحل الازدهار التاريخي لبنانياً لجهة التأكيد على إلزامية انتخاب رئيس للجمهورية؛ فلا فكرة قائمة على الشغور أو تعطيل النصاب، لأن عمل المجلس النيابي قائم دستورياً على أربع نقاط أساسية مرتكزة على سَنّ القوانين وإقرار الموازنة ومراقبة العمل الحكوميّ وانتخاب رئيس الجمهورية. ولم يلبث أن افتقد النواب دورهم التشريعي والانتخابي في زمن الاحتلال السوري الذي كان يتولّى تعيين الرؤساء ومراقبة إقرار القوانين"، لافتاً إلى أن "هذه الممارسة أضعفت ثقة النائب بدوره الوطنيّ وكممثل للأمة بعد ثلاثين سنة شكّل خلالها كثرٌ من النواب أداة تنفيذية بما جعلها بمثابة أسلوب متداول راهناً، مع تحوّل بعض نواب كسروان وجبيل والمتن كممثلي مناطق سيادية تاريخياً إلى انتظار الضوء الأخضر من "حزب الله" للاستعاضة عن الورقة البيضاء في انتخاب رئيس للجمهورية". ويستنتج مراد أن "كلّ شغور حصل ويحصل يخدم أعداء الدولة ويضعف ركائزها ونظامها وثقة الناس بها لمصلحة الدويلات والأحزاب العقائدية المرتبطة بمخططات خارجية استراتيجية لا تخفيها، فإذا بها تستفيد من حال تضعضع البرلمان وإرجاء الانتخابات الرئاسية وانهيار الاقتصاد وتفكّك مؤسسات الدولة اللبنانية".