Search Icon

الرَّاعي من بكركي: الميرون المقدّس وديعة الروح القدس وعلامة وحدة الكنيسة عبر الأجيال

منذ ساعة

سياسة

الرَّاعي من بكركي: الميرون المقدّس وديعة الروح القدس وعلامة وحدة الكنيسة عبر الأجيال

الاحداث - ترأّس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي،، مساء اليوم الجمعة في الصرح البطريركي في بكركي، رتبة تقديس زيت الميرون الإلهي وفق طقس الكنيسة الأنطاكية السريانية المارونية، في حضور جميع أساقفة الطائفة المارونية في لبنان وبلاد الانتشار، في احتفال ليتورجي مهيب يُعدّ من أبرز وأعمق الرتب الكنسية لما يحمله من معانٍ روحية ولاهوتية تعبّر عن استمرارية النعمة الرسولية وعمل الروح القدس في الكنيسة.

واستُهلّ الاحتفال بترتيلة الدخول، تلتها كلمة للأب إيلي سعادة شرح فيها بنية الرتبة وأبعادها الروحية واللاهوتية، موضحاً أن تقديس الميرون يتم على المذبح نفسه لارتباطه المباشر بحضور المسيح وعمل الروح القدس في الكنيسة، وأن مزج الميرون القديم بالجديد يرمز إلى استمرارية النعمة المقدسة وانتقالها من جيل إلى جيل منذ عهد الرسل وحتى يومنا هذا.

وبعد تلاوة الإنجيل المقدس، ألقى البطريرك الراعي عظة روحية تناول فيها أهمية هذه الرتبة في حياة الكنيسة المارونية، مشيراً إلى أن الاحتفال بها بهذه الصيغة الجامعة يشكّل سابقة في تاريخ الكنيسة المارونية، إذ كانت تتم في السابق ضمن إطار أكثر محدودية. وأكد أن الكنيسة أرادت إعادة هذه الرتبة إلى موقعها الطبيعي داخل الحياة الليتورجية لأنها تعبّر عن وحدة الكنيسة المجتمعة حول بطريركها وأساقفتها، وتشكل صورة حية لشركة المؤمنين في جسد المسيح الواحد.

ولفت إلى أن المؤمنين المجتمعين حول البطريرك يمثلون الكنيسة بأسرها في وحدة مع الأساقفة والكهنة والرهبان والراهبات، مؤكداً أن الميرون ليس شأناً يخص الإكليروس وحده، بل هو نعمة تشمل جميع أبناء الكنيسة.

وتوقف الراعي عند المعنى اللاهوتي لسرّ الميرون، مذكّراً بأن كل مؤمن نال هذا السر منذ طفولته في المعمودية والتثبيت، وأن الميرون هو عطية الروح القدس التي تثبّت الإنسان في إيمانه المسيحي وتمكّنه من عيش انتمائه الكامل للمسيح. وأوضح أن مواهب الروح القدس السبعة تُمنح لجميع المؤمنين، وأن الميرون يرتبط أيضاً بالأسرار والخدمات الكنسية، حيث تُمسح به أيدي الكهنة عند رسامتهم، كما يُمسح به جبين الأسقف ليكون على مثال المسيح الرأس والراعي والخادم.

وانطلاقاً من إنجيل المرأة التي سكبت طيب الناردين على رأس يسوع في بيت سمعان الأبرص، رأى البطريرك الراعي في هذا الحدث الإنجيلي صورة عميقة لدعوة الكنيسة والرعاة إلى البذل الكامل والعطاء دون تحفظ. وأشار إلى أن الناردين الذي ورد ذكره في الإنجيل هو أحد المكونات الداخلة في تركيب زيت الميرون، موضحاً أن المرأة قدّمت أثمن ما لديها للمسيح ولم تحتفظ به لنفسها، رغم اعتراض البعض على ما اعتبروه هدراً لثروة كان يمكن توزيعها على الفقراء.

وأضاف أن المسيح كشف البعد الروحي الأعمق لهذا الفعل عندما أعلن أن المرأة احتفظت بهذا الطيب ليوم دفنه، قبل أن يُظهر القبر الفارغ لاحقاً أن المسيح القائم لم يعد بحاجة إلى طيب البشر، لأنه مصدر كل قداسة وعطر روحي.

وربط الراعي هذا المشهد بالمسيرة الروحية التي يعيشها الأساقفة، داعياً إلى كسر “قوارير الطيب” التي قد يتمسّك بها الإنسان في حياته، أي التخلي عن كل ما يعيق التوبة والتجدد الروحي والانفتاح على عمل الروح القدس. كما طلب من المؤمنين الصلاة من أجل الأساقفة لكي يبقوا أمناء لدعوتهم ومنفتحين على مواهب الروح القدس وإلهاماته.

وعقب العظة، انتقل البطريرك إلى السكريستيا حيث أُحضر الميرون العتيق، ثم عاد به في تطواف احتفالي إلى الكنيسة وسط الصلوات والترانيم. وفي قلب الرتبة جرى مزج الميرون القديم بالزيت الجديد وإضافة البلسم إليه، في رمز بليغ لاستمرارية النعمة الرسولية وعدم انقطاعها عبر القرون.

بعد ذلك رفعت الكنيسة صلوات استدعاء الروح القدس ليحلّ على الزيت الجديد ويقدّسه، قبل أن يعلن البطريرك الراعي رسمياً تقديس الميرون الجديد الذي سيُوزَّع بعد انتهاء أعمال السينودس على الأساقفة لينقل كل منهم هذه البركة إلى أبرشيته ومؤمنيها.

واختُتم الاحتفال بصورة كنسية جامعة عكست وحدة الكنيسة المارونية حول بطريركها وأساقفتها، وأكدت أن الميرون المقدس ليس مجرد زيت يُستخدم في الطقوس الكنسية، بل هو علامة حضور الروح القدس في الكنيسة وختم وحدتها واستمرارية رسالتها، والجسر الروحي الذي يحمل نعمة المسيح من جيل إلى جيل  ومن الرسل إلى أبناء الكنيسة اليوم.