الاحداث- أكد البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي أن الشعب اللبناني “ينتظر وسط قلق يومي، وهو يحاول أن يتمسّك بما تبقّى من أمل”، مشيراً إلى أنّ البلاد تعيش “انقسامات وتوتّرات وحساسيّة زائدة”.
وشدّد الراعي على أنّ “ما يجري اليوم على وسائل التواصل من حرب كلامية ليس حرية رأي، بل انحدار مقلق في سلّم القيم واللغة واستباحة للكرامات لا يحقّ لأحد أن يمسّها”.
ودعا إلى التمسك بالقيم الوطنية والأخلاقية وتعزيز لغة الحوار والاحترام المتبادل، في ظل الأوضاع الدقيقة التي يمرّ بها لبنان.
وقال:"كم من مرّة تَهدّم لبنان ثمّ نهض من تحت الأنقاض لأنّ يد الله لم تتركه يوماً وكما صنع الله العظائم في مريم العذراء فإنه يصنعها في وطننا أيضاً".
فقد ترأس البطريرك الراعي قداس عيد سيدة لبنان في بازيليك سيدة لبنان - حريصا، عاونه فيه النائب البطريركي،المطران الياس نصار، والنائب البطريركي السابقالمطران بولس صياح ، وشارك في الخدمة رئيس المزار الأب خليل علوان، والأب فادي تابت أمين السر العام للبطريركية، والأب كميليو مخايل أمين السر الخاص، والآباء يونان عبيد، حبيب كلاكس، اسعد الباسدشا، وفادي المير بحضور وزير الاعلام بول مرقص، وحشد من المؤمنين
وبعد الانجيل المقدس، ألقى الراعي عظة بعنوان:"ها منذ الآن تطوّبني جميع الأجيال"(لو 1: 48)
وقال فيها:1.نحن وكل الذين يؤمّون مزار سيدة لبنان في عيدها، وطيلة شهر أيار المبارك، ننضمّ إلى الأجيال التي "تعطي الطوبى" لمريم، أم الإله المتجسّد، وأمنا بالنعمة. فنشيد مريم "ها منذ الآن تطوّبني جميع الأجيال، لأن القدير صنع بي عظائم" (لو 1: 48 – 49)، نشيد نبوي عن قدرة النعمة الإلهية التي تستطيع تغيير مسار الإنسان. في هذا الإنجيل، ترتفع مريم العذراء فوق حدود الزمن، لا لأنها سعت إلى المجد، بل لأن الله صنع فيها العظائم. هي التي عاشت في الخفاء، فإذا بها تصبح في قلب الخلاص. وهي التي كانت بسيطة في نظر العالم، فإذا بها عظيمة في نظر الله.
مريم لا تمجّد ذاتها، بل تمجّد الله فيها، لعمل نعمته المجانية. فقد نظر الله إلى تواضعها، ورفعها صانعًا فيها العظائم. هذا النشيد هو نشيد الكنيسة، نشيد كل من يختبر عظائم الله، ومن يختبر أن الله قادر أن يبدّل واقع الإنسان والتاريخ، مهما كان صعبًا ومعقّدًا.
2. نرحّب بكم جميعًا أيها المؤمنون الحاضرون معنا اليوم، وكل من يتابعنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مع بداية شهر أيار، شهر مريم، شهر الأم، شهر الرجاء. نلتقي اليوم في ظل سيدة لبنان، في هذا المكان المقدس، في حريصا، حيث ترتفع الصلاة، وحيث تلتقي القلوب، وحيث يجد الإنسان ملجأه.
نحيّي الآباء المرسلين اللبنانيين، الذين يخدمون هذا المزار منذ أكثر من قرن، منذ سنة ۱٩۰٥، ونوجّه لهم كلمة تقدير ومحبة، لأنهم حراس هذا المكان، وخدّام هذه الرسالة، وحملة هذا النور. في هذا الشهر، نعود إلى مريم، إلى أمنا، إلى سيدة لبنان، التي ترافقنا، وتحمينا، وتشفع فينا.
3. نطوّب مريم، لأن الله القدير صنع فيها العظائم. فنعدّد منها خمسة عظائم:
العظمة الأولى، الحبل بها بلا خطيئة أصلية، فكانت منذ البدء مهيأة، نقية، مختارة لتكون أم الكلمة المتجسّد. لقد أعلن هذه العقيدة الطوباوي البابا بيوس التاسع سنة ۱٨٥٤، مؤكدًا أن الله أعدّها لتكون أم الكلمة، طاهرة منذ اللحظة الأولى للحبل بها في أحشاء أمّها.
العظمة الثانية، أمومتها لابن الله، وهي بتول في الميلاد وبعده. فحملت في أحشائها من لا تسعه السماوات، وصارت الجسر بين الله والبشر. أعلن هذه العقيدة مجمع أفسس سنة 431.
العظمة الثالثة، مشاركة ابنها في طريق الآلام، حتى الصليب حيث كانت واقفة لا كمتفرجة متألمة، بل كأمّ شريكة تتألم مع ابنها، وتقدّم قلبها ذبيحة حب، وتحب حتى النهاية مثل ابنها. أكّد هذه العقيدة المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني في دستوره حول الكنيسة، 61.
العظمة الرابعة، انتقالها إلى السماء بالنفس والجسد، لتكون الملكة سلطانة السماء والأرض، وشاهدة على أن الموت ليس نهاية، وأن الحياة مع الله لا تنتهي. وقد أعلن هذه العقيدة المكرَّم البابا بيوس الثاني عشر سنة 1950.
العظمة الخامسة، أمومتها للكنيسة، أعلنها القديس البابا بولس السادس في ختام الدورة الثالثة للمجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني في 21 تشرين الثاني 1964.
وهنا في سيدة لبنان تصبح هذه الأم أكثر قربًا، لأنها أمّ هذا الوطن، الحاضرة في تاريخه وفي رجائه.
4. "ها منذ الآن تطوّبني جميع الأجيال، لأن القدير صنع بي عظائم" (لو 1: 48 – 49). بهذه الكلمة ننظر اليوم إلى واقعنا اللبناني، ونشعر بثقل السؤال الذي يسكن في قلوبنا: أين نحن؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟
نحن في وطن يعيش بين قلق وحيرة وانتظار. نحن أمام واقع يتأرجح بين حرب مفروضة علينا ومرفوضة، وهدم وتهجير وقتل. حالة معلّقة تُرهق الإنسان وتستنزف المواطنين والدولة ومؤسساتها. شعبنا ينتظر وسط قلق يومي، ينتظر وهو يحاول أن يتمسك بما تبقى من أمل. وفي هذا الانتظار، نعيش ما هو أصعب: انقسامات بيننا، توترات، حساسية زائدة، كأننا فقدنا القدرة على تحمّل بعضنا البعض، بلحظة ينفجر الخلاف، وبكلمة ينكسر ما بقي من الثقة.
أضف إلى ذلك أن ما يجري اليوم على وسائل التواصل الاجتماعي من حرب كلامية ليس حرِّيّة رأي، بل انحدارٌ مُقلِقٌ في سلَّم اللغة والقيَم، واستباحةٌ لكراماتٍ لا يَحِقُّ لأحدٍ أن يَمسَّها، أَيًّا كانَت مَصادِرُها أو وُجوهُها.
لُبنانُ أَكبَرُ مِن مُهاتَراتٍ عابِرَة، وأَسمى مِن أَن يُختَزَلَ بِضَجيجِ أَصواتٍ تُسيءُ إِلى ذاتِها قَبلَ أَن تُسيءَ إِلى غَيرِها. فَما يُبْنَى بِالمَحَبَّةِ لا تَهْدِمُهُ زَوَابِعُ التَّجْرِيح، وَما يَتَأَسَّسُ عَلَى الكَرَامَةِ يَبْقَى أَرْسَخَ مِن كُلِّ انْفِعَالٍ زَائِل، وَما يُشَيَّدُ عَلَى الحَقِّ يَسْمُو وَيَدُوم، أَمَّا ما يُبْنَى عَلَى البَاطِلِ فَسُرْعَانَ ما يَتَدَاعَى، وَلَو تَزَيَّنَ بِأَلْفِ قِنَاع.
5. إنّنا نرفع نظرنا إلى مريم، إلى التي صنع الله فيها العظائم. ونسأل بإيمان: إذا كان الله قد صنع فيها هذا المجد كله، أفلا يستطيع أن يصنعه في هذا الوطن أيضًا؟ كما صنع هناك، يمكن أن يصنع هنا. كما بدّل التاريخ، يمكن أن يبدّل واقعنا. كما رفع، يمكن أن يرفع هذا الشعب من تعبه.
نعم، لقد صنع الله العظائم في هذا الوطن أيضًا، فكم من مرة بدا وكأنه يسقط، ثم عاد فقام، كم من مرة اقترب من الهاوية، فانتُشل منها، كم من مرة تهدّم، ثم نهض من تحت الأنقاض، لأن يد الله لم تتركه يومًا، ولأن العناية الإلهية بقيت ترافقه رغم كل شيء. وهكذا، كما صنع الله العظائم في مريم، لا يزال يصنعها في وطننا، يرفعه حين ينكسر، ويقيمه حين ينهار، ويعيد إليه الحياة من قلب الركام.
مريم هي أم الكنيسة، ومريم هي أم لبنان، هي التي تعرف وجع أبنائها، وترى خوفهم، وتسمع صلاتهم. وفي هذا الزمن، لا نكتفي بالكلام عنها، بل نلجأ إليها، ونتمسك بها، ونقول لها من أعماق قلوبنا: كفانا قلقًا… كفانا حيرة… كفانا انتظارًا بلا نهاية… أنت ملجأنا، إليك نتضرع، كوني معنا في هذا الليل الطويل، كوني في قلب هذا الوطن، كوني في قراراته، كوني في مستقبله.
لأننا، رغم كل شيء، لا نزال نؤمن… لا نزال نرجو… لا نزال ننتظر فجرًا جديدًا، فجرًا يولد من تعب هذا الشعب، ومن صبره، ومن إيمانه بأن الله، الذي صنع العظائم، لا يزال قادرًا أن يصنعها من جديد، هنا، في هذا الوطن، وفي حياة كل إنسان لا يزال يتمسك بالرجاء.
6. فلنصلِّ، أيها الإخوة والأخوات الأحبّاء: يا مريم، يا سيدة لبنان، يا أم الرحمة، يا أم الرجاء، نأتي إليك اليوم بقلوب مثقلة، لكن مملوءة إيمانًا. احمِ هذا الوطن، ثبّتي أبناءه، ارفعي عنه القلق، وأنيري دربه. يا من صنع الله فيك العظائم، اصنعي معنا طريق الخلاص، وكوني لنا الأم التي لا تترك، والنور الذي لا ينطفئ. بشفاعتك، نطلب سلامًا، نطلب ثباتًا، نطلب فجرًا جديدًا. لأننا نؤمن، أن الله لا يزال يصنع العظائم، واليوم… نرجو أن يصنعها في لبنان. له المجد والشكر، الآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين.
وكان رئيس المزار الأب خليل علوان ألقى كلمة ترحيبية في بداية القداس، استعاد فيها الذاكرة التأسيسية لهذا الصرح، مذكّرًا بأن البطريرك المكرّم مار الياس بطرس الحويك قد كرّسه في الثالث من أيار 1908، في احتفال مهيب جمع رجال الدولة والمؤمنين، ومنذ ذلك الحين غدا الأحد الأول من شهر أيار عيدًا لسيدة لبنان، تقليدًا ثابتًا "كالأرز"، لم تنل منه عواصف الزمن ولا مرارة الحروب. وأكد أن ترؤس البطريرك الراعي لهذه الذبيحة الإلهية بعد أكثر من قرن ليس مجرد إحياء لذكرى، بل تجديد لعهد الوفاء لمريم، التي بشفاعتها بسط الله جناح حمايته على لبنان، داعيًا إلى الصلاة لكي تجمع شمل القلوب وتزرع في النفوس روح التلاقي والمحبة".