الاحداث- احتفل البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، ، بقداس تجديد تكريس لبنان وبلدان الشرق الأوسط وبلدان الانتشار لقلب يسوع الأقدس وقلب مريم الطاهر، في بازيليك سيدة لبنان – حريصا، عاونه فيه لفيف من المطارنة والكهنة، وبمشاركة حشد كبير من المؤمنين الذين توافدوا للمشاركة في هذه المناسبة الروحية التي تحوّلت إلى محطة سنوية ثابتة في حياة الكنيسة المارونية ووجدان اللبنانيين.
وكانت بداية الاحتفال مع كلمة لرئيس مزار سيدة لبنان الأب خليل علوان،، رحّب فيها بالبطريرك والحضور، مؤكّدًا "أهمية هذا التقليد الروحي الذي يجدّد من خلاله اللبنانيون وأبناء بلدان الشرق الأوسط والانتشار عهدهم لقلب يسوع الأقدس وقلب مريم الطاهر، ويستودعون الله أوطانهم وشعوبهم في زمن تكثر فيه التحديات والمخاطر".
العطة
وبعد تلاوة الإنجيل المقدّس، ألقى البطريرك الراعي عظة بعنوان"الروح يعزّيكم ويعلّمكم ويذكّركم" (يو 14: 26)".
وقال فيها:"1. بهذه الكلمة المليئة رجاءً ونورًا، يهيّئ الرب يسوع تلاميذه لمسيرة الكنيسة بعد قيامته وصعوده، ويطمئنهم بأنهم لن يُتركوا وحدهم، بل إن الروح القدس، البارقليط، سيكون حاضرًا معهم، يعزّيهم في الشدائد، ويعلّمهم الحق، ويذكّرهم بكل ما يقوله للكنيسة.
إنه إنجيل الروح القدس الذي يقود الكنيسة، ويجعل كلمة المسيح حيّة في القلوب، ويحوّل الخوف إلى رجاء، والاضطراب إلى سلام، والحيرة إلى بصيرة. فالروح القدس هو حضور الله العامل في الكنيسة وفي العالم. في هذا الأحد المبارك، نكرّس لبنان وبلدان الشرق الأوسط وبلدان الانتشار لقلب يسوع الأقدس ولقلب مريم الطاهر.
2. نرحّب بكم جميعًا إخواني السادة المطارنة والكهنة والرهبان والراهبات، وجميع المؤمنين والمؤمنات الحاضرين معنا اليوم في هذا المزار المبارك، مزار سيدة لبنان في حريصا، الذي ترتفع منه الصلوات إلى الله من أجل السلام والخير في العالم. كما نحيّي الذين معنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
في مناسبة تكريس لبنان وبلدان الشرق الأوسط وبلدان الانتشار لقلب يسوع الأقدس ولقلب مريم الطاهر، نجدّد عهد الثقة والرجاء، ونسلّم أوطاننا وشعوبنا إلى قلب يسوع المفعم بالمحبة والرحمة، وإلى قلب مريم أمنا الحنون، سائلين الله أن يحفظ أوطاننا بنعمته ويغمرها بسلامه ووحدته. لكن يعتصر قلبنا دمًا على الدماء البريئةالتي تسقط يوميًّا وتغسل أرض الوطن. ونذكر من بينهم ضحايا الجيش اللبناني، العميد وسام صبره والنقيب إيلي الخوري والجندي حسين عبد العلي غزال، والدكتور جيمس كرم وابنته تيودوسيا وابنه طوني من بلدة القليعة الجريحة. إنّا نعزّي قيادة الجيش، ونصلّي لراحة نفوسهم وعزاء عائلاتهم.
3. يمارس الروح القدس أفعاله الثلاثة من خلال مواهبه السبع:
أ. الروح المعزّي يعطينا موهبة القوّة لمواجهة المحن والمعاكسات، الآتية من الداخل أو من الخارج. لا أحد منّا إلّا ويختبر الرياح المعاكسة في حياته وأعماله ومسؤولياته. وحده روح القوّةيشجّعنا على الصمود والصبر والرجاء.
ب. الروح المعلّم يمنحنا موهبة المشورة، في كلّ مرّة نتساءل عمّا يجب أن نفعل أو نقول؛ وموهبة العلم عندما نصمت ونتأمّل ونفكّر، باحثين عن حقيقة ما، وعن نور يقود معرفتنا؛ وموهبة الحكمةعندما تستدعي ظروف الحياة أن نتّخذ قرارًا أو موقفًا حاسمًا لقضيّة؛ وموهبة الفهم التي تعضد إيماننا، وتساعدنا في البحث عن جواب على تساؤلاتنا.
ج. الروح المذكِّر يفيض علينا موهبة التقوى في لقائنا مع الله عبر الليتورجيّا وأفعال العبادة، بحيث نتذكّر أنّ الرب هنا؛ وموهبة مخافة الله في علاقاتنا مع الناس، وفي تعاطينا شؤون العالم واستخدام خيراته، فنتمّمها وفقًا لمرضاة الله، مخافة الاساءة إليه وخسارة رضاه.
4. إنّ التكريس عمل كنسي وليتورجي بامتياز، لأن الليتورجيا هي المكان الذي تلتقي فيه الأرض بالسماء، والإنسان بالله، والتاريخ بالخلاص. ومن خلال هذا التكريس نعلن أن أوطاننا ليست خارج عناية الله، بل هي موضوعة في قلب عنايته ورحمته ومحبته.
فعندما نسلّم الوطن لقلب يسوع الأقدس، فإننا نعلن أننا نريد دولة تنبض بالحق والعدالة والرحمة والكرامة الإنسانية. وعندما نسلّم الوطن لقلب مريم الطاهر، فإننا نعلن أننا نريد دولة تحمي أبناءها، وتداوي جراحهم، وتحتضن ضعفهم، وتفتح أمامهم أبواب الرجاء.وعندما نسلّم الشرق الأوسط وبلدان الانتشار لهذين القلبين، فإننا نصلّي من أجل شعوب تتوق إلى الاستقرار، ومن أجل أجيال تبحث عن مستقبل آمن، ومن أجل إنسان يتطلع إلى حياة يسودها السلام والكرامة والاحترام المتبادل.
إنّ لبنان صاحب حضور في حقل الرسالة. فهو أكثر من أرض وحدود، وأكثر من دولة ومؤسسات، إنه رسالة حرية وكرامة وتعددية وعيش مشترك. هذه الرسالة لا تُصان إلا عندما يبقى أصحاب المسؤولية أوفياء لها، وأمناء على جوهرها، ومدركين حجم الأمانة الملقاة على عاتقهم. ولا يمكن أن يقوم لبنان بهذه الرسالة الفريدة، ما لم تعلنه الأمم المتّحدة دولة حياديّة بمفهومها الإيجابي الناشط.
5. تكريس لبنان وبلدان الشرق الأوسط وبلدان الانتشارلقلب يسوع الأقدس وقلب مريم الطاهر هو إعلان رجاء بأن هذه الأرض، مهما اشتدت عليها المحن، ليست متروكة لمصيرها، بل لها رب نرجع إليه، ولها أم نلجأ إليها، ولها قلبان لا يتوقفان عن النبض بالمحبة والرحمة والشفاعة.
ومن هنا نفهم أن التكريس هو مسيرة متواصلة من الإيمان والثقة والتجدد. إنه دعوة لأن تتجدد شعوبنا في الرجاء، وأن تستعيد أوطاننا رسالتها، وأن يبقى الإنسان في هذه المنطقة مؤمنًا بأن الله حاضر في تاريخه، ومرافق لمسيرته، وعامل في قلب معاناته. فحين نسلّم ذواتنا وأوطاننا لقلب يسوع الأقدس وقلب مريم الطاهر، نعلن أن الرجاء أقوى من اليأس، وأن المحبة أقوى من الكراهية، وأن نعمة الله تبقى أقوى من كل ما يواجهه الإنسان من صعوبات وتحديات.
6. وفيما تتواصل المفاوضات والمباحثات والاتصالات على أكثر من مستوى، تبقى الأنظار متجهة نحو أن تنجح هذه الجهود في فتح أبواب الحلول وإبعاد شبح الحرب والتصعيد والمواجهات والهدم والنزوح ووقوع الأبرياء. لقد سئمت الشعوب الحرب ولغة القوة والهيمنة. فالحرب لا تصنع سلامًا، ولا تبني أوطانًا، ولا تؤسس مستقبلًا. أما الرؤية الحكيمة، والقرار المسؤول، والإرادة الصلبة في البحث عن حلول عادلة ومستدامة، فهي التي تفتح الطريق أمام الاستقرار والأمن والازدهار.
في مناسبة هذا التكريس المبارك، نرفع صلاتنا لكي يستنير جميع المسؤولين والمفاوضين وأصحاب القرار، في الداخل والخارج، بنور الحقيقة والضمير والمسؤولية الوطنية، فيعملوا لما فيه خير الشعوب واستقرار الأوطان وصون كرامة الإنسان. إنّ هذا التكريس هو موقفإيمان في وجه اليأس، ورجاء في وجه الخوف، وإعلان بأن لهذه الأرض رسالة، ولهذا الوطن دورًا لا يُهمّش.
إننا نرجو أن تثمر المفاوضات الجارية نتائج ملموسة تقود إلى الاستقرار، وأن تتغلب لغة الحكمة على لغة التصعيد، لأن الشعوب لم تعد تحتمل المزيد من المعاناة. ويبقى تكريس لبنان والشرق الأوسط لقلب يسوع الأقدس وقلب مريم الطاهر تأكيدًا على أن هذا الوطن وهذه المنطقة ما زال لهما مكان في قلب الله، وما زالت لهما رسالة ينبغي أن تُحفظ وتُصان وتُستكمل.
7. فلنصلِّ، أيها الإخوة والأخوات الأحبّاء: أيها الرب يسوع، يا صاحب القلب الأقدس، نضع بين يديك لبنان وبلدان الشرق الأوسط وبلدان الانتشار، وكل إنسان يتألم، وكل عائلة تنتظر، وكل شاب يبحث عن مستقبل أفضل. ويا مريم العذراء، يا سيدة لبنان، يا أم الكنيسة وأم الرجاء، نكرّر اليوم عهدنا لك، ونجدّد ثقتنا بشفاعتك، ونضع أوطاننا وأبناءها تحت حمايتك. فاحفظي لبنان في رسالته، وثبّتي الشرق الأوسط في رجائه، وباركي أبناء الانتشار أينما وجدوا، ليبقوا شهودًا للمسيح وللكنيسة وللقيم التي حملوها معهم إلى العالم.
واجعل يا رب من هذا التكريس ينبوع نعمة جديدة لشعوبنا، ومن قلبك الأقدس وقلب أمك الطاهر ملجأً لكل متعب، وعزاءً لكل متألم، ورجاءً لكل من ينتظر فجرًا جديدًا من السلام والكرامة والاستقرار. لك المجد إلى الأبد، آمين."
وفي ختام الاحتفال، ألقى المطران نبيل الحاج كلمة شكر فيها صاحب الغبطة على تلبيته الدعوة السنوية للمشاركة في هذا الاحتفال، وعلى مواكبته الدائمة لهذه المسيرة الروحية. ثم وقف الجميع بخشوع للمشاركة في قراءة فعل التكريس، مجدّدين تسليم لبنان وبلدان الشرق الأوسط والانتشار إلى قلب يسوع الأقدس وقلب مريم الطاهر، في مشهد إيماني جامع ارتفعت فيه الصلوات من أجل السلام والرجاء والاستقرار.
وعند انتهاء القداس والاحتفال بالتكريس، حلّقت طوافة تابعة للجيش اللبناني فوق باحة مزار سيدة لبنان في حريصا، ونثرت الورود على المؤمنين المحتشدين في المزار، في مشهد احتفالي مفعم بالفرح والرجاء.
وقد شكّل هذا المشهد تعبيرًا رمزيًا عن البهجة الروحية التي رافقت تجديد تكريس لبنان والشرق الأوسط وبلدان الانتشار لقلب يسوع الأقدس وقلب مريم الطاهر، فيما ارتفعت القلوب بالصلاة والشكر، متشبثةً برجاءٍ لا تُطفِئُه العواصف، ومجدّدةً إيمانها بأنّ لبنان سيبقى أرض رسالةٍ وشهادةٍ وحضور، مهما اشتدّت التحديات وتعاظمت المحن.
وفي لحظةٍ اتّسمت بالخشوع والرجاء، بدا فعل التكريس أكثر من صلاة جماعية، إذ شكّل إعلانًا متجدّدًا للثقة بالله وسط التحوّلات التي تعصف بالمنطقة، وتأكيدًا على أن لبنان مدعوّ إلى البقاء وطن الرسالة والحرية والشهادة للعيش المشترك. ومن حريصا، حيث ترتفع الصلاة على مرأى البحر والجبل، تجدّد الوعد بأن يبقى الرجاء أقوى من الخوف، وأن تظلّ رسالة لبنان الروحية والإنسانية شعلة نورٍ لا تنطفئ في الشرق والعالم.