الاحداث - احتفل البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، بالقداس الإلهي عند الساعة العاشرة من قبل ظهر اليوم الأحد في الصرح البطريركي في الديمان، عاونه فيه المطران جوزيف نفاع، النائب البطريركي على منطقتَي الجبة وزغرتا، والمطران الياس نصار، النائب البطريركي في بكركي، والأب فادي تابت، أمين السر العام للبطريركية المارونية، والخوري كميليو مخايل، أمين السر الخاص، ولفيف من الكهنة.
وبعد تلاوة الإنجيل المقدس، ألقى البطريرك الراعي عظة انطلق فيها من كلام الرب يسوع عن المرأة الخاطئة: «غُفِرَت خطاياها الكثيرة، لأنها أحبّت كثيرًا» (لو 7: 47)، جاعلًا من المحبة والتوبة والغفران مدخلًا لقراءة روحية ووطنية عميقة، تنتقل من الإنسان الذي تعيده الرحمة إلى كرامته، إلى لبنان الذي لا يمكن أن يستعيد ذاته إلا إذا تحولت محبته من شعار إلى مسؤولية وفعل.
«غُفرت خطاياها الكثيرة لأنها أحبّت كثيرًا»: المحبة التي تعيد خلق الإنسان
استهلّ البطريرك الراعي عظته بالتوقف عند المشهد الإنجيلي الذي يجمع يسوع وسمعان الفريسي والمرأة الخاطئة. فالمرأة التي كانت معروفة في المدينة بخطيئتها لم تدخل بيت سمعان حاملة تبريراتها، ولم تحاول الدفاع عن ماضيها، بل حملت توبتها في أفعال صامتة: غسلت قدمَي يسوع بدموعها، ومسحتهما بشعر رأسها، وقبّلتهما ودهنتْهما بالطيب.
وهنا وضع البطريرك الإصبع على جوهر التحول الإنجيلي: سمعان رأى الخطيئة، والمرأة رأت حاجتها إلى الرحمة، أما يسوع فرأى الإنسان التائب.
إنها ثلاث نظرات إلى الشخص نفسه، ولكنها تكشف ثلاثة مواقف مختلفة من الإنسان. فهناك من يختصر الآخر بماضيه وخطيئته وسقوطه، وهناك من يكتشف فقره وحاجته إلى الغفران، وهناك نظرة المسيح التي لا تنكر الخطيئة، لكنها لا تسمح للخطيئة بأن تكون الكلمة الأخيرة في حياة الإنسان.
المسيح لا يبرّر الخطيئة بل يخلّص الخاطئ
وشدّد الراعي على أن المرأة في الإنجيل لم تنطق بكلمة. دموعها كانت خطابها، وأفعالها كانت اعترافها، ومحبتها كانت تعبيرًا عن توبتها. فهي لم تقل إنها نادمة، بل أظهرت ندامتها؛ ولم تقل إنها تحب، بل أحبّت بالفعل.
وفي ذلك تبرز إحدى الأفكار اللاهوتية الأساسية في العظة: رحمة الله لا تعني التساهل مع الشر، بل تعني فتح المستقبل أمام الإنسان الذي يريد أن يتغيّر.
فالمسيح لم يقل للمرأة إن خطيئتها غير موجودة، ولم يحوّل الخطأ إلى صواب، لكنه رفض في الوقت نفسه أن تُختصر كرامتها الإنسانية بتاريخ خطاياها. ولذلك أعاد إليها مكانتها أمام الجميع، وقال لها: «إيمانك خلّصك، اذهبي بسلام» (لو 7: 50).
الغفران، بهذا المعنى، ليس محوًا شكليًا للماضي، بل ولادة لمستقبل جديد. والله لا يجمّد الإنسان في الصورة التي كان عليها، بل ينظر أيضًا إلى ما يستطيع بنعمته أن يصير إليه.
بين ذاكرة الناس وذاكرة الله: النعمة ترسم إنسانًا جديدًا
ومن أجمل المعاني التي أبرزتها العظة أن البشر كثيرًا ما يحفظون للآخر أخطاءه ويضعونه في صورة قديمة لا يسمحون له بالخروج منها، فيما تكون نعمة الله قد بدأت بالفعل ترسم فيه إنسانًا جديدًا.
وهنا تصبح الرحمة فعل تحرير. فالمغفرة الحقيقية، كما أوضح البطريرك، تحرّر الإنسان لكي يقوم ويتغيّر ويبدأ من جديد. ومن يلتقي المسيح حقًا لا يستطيع أن يخرج من اللقاء كما دخل إليه.
ومن هنا أيضًا نفهم عبارة المسيح: «اذهبي بسلام». فالسلام ليس مجرد شعور داخلي بالراحة، بل هو ثمرة مصالحة عميقة: مصالحة الإنسان مع الله، ومع ذاته، ومع تاريخه، ومنها تبدأ قدرته على المصالحة مع الآخرين.
من محبة المرأة للمسيح إلى محبة اللبناني لوطنه
ومن قلب النص الإنجيلي انتقل البطريرك الراعي إلى الشأن الوطني، رابطًا بين قول المسيح «لأنها أحبّت كثيرًا» وبين حاجة لبنان اليوم إلى محبة حقيقية تنقذه.
فالوطنيّة، في منطق العظة، ليست عاطفة موسمية، ولا خطابًا سياسيًا، ولا شعارات تُرفع عند الأزمات. إن محبة لبنان مسؤولية. ومن يحب وطنه حقًا يعمل لخلاصه.
وهنا طرح الراعي المعيار الحاسم: كما أن المرأة لم تقل ليسوع إنها تحبه بل عبّرت عن محبتها بالأفعال، كذلك يحتاج لبنان اليوم إلى أشخاص يبرهنون محبتهم له بالأفعال.
فمحبة الوطن تعني أن نريده وطنًا كاملًا لجميع أبنائه، لا حصة لطائفة ولا ملكًا لفريق. وتعني تقديم المصلحة العامة على المصالح الخاصة، وصون المؤسسات والمال العام، واحترام القوانين، ورفض الفساد، وعدم جعل الطائفة أكبر من الوطن أو الحزب أقوى من الدولة.
وهكذا نقل البطريرك كلمة «المحبة» من معناها العاطفي إلى معناها الأخلاقي والسياسي: أن تحب لبنان يعني أن تتحمل مسؤولية لبنان.
«لا الطائفة أكبر من الوطن ولا الحزب أقوى من الدولة»
وفي هذا السياق جاءت إحدى أكثر عبارات العظة وضوحًا في تحديد مفهوم الدولة: محبة لبنان تعني «أن نصون مؤسساته وماله العام، ونحترم قوانينه، ونرفض الفساد، ولا نجعل الطائفة أكبر من الوطن، ولا الحزب أقوى من الدولة، ولا المصلحة الخاصة فوق المصلحة العامة».
إنها ليست مجرد سلسلة مواقف سياسية، بل رسم لمعادلة وطنية متكاملة: الوطن فوق العصبيات، والدولة فوق الأحزاب، والقانون فوق المصالح، والمصلحة العامة فوق الحسابات الخاصة.
ومن هنا يصبح الخلل في الدولة، وفق منطق العظة، خللًا أيضًا في معنى المحبة الوطنية. فلا يستطيع المرء أن يعلن محبته للبنان ثم يضعف مؤسساته أو يستبيح قانونه أو يقدّم مصلحته الفئوية عليه.
حصرية السلاح بيد الدولة: شرعية واحدة لا مواجهة بين اللبنانيين
وتوقف البطريرك الراعي بصورة مباشرة عند مسألة حصرية السلاح بيد الدولة، مشددًا على وجوب ألا تتحول هذه القضية إلى مواجهة بين اللبنانيين أو إلى مادة لإثارة الشارع والانقسام الطائفي.
ووضع المسألة في إطارها المؤسساتي، معتبرًا أنها تتصل بقيام الدولة نفسها ووحدة مرجعيتها، وبأن يعيش جميع اللبنانيين تحت شرعية واحدة ومؤسسات واحدة.
فالدولة، بحسب العظة، لا تُبنى بمنطق الغلبة ولا بهزيمة شريك، بل «باجتماع الشركاء جميعًا تحت سقفها». ومن هنا فإن حصرية السلاح ليست دعوة إلى صراع داخلي، بل دعوة إلى استكمال مفهوم الدولة التي تكون وحدها المرجعية الجامعة والحاضنة لجميع أبنائها.
المفاوضات والمساعي: اللبنانيون ينتظرون نتائج تحفظ الحقوق
وفي قراءته للواقع الوطني، عبّر البطريرك عن تطلع اللبنانيين إلى أن تخرج المفاوضات والمساعي من دائرة الانتظار، وأن تبلغ نتائج تحفظ حقوق لبنان، وتوقف الاعتداءات، وتؤدي إلى الانسحاب من أرضه، وتعيد إليه الأمن والاستقرار.
وبذلك ربط بين السيادة والسلام. فالسلام الذي ينشده لبنان ليس تنازلًا عن حقوقه، كما أن السيادة ليست دعوة إلى الحرب، بل المطلوب أن يستعيد لبنان حقه في الأمن والاستقرار وفي ممارسة سيادته على أرضه.
الجيش اللبناني: المؤسسة الوطنية الجامعة وحصن الوطن
وأعطى البطريرك الراعي موقعًا أساسيًا للجيش اللبناني، واصفًا إياه بأنه «المؤسسة الوطنية الجامعة»، الحاملة أعباء حماية الأمن والاستقرار وبسط سلطة الشرعية.
ومن هنا دعا الدول إلى تسليحه بما يلزم، لكي يستحق الالتفاف الوطني حوله، ويبقى حصن الوطن ومؤسساته.
فالجيش في رؤية العظة ليس مؤسسة لفئة أو منطقة أو طائفة، بل نقطة اجتماع اللبنانيين حول الشرعية. وتقوية الجيش، بالتالي، هي تقوية للدولة نفسها ولقدرتها على حماية جميع أبنائها بلا تمييز.
الجنوب: لا يجوز أن يبقى أرض انتظار وألم
وخصّ الراعي الجنوب بكلام حمل بُعدًا إنسانيًا ووطنيًا واضحًا، رافضًا أن يبقى «أرض انتظار وألم». فأهله يريدون العودة إلى قراهم وبيوتهم، والأرض تريد أبناءها، والمناطق المتضررة تنتظر إعادة الإعمار واستعادة الحياة.
وشدّد على أن أي تسوية تفقد معناها إذا لم يشعر الإنسان بالأمان فوق أرضه، وإذا لم يستعد لبنان سيادته على كامل ترابه.
فالسيادة هنا ليست مفهومًا دستوريًا مجردًا؛ إنها حق المواطن في أن يعود إلى منزله، وأن يعيش في قريته، وأن يشعر بالأمان، وأن يرى الحياة تعود إلى أرضه.
حياد لبنان الفاعل: وطن لقاء لا ساحة مواجهة
وجدّد البطريرك الراعي الدعوة إلى حياد لبنان الفاعل الذي يحميه من صراعات المحاور ويصون قراره الحر، من دون أن ينتقص ذلك من حقه في الدفاع عن أرضه وسيادته.
وأوضح أن لبنان مدعو لأن يبقى «وطن لقاء لا ساحة مواجهة، وجسر حوار لا ميدانًا لصراعات الآخرين».
وهذه الرؤية للحياد لا تعني الانعزال عن قضايا المنطقة أو التخلي عن السيادة، بل تحرير القرار اللبناني من الارتهان إلى الصراعات الخارجية، لكي يستطيع لبنان أن يؤدي رسالته التاريخية كمساحة لقاء وتعدد وحوار.
من غفران الإنسان إلى خلاص الوطن: المحبة الصادقة تفتح طريق النجاة
وهكذا عادت العظة في نهايتها إلى نقطة انطلاقها. فإذا كانت المحبة في الإنجيل قد فتحت أمام المرأة باب الخلاص، فإن محبة لبنان الصادقة قادرة على أن تفتح أمام الوطن طريق النجاة.
إنها البنية العميقة التي تجمع القسمين الروحي والوطني من العظة: المرأة خرجت من أسر ماضيها عندما التقت الرحمة وأحبّت كثيرًا، ولبنان يستطيع أن يخرج من أسر أزماته عندما تصبح محبته فعلًا حقيقيًا يتجاوز الطوائف والأحزاب والمصالح.
فالخلاص، على المستوى الروحي والوطني معًا، يبدأ عندما يتغير القلب، وحين يتغير القلب تتغير النظرة، وحين تتغير النظرة يصبح ممكنًا بناء علاقة جديدة مع الآخر ومع الوطن.
«أعطنا أن نحب كثيرًا»
واختتم البطريرك الراعي عظته بصلاة تختصر رسالتها الروحية والوطنية، متوجهًا إلى الله كي يفتح القلوب للمحبة، ويعلّم الجميع الغفران لأنهم اختبروا غفرانه، ويحفظ لبنان وأهله، ويجمع أبناءه على الخير والحق والسلام.
وهكذا تتحول عبارة الإنجيل «لأنها أحبّت كثيرًا» إلى نداء يتجاوز قصة المرأة الخاطئة ليطال كل إنسان وكل مسؤول وكل مواطن: فلبنان لا يحتاج فقط إلى من يتكلمون عنه كثيرًا، بل إلى من يحبونه كثيرًا؛ ومحبة الوطن، كما أراد الراعي أن يقول، لا تُقاس بما نقوله له، بل بما نحن مستعدون لأن نفعله من أجله.
ومن الديمان ارتفع النداء واضحًا: حين تصبح محبة لبنان فعلًا لا قولًا، وحين تجتمع إرادات اللبنانيين تحت سقف دولة واحدة وشرعية واحدة ومؤسسات واحدة، يصبح الخلاص الوطني ممكنًا، ويستطيع وطن الأرز أن ينتقل من زمن الانتظار والألم إلى زمن الدولة والسلام والرجاء.