Search Icon

الراعي من الديمان: لبنان لا ينهض بانتصار فريق على فريق... حصر السلاح بيد الدولة والحياد والعدالة طريق استعادة الوطن

منذ 53 دقيقة

سياسة

الراعي من الديمان: لبنان لا ينهض بانتصار فريق على فريق... حصر السلاح بيد الدولة والحياد والعدالة طريق استعادة الوطن

الاحداث-  احتفل  البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، بالقداس الإلهي صباح الأحد  في الصرح البطريركي الصيفي في الديمان، عاونه فيه الأب فادي تابت، أمين السر العام في البطريركية المارونية، والخوري خليل عرب رئيس الديوان في الديمان، والخوري كاميليو مخايل، أمين السر الخاص.
وبعد تلاوة الإنجيل المقدس، ألقى البطريرك الراعي عظة انطلق فيها من قول المسيح: «كل من يرفع نفسه يواضَع، ومن يواضع نفسه يُرفع» (لو 18: 14)، متوقفًا عند مثل الفرّيسي والعشّار، قبل أن ينتقل إلى الشأن الوطني، حيث رسم مجموعة من الثوابت التي اعتبرها ضرورية لاستعادة الدولة وسيادتها وإنقاذ اللبنانيين من أزماتهم.
الصلاة الحقيقية: قلب متواضع يعرف حاجته إلى الله
وفي البعد الروحي، توقف الراعي عند المفارقة بين الفرّيسي والعشّار: فالفرّيسي لم تكن مشكلته في صيامه وصلاته وعطائه، وهي أعمال صالحة، بل في أنه جعل من صلاحه سببًا ليرفع نفسه فوق الآخرين ويدينهم، فيما وقف العشّار أمام الله بقلب منكسر، معترفًا بضعفه وحاجته إلى الرحمة، مكتفيًا بالقول: «اللهم ارحمني أنا الخاطئ».
وأكد أن الصلاة الحقيقية ليست مناسبة يخبر فيها الإنسان الله كم هو صالح، بل لحظة يكتشف فيها كم هو بحاجة إليه. وهي تبدأ بالتسبيح والشكر لله على عطاياه، وتتحول إلى تشفّع من أجل المرضى والمتألمين والفقراء والعائلات التي تعيش الضيق والشباب القلقين على مستقبلهم، ثم إلى رفع حاجات الإنسان اليومية إلى الله بثقة الأبناء، من دون فرض الإرادة عليه، بل بالتسليم لمشيئته.
ومن هذا التواضع أمام الله انتقل البطريرك إلى التواضع أمام الوطن، معتبرًا أن ما يصح في الحياة الروحية يصح أيضًا في ممارسة المسؤولية: فالإنسان يفسد علاقته بالله عندما يرفع نفسه فوق أخيه، والمسؤول يهدد الدولة عندما يرفع مصلحة فريقه فوق المصلحة الوطنية.
التواضع الوطني: لبنان ليس ملكًا لفريق
وفي صلب الشق الوطني من عظته، دعا الراعي إلى ما سمّاه «التواضع الوطني»، معتبرًا أنه يبدأ بأن يعترف الجميع بأن لبنان ليس ملكًا لفريق، وأن لا أحد يملك وحده حق تقرير مصيره.
وشدد على أن الدولة ليست غنيمة، والسلطة ليست امتيازًا، والموقع العام ليس وسيلة لتكبير الأشخاص، بل أمانة لخدمة الناس، مؤكدًا أن لبنان لا يمكن أن يستعيد عافيته إلا من خلال مرجعية وطنية واحدة وقرار سيادي واحد.
وقال إن «لبنان لا ينهض عندما ينتصر فريق على فريق، بل عندما ينتصر الجميع للدولة»، مشددًا على أن الوطن لا يُبنى بمنطق الغلبة، بل بالشراكة واحترام القانون وتقديم المصلحة العامة على الحسابات الخاصة.
حصر السلاح بيد الدولة وقرار سيادي واحد
ورأى البطريرك الراعي أن استعادة الدولة لدورها تقتضي أن يكون السلاح بيد الدولة وحدها، لأنها لا تستطيع أن تحمي مواطنيها أو تطلب احترام سيادتها إذا كان القرار موزعًا بين مرجعيات متعددة.
ودعا إلى أن يتم هذا المسار بالحكمة والمسؤولية، بعيدًا عن التحريض والفتنة، وبما يحفظ كرامة جميع اللبنانيين، بحيث لا يكون الهدف انتصار فريق على آخر، بل انتصار منطق الدولة ومؤسساتها وسيادتها.
الجنوب ليس ورقة للمساومة: وقف الاعتداءات وانسحاب إسرائيل وعودة الأهالي
وتناول الراعي ملف الجنوب، مؤكدًا أن المفاوضات لا يجوز أن تبقى جولات بلا نتيجة، وأن المطلوب هو وقف الاعتداءات، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، وضمان أمن المواطنين وحقهم في العودة إلى قراهم وبيوتهم.
وأكد أن الجنوب ليس ورقة تُستعمل في الحسابات، بل أرض لبنانية وأهله لهم حق ثابت في الأمان والحياة وإعادة الإعمار، رافضًا أن يبقى الجنوبيون أسرى الانتظار أو أن تتحول معاناتهم إلى مادة للمساومة.
جيش قوي يحمي الدولة والسيادة
وشدد الراعي على أن لبنان يحتاج إلى جيش لا تقتصر مهمته على حماية الحدود، بل تشمل حماية معنى الدولة نفسها، على أن يكون حاضرًا حين تكون الدولة في خطر، وحازمًا حين يُهدد الوطن، ومسندًا بإرادة سياسية لا تتركه وحيدًا أمام الأخطار.
وأكد أن «الدولة التي لا يملك جيشها الكلمة الفصل في حماية أرضها تبقى دولة ناقصة السيادة»، رابطًا بذلك بين وحدة القرار الوطني وقدرة المؤسسة العسكرية على ممارسة مسؤوليتها كاملة في حماية الأرض والشعب.
الحياد لحماية لبنان من صراعات الآخرين
وجدّد البطريرك الراعي موقفه الداعي إلى حياد لبنان عن صراعات الآخرين، موضحًا أن الحياد ليس انسحابًا من القضايا الوطنية ولا تخليًا عن الحقوق، بل رفض لتحويل لبنان إلى ساحة لصراعات ومحاور إقليمية ودولية.
واعتبر أن الحياد يشكل طريقًا إلى استعادة القرار الحر، وحفظ العلاقات مع الجميع، وإبقاء لبنان وطنًا لا جبهة مفتوحة، بما يتيح للدولة أن تستعيد سيادتها وأن تتخذ قراراتها انطلاقًا من المصلحة اللبنانية.
«لبنان لا ينهض عندما ينتصر فريق على فريق»
وفي خلاصة وطنية جامعة، أكد الراعي أن «لبنان لا ينهض عندما ينتصر فريق على فريق، بل عندما ينتصر الجميع للدولة»، وأن الوطن لا يُبنى بمنطق الغلبة، وإنما بالشراكة واحترام القانون وتقديم المصلحة العامة على الحسابات الخاصة.
وربط البطريرك هذا الموقف بجوهر الإنجيل الذي انطلقت منه العظة، معتبرًا أن التواضع الوطني ليس ضعفًا أو تنازلًا، بل شجاعة في الاعتراف بأن لبنان أكبر من أي شخص أو حزب أو جماعة، وأن الدولة وحدها هي المساحة المشتركة التي تحمي الجميع من دون استثناء.
العفو العام: فرصة للمصالحة وتضميد الجراح
وفي الشأن الداخلي، أعرب الراعي عن رجائه في توقيع قانون العفو العام، معتبرًا إياه فرصة لفتح صفحة جديدة عنوانها العدالة والمصالحة والسلام.
وأكد أن العفو، إذا اقترن بالحق والعدالة، لا يكون مجرد إسقاط للعقوبة، بل خطوة نحو تضميد الجراح وإعادة بناء الثقة ومنح من يستحق فرصة جديدة للعودة إلى المجتمع والحياة، على أن تُصان في الوقت نفسه كرامة الإنسان وحقوق المتضررين.
وأمل في أن يفتح القانون بابًا لمزيد من المصالحات، وأن يساعد على طي صفحات الألم والانقسام، بروح تحفظ كرامة الإنسان وتصون حقوق المتضررين وتضع مصلحة لبنان ووحدته فوق كل اعتبار.
الراعي ينقل صرخة الناس: لبنان يحتاج دولة وعدالة ومحاسبة
ونقل البطريرك الراعي في عظته جانبًا من الوجع المعيشي الذي يعبّر عنه اللبنانيون، محذرًا من أن البلاد وصلت إلى مرحلة «ما عاد فيها الصمت مقبولًا».
وتحدث عن الغلاء والفقر والمرض، وعن عائلات تكافح لتأمين أبسط مقومات الحياة، فيما تزيد أعباء الكهرباء والمولدات والفواتير من معاناة المواطنين.
وحذّر في المقابل من «الفساد والإهمال وغياب المحاسبة» التي تفتك بالبلاد يومًا بعد يوم، مؤكدًا أن اللبنانيين يحتاجون إلى صوت قوي يقف إلى جانبهم ويقول الحقيقة «بلا خوف ولا مجاملة».
وشدد في هذا السياق على أن «لبنان لا يحتاج شفقة، بل يحتاج دولة وعدالة ومحاسبة»، ناقلًا صرخة المواطنين ورجاءهم بأن يبقى وجع اللبناني أولوية.
من منبر الديمان: الخلاص يبدأ بانتصار الدولة
وهكذا جمع البطريرك الراعي في عظته بين تواضع العشّار أمام الله والتواضع المطلوب من الجميع أمام مصلحة الوطن، لينقل الرسالة الإنجيلية من الضمير الفردي إلى المسؤولية الوطنية. فكما أن الصلاة تفقد معناها عندما تتحول إلى تمجيد للذات، تفقد السياسة معناها عندما تصبح وسيلة لتغليب فريق أو مصلحة على الدولة.
ومن منبر الديمان، وضع الراعي معادلة وطنية متكاملة تقوم على دولة واحدة وقرار سيادي واحد، وحصر السلاح بيدها، وجيش يمتلك الكلمة الفصل في حماية الأرض، وانسحاب إسرائيل وعودة أهل الجنوب، وحياد يحمي لبنان من صراعات الآخرين، وعدالة ومحاسبة ومصالحة تعيد الثقة بين اللبنانيين.
واختتم الراعي عظته بالصلاة من أجل لبنان قائلًا: «يا رب، علّمنا الصلاة بتواضع، والعمل بمحبة. احفظ لبنان، وارفعه بالحق والسلام. لك المجد والشكر إلى الأبد، آمين».ًً