الأحداث – ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، اليوم السبت، الاحتفال الرسمي بتطويب البطريرك مار الياس بطرس الحويّك في الصرح البطريركي في الديمان، بحضور رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون والسيدة الأولى، ورئيس مجلس الوزراء القاضي نواف سلام وعقيلته، والموفد البابوي الكاردينال مارتشيلّو سيميرارو، إلى جانب البطاركة ورؤساء الكنائس الشرقية وشخصيات رسمية ودينية وحشد من المؤمنين.
واستهلّ الراعي عظته بالترحيب بالرئيس عون بعد عودته من زيارته الرسمية إلى الولايات المتحدة الأميركية، معربًا عن شكره لله على “علامات نجاحها من كل جوانبها”، ومصلّيًا أن تتحقق تطلعات اللبنانيين في الاستقرار والنهوض الاقتصادي وإعادة الإعمار، وأن يُنفّذ اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل بما يضمن سيادة لبنان الكاملة واستقلاله وتحرير أرضه وإرساء سلام عادل وشامل.
وأكد أن تطويب البطريرك الحويّك يشكّل “يومًا يُكتب بأحرف من ذهب ونور في سجل الكنيسة”، معتبرًا أن القداسة هي عطية إلهية لمن عاش الإنجيل بأمانة، وأن الحويّك كان “أبًا وراعيًا ورجلًا من رجال العناية الإلهية”.
وتوقف الراعي عند محطات أساسية في حياة البطريرك الحويّك، مشيدًا بدوره خلال المجاعة الكبرى، ودفاعه عن قضية لبنان في مؤتمر السلام في باريس، وإسهامه في قيام دولة لبنان الكبير، فضلًا عن جهوده في تطوير المؤسسات الكنسية والتربوية والاجتماعية، وتأسيس جمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات، وإنشاء مزار سيدة لبنان في حريصا.
وختم الراعي بالتأكيد أن الكنيسة، برفعها الحويّك إلى مصاف الطوباويين، تقدّمه نموذجًا للإيمان وخدمة الإنسان والوطن، داعيًا اللبنانيين إلى الاقتداء بمسيرته في بناء الإنسان وترسيخ قيم الرجاء والمحبة.
وفي ما يلي النص الكامل لعظة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي كما وردت:
1. يسعدني أن أرحّب بكم، فخامة الرئيس، بعد عودتكم من الزيارة الرسمية إلى الولايات المتّحدة الأميركية، بدعوة من الرئيس الأميركي Donald Trump. نشكر الله على علامات نجاحها من كل جوانبها. ونسأل الله، بشفاعة الطوباوي الجديد البطريرك مار الياس بطرس الحويّك، أن يحقّق أمنياتكم لخير لبنان واستقراره ونموّه الاقتصادي والمالي، وإعادة إعماره، ولتنفيذ اتّفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل بحيث يضمن سيادة لبنان على كامل أراضيه، واستقلاله التام، وتحريره الكامل، وسلامه الدائم والعادل والشامل.
لقد أتيتم مع دولة رئيس مجلس الوزراء القاضي نوّاف سلام وعقيلته، ومع أصحاب الغبطة البطاركة رؤساء الكنائس الشرقية، وأصحاب السيادة السفير البابوي والمطارنة، والرؤساء العامين والرئيسات العامات، وأصحاب المعالي الوزراء والسعادة النواب والعماد قائد الجيش وسائر المقامات، وهذا الشعب المؤمن المتوافد من لبنان والنطاق البطريركي وبلدان الانتشار.
أتيتم جميعًا لتحتفلوا بعمل الله في إنسانٍ سلَّم ذاته كلَّها للعناية الإلهية، حتى صار علامةً مضيئة في تاريخ الكنيسة والوطن. اليوم، لا نرفع إنسانًا إلى مجدٍ أرضي، بل نشهد للمجد الذي صنعه الله فيه، لأن القداسة ليست تكريمًا تمنحه الأرض، بل عطية يمنحها الله لمن عاش الإنجيل بأمانةٍ حتى النهاية. إنه يومٌ من الأيام التي تُكتب بأحرفٍ من ذهب ونور في سجلّ الكنيسة، ويُحفظ صداه في ذاكرة لبنان. "فمجد لبنان أُعطيَ له" (آشعيا 35: 2).
2. في هذا الصرح البطريركي، في الديمان، الذي شيّده البطريرك الطوباوي مار الياس بطرس الحويّك، سنة 1905، والذي عرف خطواته وسمع صلاته وشهد دموعه، وواكب جهاده، نلتقي اليوم لنعلن بفرحٍ وابتهاج أن الكنيسة قد رفعته إلى مصاف الطوباويين، بعد أن عرفه المؤمنون منذ زمنٍ طويل أبًا، وراعيًا، وشفيعًا، ورجلًا من رجال العناية الإلهية.
إنها لحظة شكرٍ وتسبيح، نمجّد بها الله الذي يعمل في قديسيه، ويقيم في كل عصر شهودًا لإنجيله، يضيئون دروب الشعوب، ويتركون للأجيال إرثًا من الإيمان والرجاء والمحبة.
3. في هذا الاحتفال التاريخي، يطيب لنا أن نرحب، باسم الكنيسة المارونية، بصاحب النيافة الكاردينال مارتشيلّو سيميرارو، الموفد الشخصي لقداسة البابا لاون الرابع عشر ليعلن البطريرك الياس الحويّك طوباويًّا، ويكتب اسمه بين الطوباويين في سجلّ الكنيسة الجامعة. إنه يأتي حاملًا إلينا محبة الأب الأقدس، ومشاركًا إيانا فرحة هذا اليوم المبارك.
صاحب النيافة، إن حضوركم بيننا، هو علامة الشركة العميقة التي تربط الكنيسة المارونية بكنيسة روما، وهو عربون محبة وتقدير من قداسة البابا لاون لكنيستنا، التي ظلّت، عبر تاريخها، ثابتة في أمانتها للإيمان الكاثوليكي، وشاهدةً للمسيح في هذا الشرق العزيز.
4. فهنيئًا لكنيستنا المارونية وللموارنة في لبنان والنطاق البطريركي وبلدان الانتشار. وهنيئًا للكنيسة الجامعة. هنيئًا لجمعية راهبات العائلة المقدّسة المارونيات، بنات الطوباوي البطريرك الحويّك. هنيئًا للبنان الذي أنجب هذه القامة الروحية والوطنية. لأن الله شاء أن يشرق من هذه الأرض رجلٌ عاش بشعارٍ واحد: "إلهي رضاك"، فجعل الله من رضاه مجدًا للكنيسة، وبركةً للبنان، ورجاءً للأجيال.
5. في تاريخ الكنيسة رجال كثيرون، وفي تاريخ لبنان رجال عظام، أما البطريرك الياس بطرس الحويّك، فقد جمع في شخصه سهر الراعي، وحكمة القائد، وقلب الأب، وإيمان القديس.
كان رجل الله، محورِ حياته، وغايةِ رسالته، ومصدر قوته. عاش شعاره الشهير: «إلهي رضاك»، فلم يطلب يومًا مجدًا لنفسه، بل مجد الله وخير الإنسان، ممتلئًا رحمة بلا حدود. فما من قرار اتخذه إلا وكان ثمرة صلاة، وما من موقف وقفه إلا وكان منطلقه الضمير والإيمان، ومرتكزه الاستقامة والعدالة والتواضع.
وكان رجل العناية الإلهية. آمن بأن الله يقود الكنيسة والشعوب، فلم يعرف اليأس، حتى في أصعب المراحل. وعندما ضربت المجاعة لبنان، لم يقف متفرجًا على آلام الناس، بل فتح سنة 1916 أبواب الديمان وبكركي والأديار أمام الجائعين والمحتاجين، حتى رهن بعض أملاك البطريركية، وعندما سُئل عمّن يعوّض، كان يجيب بثقة المؤمن: «الله يدبّر.» فلُقّبَ ببطريرك الفقراء والمظلومين.
وكان رجل الرؤية والوطن. رأى لبنان رسالة قبل أن يكون كيانًا، وآمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة فيه. فلمّا باء بالفشل الوفد اللبناني الأول إلى مؤتمر الصلح في باريس، اجتمع اللبنانيون من جميع الطوائف في بكركي وبايعوا البطريرك لرئاسة الوفد الثاني في 15 تموز 1919، ثمّ عاد وأرسل الوفد الثالث برئاسة نائبه البطريركي العام المطران عبدالله خوري. وهكذا حمل قضية لبنان إلى مؤتمر السلام في باريس، ودافع عن حق شعبه في الحرية والكرامة، واستعاد الأراضي التي سلختها عنه السلطنة العثمانية، حتى استحق أن يُلقَّب بحق بطريرك لبنان الكبير، وأن يُذكر اسمه بين الذين أسهموا في ولادة الدولة اللبنانية الحديثة. قال فيه أحد المسلمين وزير سابق: "قداسته ثابتة بمعجزتين: الأولى، إنشاء الكيان اللبناني الذي انتزعه من أحشاء الاتفاق الفرنسي – الإنكليزي؛ والثانية، صمود هذا الكيان على مدى قرن ونيّف حتّى يومنا" (رشيد درباس، مقال في جريدة الدستور 19 تموز 2026: قداسته ثابتة بمعجزتين: إنشاء الكيان وصموده).
وفي سنة 1926 وافق البطريرك على الدستور ووضع فلسفته، وهي: التآلف في الاختلاف، وضرورة حماية الذاتيات والخصوصيات لكلّ المكوّنات اللبنانية. أعني النظام الطائفي كنظام إشراكي لمكوّنات متباينة، تعاهدت على العيش السلمي معًا في تآلف الاختلاف، في دولة ديمقراطية توافقية (الأب البروفيسور جورج حبيقة، محاضرة: "لبنان الكبير وفلسفة تآلف الاختلاف في الفكر السياسي للبطريرك الياس الحويّك").
وكان رجل الكنيسة. فعمل على نهضتها الروحية والتربوية والاجتماعية. فأسّس جمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات (1895)، إيمانًا منه بأن التربية والرسالة وجهان لأيقونة واحدة. وشجّع المدارس والإرساليات وأعمال الرحمة، لأن الكنيسة في نظره ليست مؤسسةً تحفظ الماضي، بل أمٌّ تبني المستقبل.
وأسّس وكالة بطريركية في باريس (1890)، والمدرسة المارونية في روما (1891)، والنيابة البطريركية في مصر (1904) التي أصبحت أبرشية قائمة بذاتها، والنيابة البطريركية في القدس (1893). في عهده تمّ تطويب الإخوة المسابكيين الثلاثة الشهداء (1925)، وفتح دعوى تقديس القديس شربل والقديسة رفقا والقديس نعمةالله الحرديني (1928).
وكان رجل الإيمان المريمي. أحب العذراء مريم محبة الابن لأمه، وعمل على تشييد مزار سيدة لبنان في حريصا سنة 1905 وتدشينه سنة 1907، ليكون منارة صلاة ورجاء لجميع اللبنانيين، وارتبط اسمه أيضًا بصلاة: «يا مريم سلطانة الجبال والبحار» التي أصبحت ترنيمة يرفعها اللبنانيون إلى أمهم السماوية جيلاً بعد جيل.
6. هكذا كان البطريرك الحويّك: راعيًا يصلي، وأبًا يحب، وبانيًا حكيمًا، وقائدًا يرى أبعد من زمنه. ولذلك تحوّل إلى مدرسة في الإيمان، وإلى صفحة مشرقة في تاريخ الكنيسة، وإلى ضمير حي في تاريخ لبنان.
واليوم، إذ ترفعه الكنيسة إلى مصاف الطوباويين، فإنها تعلن أمام العالم أن حياةً عاشت لله، وخدمت الإنسان، وأحبت الوطن، هي حياة تستحق أن تكون مثالًا للأجيال، ونورًا يضيء الطريق لكل من يريد أن يجعل من الإيمان قوةً لبناء الإنسان والوطن.
فعظيمٌ الله في قدّيسيه!
آمين!