الاحداث- كتب فيكتور الزمتر*
تُوحي تصريحاتُ كبار المسؤولين الأميركيين، لا سيَّما الرئيس ترامب ونائبه، أنَّ المفاوضاتَ على تفاصيل "مُذكَّرة التفاهم" مع إيران، تسيرُ بالإتجاه الصحيح، في معاكسةٍ لآراء بعض المُشكِّكين بصمود الإتفاق الأخير، لاعتبارهم أنَّ الشيطانَ يكمنُ في التفاصيل. ويُستشفُّ من وصف الرئيس الأميركي، أداء إيران في المُفاوضات، بأنَّها "تُبلي بلاءً حسناً"، أنَّ الأُمورَ بينها وبين بلاده سائرةٌ نحو التطبيع الهادئ، الذي لا يُستبعدُ أنْ يُفضي إلى قلب صفحة العداء.
لقد سِيقَ الكثيرُ حول دوافع الرئيس ترامب، بشأن مُغامرته العسكرية على إيران، تراوحت بين دوافع شخصيةٍ، وأُخرى تتَّصلُ بوقوفه على خاطر إسرائيل، تبديداً لما تدَّعيه من أنَّ إيران، تُشكِّلُ خطراً وُجوديٍاً يُهدِّدُها. وقد لا تخلو اندفاعةُ الرئيس ترامب، إلى الحرب، ممّا سِيقَ أعلاه، بيدَ أنَّ الصورةَ لا تكتملُ، بتجاهُل البُعد الإستراتيجي المُرتجى من الحرب.
فمن التبسيط أن تُقامرَ إدارةُ دولةٍ، بأهمية الولايات المتحدة، بإشعال حربٍ نتيجة نزوةٍ شخصيةٍ، أو فقط استجابةً لضغط لمركز قُوَّةٍ، من هنا أو من هناك. إذ من المُفترض، ألّا يُؤخذُ قرارُ الإقدام على خطوةٍ بهذه الخطورة، من مُنطلقٍ شخصيٍّ مُتفرِّدٍ، بل نتيجةَ دراسةٍ مُتأنّيةٍ ومُستفيضةٍ، من قبل مُؤسَّساتٍ سياسيةٍ وعسكريةٍ وأمنيةٍ .. مدعومةٍ من دراسات مراكز الأبحاث والمُستشارين .. وبتغطية ما يُسمّى بالـ"دولة العميقة".
كما لا يغربُ عن البال، أنَّ الرئيسَ ترامب خاضَ معركةَ ولايته الثانية، تحت شعار "لِنجعلْ أميركا عظيمةً مُجدَّدا"، وهو شعارٌ ينضحُ بالإعتراف، أنَّ أميركا قد شاخت، وبالتالي توقَّفت عن أنْ تكونَ "عظيمةً"، ما يستوجبُ عودتَه ثانيةً، إلى البيت الأبيض لتجديد شبابها. كما من السذاجة الظنُّ، أنَّ جينات المُقاول ورجل الأعمال، غافلةٌ عن تآكُل مصداقية بلاده، أو مُتجاهلةٌ للمخاطر المُحيقة بمملكة "البترو دولار"، أو لا تُقيمُ وزناً لقيام أحلافٍ اقتصاديةٍ- سياسيةٍ مُنافسةٍ، فضلاً عن صعود قوى تتطلَّعُ إلى احتلال ما يليقُ بها تحت الشمس!
فمن نافل القول، أنَّ إعادةَ البريق إلى بلاد "العم سام"، تقتضي، ليس فقط الإمساكُ بالطاقة، عصب الحياة، بل التحكُّمُ بخوانيق مسالكها عبر الممرات الإستراتيجية، مُروراً بتدجين الدول المُتمرِّدة على إرادته، إنْ فشلَ تطويعُها. وللتذكير، أفصحَ الرئيسُ ترامب، في سنته الأُولى عن طموحاته بشأن الإستحواذ على "غرين لاند"، كُبرى جُزُر العالم، واسترجاع السيطرة على قناة باناما، وضمّ كندا، والهيمنة على نصف الكرة الغربي .. لذلك، بين ليلةٍ وضُحاها، قامَ بغزوِ فنزويلّا، وهي صاحبةُ أكبر مخزونٍ نفطيٍّ في العالم. وعاجلَ إيران بحربَيه عليها، أواسط 2025 ومطالع 2026 .. هذه الشهيةُ، المُتدرِّجَةُ بالشبَق التوسُّعي، تستبطنُ تصوُّراً مدروساً، لاستدراك ما فاتَ أميركا من فُرصٍ مهدورَةٍ، نالت من عظمتها.
في هذا السياق، تتوضَّحُ مرامي الولايات المتحدة، في "شقلبة" أوضاع مواطن الطاقة ومساربها الحيوية الحسّاسة، ما يجعلُ المشرقَ، بما يكتنزُه من ثرواتٍ دفينةٍ وخزينٍ طاقويٍّ، مع ما يزنِّرُه من مضائق استراتيجية، يكتوي بالمظالم المُتناسلة. وبالرُّغم مِمّا أُنزلَ بالمُربَّع الفلسطيني اللُّبناني السوري الإيراني، من مصائبَ ومهالكَ حديثةٍ، ثمَّةَ إرهاصاتٌ يُؤمَلُ أنْ تكونَ صائبةً، لجهة ما أفرزته الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، من خُلاصاتٍ تُبرِّرُ القولَ، أنَّ "رُبَّ ضارَّةٍ نافعةٌ".
أهمُّ تلك الإفرازات، أنَّ جبروتَ القُوَّة الأميركية الإسرائيلية، أظهر قُدرته على التدمير، بقدر ما أظهر محدوديته، في فرض إرادته. وبالتوازي، أظهرَ العُمقُ العربي والإسلامي، بأبعاده الجغرافية والتاريخية والديموغرافية والإستراتيجية، قُدرتَه على الصمود، عندما تُوجدُ الإرادةُ الصلبةُ. فللمرء أن يتخذَ ما يشاءُ من المواقف تجاه إيران، سلباً أو إيجاباً، لكنَّه من غير المُنصف له ألّا يُثمِّنُ صُمودَها، في وجه أعتى قوى الأرض، ما يليقُ بإرثها الحضاري.
إلّا إنَّ المُعطى الجديدَ يتمثَّلُ باهتزاز العلاقات، بين الولايات المتحدة وإسرائيل، نتيجة توصُّل واشنطن وطهران، إلى تفاهُمٍ بمعزلٍ عن مُباركة تل أبيب. وهذه فُرصةُ العمر للبناء على هذا التحوُّل النادر، والمُتماهي مع التحوُّل في مزاج الرأي العام الأميركي، نتيجةَ همجية إسرائيل في فلسطين ولبنان. وقد أظهرت استطلاعاتُ الرأي، تآكُلَ تأييد الحزب الديمقراطي لإسرائيل، بشكلٍ حادٍّ، حيثُ بيَّنَ استطلاعٌ للرأي، أجرته صحيفة "نيويورك تايمز"، المعروفة بميولها الإسرائيلية، "أنَّ 60% من الديمقراطيين يتعاطفون مع الفلسطينيين، مُقارنة بـ15% يدعمون إسرائيل".
وفي غياب دور الأُمم المتحدة والجامعة العربية، أفرزت الحربُ بروزَ الوساطة العربية والإسلامية، التي تولّتها باكستان، بمُساندةٍ قطريةٍ وتُركيةٍ وعُمانية، أفضت إلى "مُذكِّرة تفاهُم"، أرست ركائزَ الاتفاق العتيد، بين واشنطن وطهران. وبالتالي، على الإقليم المشرقي، الرافض للهيمنة الإسرائيلية، أنْ ينتفضَ ويثأرَ لكرامته، باستقاء العِبَرِ من دروس الحرب على إيران. فتقمُّصُ باكستان بلباس الوسيط، هو الثاني من نوعه، بعد دوره بتسكين جبهة غزَّة، إلى جانب تركيا ومصر والسعودية.
لذلك، يحسنُ بهذا الرُباعي، بالإضافة لقطر، بما يملكُ من عُمقٍ جغرافي وديموغرافي وثروات وتغطيةٍ نوويةٍ، أنْ يُوثِّقَ أواصره لتأمين حمايته، بقواه الذاتية وصدِّ استهدافه، بدل الحمايات المُستعارة. فكم من مليارات الدولارات، تُنفقُها خزائنُ العرب والمسلمين، أكلافَ حمايةٍ أثبتت الحربُ الأخيرةُ عُقمَها، بل حاجتَها لمن يحميها. وتاجُ الحكمة يكونُ بدعوةُ إيران للإنضمام إلى هكذا محورٍ، ما يزيدُ من صلابته، لِما يحدُّ من غلواء الحساسيات المذهبية.
*سفير لبناني سابق