Search Icon

الحريري - باسيل: معيار 2016 أو لا حكومة

منذ 5 سنوات

من الصحف

الحريري - باسيل: معيار 2016 أو لا حكومة

الأحداث - كتب نقولا ناصيف في صحيفة الأخبار يقول : بعد السجال المتبادل بينه ورئيس الجمهورية ميشال عون قبل أسبوعين، أتىالسجال الأحدث مع النائب جبران باسيل، مباشرة وبالواسطة، كي ينبئ بتعذّر تمكّن الرئيس المكلف سعد الحريري من تأليف حكومته فيمدى قريب

على التوالي أبرزت مواقف الرئيس المكلف سعد الحريري في 14 شباط، ثم رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل في 21 شباط، أن منالصعوبة بمكان توقّع إبصار حكومة على النحو الذي يتصوّره كل منهما لها. ليس اشتباكهما الاخير الا صورة مكمّلة لذاك الدائر في قصربعبدا بين رئيس الجمهورية ميشال عون والحريري على المادتين 53 و64 من الدستور، والنطاق المحدد لكليهما في مراحل تأليف الحكومة. الواضح ان الاشتباكين المتوازيين، الدستوري والسياسي، لا يقتصران على تأليف حكومة اختصاصيين لمهمة محددة في ستة اشهر كمايقول الرئيس المكلف، بل يتجاوزانها الى سبل ادارة السنتين الاخيرتين من العهد، بل على النحو ادق، الى المرحلة التالية لانتهاء الولاية كييكونا الحاضرين الفعليين على ارضها. وقد يحمل هذا التوقّع البعض على القول ان الاشتباك الدستوري واجهة للاشتباك السياسي ليس الا.

الاهم المعلوم في ذلك، الذي لا يقتصر على عون وباسيل، ان لا يسمح للحريري بأن يكون «السياسي» الوحيد في حكومة اختصاصيين فيالحقبة الغامضة المقبلة.

ليس خافياً أن كلاً من الحريري وباسيل يعوّل على ظهير داخلي حديدي يدعمه في المواجهة قبالة الآخر. المفارقة الاولى ان هذا الظهير هوالثنائي الشيعي: الرئيس نبيه برّي ظهير الرئيس المكلف، وحزب الله ظهير رئيس التيار الوطني الحر. بذلك تنشأ مفارقة ثانية هي ان الثنائييدير توازن الصراع القائم ما بين الرجلين دونما تغليب احدهما على الآخر، ودونما ان يتسبب هذا «التواطؤ» الشيعي، الايجابي في ظاهره،في خلاف ما بين برّي والحزب. وفّرا المساكنة ما بين الطرفين، وتركا للاشتباك الدستوري إمرار الوقت. فيما عُدّت مبادرة رئيس البرلمان أنهاتضمر تأييداً للحريري، بَانَ وقوف الامين العام للحزب السيد حسن نصر الله في كلمته الاخيرة الى جانب رئيس الجمهورية.

مع أنه مصر على تأليف حكومته كما يتصوّرها هو وبشروطه، لا يُحسد الرئيس المكلف على ما هو عليه الآن، من غير أن يُعدّ مهزوماً بعد فيمعركة قد تكون طويلة. منذ تكليفه يكون انقضى حتى أمس اربعة اشهر. مدة اعتاد الحريري أرقاماً مشابهة لها. حكومته الاولى (2009) احتاجت الى 135 يوماً، والثانية (2016) الى 45 يوماً، والثالثة (2019) الى ثمانية اشهر وستة ايام. ومن غير المستبعد ان تسجل رابعةحكوماته الرقم القياسي في ظل العناد المتبادل على شروطه، كما شروط رئيس الجمهورية ورئيس التيار الوطني الحر.

في ظاهر ما يحدث الآن أن الخلاف الناشب هو على التوزير المسيحي، مع ما يتفرّع منه، المرتبط بحصتي رئيس الجمهورية والرئيس المكلفومَن يسمّي الوزراء المسيحيين ومَن يوافق او لا يوافق، وتوزّعهما الحقائب. أفصح رئيس الجمهورية عن المشكلة بداية، ثم جهر بها ضمناًالحريري في خطاب 14 شباط، قبل أن ينضم الى الحملة باسيل في 21 شباط تحت عنوان عريض، ربما لم يكن يحتاج الى مثل هذاالاتساع، هو حقوق المسيحيين.

منذ مطلع العهد، في الحكومتين الاوليين اللتين ترأسهما الحريري، كان هذا الموضوع في صلب خلافه مع باسيل من غير ان يطفو الىالسطح، بعدما حجبته التسوية الرئاسية التي أبرماها.

في حكومة 2016، لم يسع الحريري الحصول على وزير مسيحي ثان (غطاس خوري بعد جان اوغاسبيان) الا بعد تخليه عن مقعد سنّيانتقل الى التيار الوطني الحر (طارق الخطيب). حينذاك توزّعت المقاعد المسيحية الـ13 الاخرى على التيار الوطني الحر (9 وزراء) وحزبالقوات اللبنانية (3 وزراء) والمردة (وزير واحد). في الحكومة الثانية عام 2019 حصل التيار على الحصة الكبرى (9 وزراء) وتقاسم الافرقاءالمسيحيون التوزير المسيحي المتبقي (4 وزراء لحزب القوات اللبنانية ووزير للمردة). اما المقعد الاخير، وكان ارثوذكسياً حلت فيه فيوليت خيرالله، فكانت له قصة: طلب الحريري مقعداً مسيحياً في مقابل تنازله عن مقعد سنّي ذهب الى حسن مراد ممثل اللقاء التشاوري السنّيالمناوئ لرئيس تيار المستقبل. على صورة ما حدث في مقايضة 2016، دار التفاوض: مقعد في مقابل آخر. إصرار الحريري على خير اللهوزيرة مسيحية يعوّض ما خسره - وكان هذا الذي خسره حتمياً تحت وطأة ضغوط حزب الله الداعم للقاء التشاوري - حتّم عقد اجتماع بينهوباسيل في حضور المرشحة للتوزير وزوجها الوزير السابق محمد الصفدي انتهى الى اتفاق مفاده الآتي: توزَّر خير الله في حصة الرئيسالمكلف في مقعد ارثوذكسي على ان تُحسَب في الوقت نفسه في حصة التيار الوطني الحر، بما يعني انها تمثل تقاطعاً ما بين الاثنين. فيحال نشوء خلاف في مجلس الوزراء ما بين كتلتي المستقبل والتيار الوطني الحر - وتعهد الحريري وباسيل أن لا يختلفا - تصوِّت الى جانبالثاني. لذا قيل حينذاك إن كتلة باسيل في حكومة الحريري ضمّت اكثر من الثلث+1. عُدّت مؤلفة من 11 وزيراً و1/2: 9 وزراء مسيحيينلباسيل + مراد + صالح غريب + خير الله. أما المقاعد المسيحية الخمسة الاخرى فذهبت الى حزب القوات اللبنانية (4 وزراء) والمردة (وزيرواحد).

في ما جرى ابان تأليف حكومة 2019، تساءل الحريري في مفاوضاته مع حليفه اللدود وقتذاك باسيل: أنا رئيس حكومة لبنان، ألا يسعنيتسمية وزير مسيحي واحد؟ كان والدي يسمّي اكثر من وزير مسيحي.

أجيب: بلى، في مقابل التخلي عن مقعد سنّي.

احتج ايضاً على حصول حزب القوات اللبنانية على اربعة وزراء، فيما يُحرَم هو من وزير مسيحي مجاناً.

صحّت الوقائع تلك في خلال تأليف حكومة وحدة وطنية، تشارك فيها الكتل النيابية تبعاً لأحجامها. وهو ما حدث مع حكومتي 2016 و2019. على ان ما يستعيدها الآن، اعتقاد رئيس الجمهورية، كما رئيس التيار الوطني الحر، أن ثمة قاعدة ثُبّتت في مطلع العهد، متجاوزة سلفاًأحجام الحكومات التالية في العهد الذي سيرافقه طوال مدته الحريري كما أرست التسوية الرئاسية. قالت القاعدة تلك، وطُبّقت بانتظام فيالحكومتين الاوليين بموافقة الحريري رئيسهما ورضاه بدليل إبصارهما النور تبعاً للمتفق عليه: يُسمّي المسيحيون وزراءهم مثلما يُسمّيالافرقاء الآخرون وزراءهم وفق الاحجام السياسية القائمة، مع تأكيد حصة رئيس الجمهورية.

حكومة ما تبقى من العهد لا حكومة اختصاصيين

في ظل حكومة اختصاصيين على نحو ما يدور الآن، لم يتغيّر سوى القليل مع ثبات القاعدة في حسبان رئيس الجمهورية على الاقل: ما دامحزبا الكتائب والقوات اللبنانية والتيار الوطني الحر والمسيحيون المستقلون لن يتمثلوا في حكومة اختصاصيين، لرئيس الجمهورية - صاحبالتوقيع الدستوري الاخير - أن يسمّي وزراء الطائفة، الى الحصة المعروفة المحددة للمردة. في اجتماعاته مع عون، حمل الحريري لوائح فيالحصة المسيحية التي يريدها لنفسه كونه هو الذي يؤلف حكومة اختصاصيين لا مكان فيها لوزراء حزبيين او سياسيين: مرة يريد خمسة وزراء - اكثر من نصف الحصة - ومرة يريد الوزراء التسعة جميعهم، ومرة هو الذي يسمّي لرئيس الجمهورية وزراءه.

يحدث ذلك كله بعد حصول الخلل الاول والاهم والأفظع في المبادرة الفرنسية، اذ يجرّدها من مغزاها الفعلي: حكومة اختصاصيين يترأسهاغير اختصاصي بشهادة التدهور المريع في شركاته ونجاحاته الاقتصادية والمالية، ورئيس حزب هو ايضاً رئيس كتلة نيابية كبيرة وأحد الذيناشترط الرئيس ايمانويل ماكرون إبعادهم عنها، ومسؤول كبير هو ونظراؤه - وماضي المدرسة التي يتسلح بها - في مقاعد الصف الاولالمتهمون بانهيار الدولة وتفشّي الفساد فيها وتخريبها وإفلاسها.

=======