الاحداث- كتب فيكتور الزمتر
عندما انعقدَ "مؤتمرُ يالطا"، بين 4 و11 شباط، 1945، كان الجيشُ الأحمرُ، في الشرق، يدقُّ أبواب برلين، بينما كانت قوّات الحلفاء الغربيينُ، تُكملُ الإطباق على الحدود الألمانية، من الغرب، بعد تحرير فرنسا وبلجيكا. وكان طبيعياً أنْ يعكفَ المؤتمرون، ستالين، روزفلت وتشرشل، على التحضير لقواعد السلم، بعد الحرب، من خلال إعادة ترتيب الأوضاع الأوروبية، بعد عبثِ هتلر بحدود دُولها.
اليوم، تتداولُ وسائلُ الإعلام، أنباءً عن تحضيراتٍ، لعقد قمَّةٍ محتملةٍ، بين قادة الصين والولايات المتحدة وروسيا، على هامش "منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ"، التي ستستضيفُه الصين، يومَيّ 18 و19 نوفمبر القادم، في مدينة " شينزين Shēnzhèn".
يُنظرُ إلى هذه القمَّة المحتملة، على إنَّها استنساخٌ لـ"مؤتمر مالطا"، في محاولةٍ لضبط الفلتان، الذي تُعيثُه بعضُ القوى المُقتدِرَة، في أربع زوايا الأرض. كما تأتي وسط كباشٍ قويٍّ بين القوى الكبرى، حول عدَّة قضايا حيويةٍ خلافيةٍ، ما يدفعُ إلى ترقُّب ما قد تُسفر عنه من تفاهُماتٍ. فالحوارُ بين القوى العُظمى، للحدِّ من المواجهة، أمرٌ محمودٌ، على ألّا يُؤدّي إلى تقويض المواثيق الدولية.
وللدُوَل الثلاث اهتماماتٌ مُتمايزةٌ، إلى حدِّ التناقُض. فموسكو مهتمَّةٌ بإنهاء الحرب الأوكرانية وِفقَ شروطها، مع رفع العقوبات عنها، وتطبيع علاقاتها مع الغرب الأوروبي، الآخذ بالتسلُّح. ومع تركيز الصين على استكمال تسلُّقها سُلَّم الزعامة العالمية الاقتصادية، والسياسية، استطراداً، تُولي بكين أهميَّةً بالغةً لاسترداد تايوان. كما يهمُّها تحقيقَ استقرارٍ اقتصاديٍّ مع أوروبا وأميركا. أما الرئيسُ الأميركي، فمهتمٌّ بخفض الإنفاق على سباق التسلُّح، للدول الثلاث، لـ"تخليص العالم من الأسلحة النووية"، وللتركيز على الشأن الاقتصادي.
تتقاسمُ الولاياتُ المتحدةُ وروسيا، الرغبةَ في التفاهم على تجديد معاهدة "تخفيض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية والحدِّ منها"، بعد انتهاء صلاحيتها، في فبراير المنصرم. لكنَّ الصينَ غيرُ متحمِّسةٍ لهذا التفاهُم، وتطالبُ الدولتين بخفض ترسانتَيهما، المُتخمة بآلاف الرؤوس النووية، بينما هي لا تمتلكُ، سوى مئات الرؤوس.
أرسى هنري كيسنجر، ثعلبُ الدبلوماسية الأميركية، سياسةَ مُغازلة الصين، مطلع السبعينات، يوم كانت الصينُ غارقةً بالتخلُّف والفقر والبطالة، ليس حُبّاً بالصين، بل نكايةً بالإتحاد السوفياتي. لم يهدفْ كيسنجر، قطعاً، من مغازلة الصين، يومها، إلى تشكيل زعامةٍ قُطبيةٍ ثُلاثيةٍ، محورُها أميركا- روسيا- الصين، بل، رُبَّما، وجدَ مصلحةً، بالتقرُّب من الصين، لتوسيع التنافُس بين قُطبَي الشيوعية العالمية، ولاكتناه ما يُخطِّطان له.
واليوم، بعد نصف قرنٍ، من تلك المُغازلة، أمسى التنينُ الصيني، منافساً قوياً على الزعامة العالمية. وجاءت رُعونةُ الغرب، في افتعال الحرب الأوكرانية، لتوثِّقَ العلاقات الصينية الروسية، وإعادة الروح للوحدة الأوراسية. فالحديث على تَصَدُّر قضية أوكرانيا، جدول أعمال القمَّة الثلاثية المُفترضة، أحدثَ الرُّعبَ في كييف وبروكسل، ولدى بعض الأوساط السياسية والإعلامية الأميركية، في استهجانٍ لرسم مصيرها بغيابها. فدعوةُ أوروبا لعدم إسناد أمنها، إلى أميركا، واعتبارُحرب أوكرانيا شأنٌ أوروبيٌّ، يستوجبان، بداهةً، إفساحَ المجال لأوروبا، كي تشاركَ بصياغة الحلول لمشاكلها.
إنَّ النزاعات، التي تُشاركُ فيها القوى العُظمى، مباشرةً أو مُواربةً، لا تُسوَّى بالخُطب والأُمنيات والمقالات، بل بما يرسمُه ميدانُ المعركة، وبالمُساومة بين من يمسكون أوراقَ الضغط. وهذا يُضيءُ على دور الغرب والصين، في وقف الحرب الأوكرانية، أو استمرارها. من هنا الحكمةُ، في إشراك الصين وأميركا، لما تُمثِّلانه، من شريان حياة، لأوكرانيا، وبقدرٍ أقلّ لروسيا. فالصينُ تأكلُ من صحنَي واشنطن وموسكو، ما حتَّمَ إدخالَها نادي الكبار، وجعلَها مع الولايات المتحدة، مفتاحَ وضمانةَ أيّ حلٍّ لحرب أوكرانيا الخطيرة.
الثابتُ المُطلقُ، في المقارنة بين قمَّتَي "يالطا" و"شينزين"، هو جلوسُ الكبار، على طاولة اقتسام المغانم والنفوذ، بما يتركُ فُتاتُ المائدة للدول الضحايا. أمّا المُتحوِّلُ، في قمَّة "شينزين"، إنْ عُقدت، فيكمنُ بمن يرأسُ المائدةَ. ففي "مؤتمر يالطا"، كانت الولايات المتحدة، محورَ الحلفاء، إلى جانب الإتحاد السوفياتي، نظراً لمساهمتهما الرئيسية، في القضاء على النازية والفاشية وتحرير أوروبا. ومع غُروب الشمس عن امبراطوريتها، غابت بريطانيا عن مسرح الزعامة العالمية، لتحلَّ الصينُ مكانها، لتكونَ محورَ القمَّة، بوصفها الدولة الداعية والمُستضيفة. فهي صاحبةُ النفوذ لدى روسيا، في حربها مع أوروبا الغربية، والقوَّةُ الاقتصاديةُ الضاربةُ، والعسكريةُ الصاعدةُ، ما يفرضُ على واشنطن، التعامُلَ معها، من موقع الندِّ للندّ.
وعليه، تبدو واشنطن، إلى حدٍّ ما، الضيفَ الغريبَ، على مائدة الصين، المُتآلفة مع روسيا، ما يُضعفُ أوراقَ قُوَّتها التفاوضية. فالقمَّةُ مناسبةٌ لإطلالة الصين، كقُوَّةٍ "أوراسيةٍ" عُظمى، تتوقَّعُ ليونةً أميركيةً بشأن "تايوان"، وتبادُلَ مصالح، في مجال التكنولوجياً.
إنَّ الاحتجاجاتَ التي تجتاحُ أوروبا، هي نذيرُ شُؤمٍ يبعثُ على القلق، من خطر تمزيق رقاع القارة، بفعل إفرازات الحرب الأوكرانية، وعجز الزعامات السائدة، عن مواجهة تحديّات الهجرة والإقتصاد.. ما ولَّدَ صعود التيارات المتطرفةَ.
في وقته، أتى اهتداءُ الوسيط الأميركي، في السنة الخامسة، من الحرب الأوكرانية، إلى مفتاح الحلّ، الكامن في تأمين الأمن، لروسيا ولأوكرانيا، على السواء، ليُنقذَ الغائبتين، أوكرانيا وراعيتها أوروبا، من أنْ تكونا من بين كبار ضحايا الكبار، في قمَّة "Shēnzhèn". ولكن، شرط استكمال الحلِّ، بعد الحرب، بإرسائه على التكامُل الاقتصادي "الأوراسي"، ما يُبعدُ كأسَ الحروب الدموية عن أوروبا.
*سفير سابق