الاحداث- كتبت صحيفة "الجمهورية": فيما تصاعدت الاعتداءات الإسرائيلية قتلاً وقصفاً ونسفاً وتدميراً في منطقتي جنوب الليطاني وشماله، لم يتمكن الوسطاء من توحيد الرؤية والموقف بين الرؤساء الثلاثة، حول ورقة لبنان التي سيتقدّم بها لمتابعة المسار التفاوضي، وانعكس هذا الأمر تعثراً في تحديد موعد اللقاء الرئاسي الثلاثي، الذي عملت المملكة العربية السعودية على ترتيبه. إذ أصرّ رئيس مجلس النواب نبيه بري على ضرورة تحقيق وقف إطلاق نار شامل من جانب إسرائيل، والتزامها وقف الأعمال العدائية تجاه لبنان والانسحاب قبل أي كلام آخر.
وقال مصدر سياسي مواكب للاتصالات لـ«الجمهورية»، إن رأي غالبية المكونات السياسية أصبح يصبّ في اتجاه المطالبة بالعودة إلى اتفاق الهدنة، مع تطور يلائم المرحلة والقرارات الدولية وخصوصاً القرارين 425 و1701، بصياغات تختلف مع اختلاف الزمن، من دون أن تفقد روحية حق لبنان بسيادته على كامل الأراضي، وما يليه من شروط تحفظ له حقوقه. وليس الذهاب إلى اتفاق سلام يريده العدو على قياسه ووفق مصالحه، أي الذهاب بداية إلى ترتيب أمني يستند إلى قرارات الشرعية الدولية.
وكشف المصدر، انّ الانقسام العامودي في مقاربة هذا الأمر حال دون وصول المسعى لجمع الرؤساء الثلاثة إلى خواتيمه، ولكن التواصل لا يزال قائماً لتحقيق هذا الأمر.
وكان المكتب الإعلامي للرئيس بري ردّ على مقاربة إحدى وسائل الإعلام لموقفه من المفاوضات المباشرة، والعلاقة مع رئيسي الجمهورية والحكومة. واكّد أنّ «الثقة بين الرئيس نبيه بري وجماهيره راسخة رسوخ الجبال، ولن تزعزعها أبواق التضليل، وإنّ الإحراج والحزن الوحيد الذي ينتابنا هو على الحرّية والحقيقة التي بتنا نخشى عليهما ممن ضلّوا طريق الصواب الوطني». واضاف: «الثوابت هي الثوابت، ولن نقايض عليها تحت أي ظرف من الظروف. ومعلوم أننا لسنا مع التفاوض المباشر».
تفاقم عميق
وإلى ذلك، قالت مصادر سياسية لـ«الجمهورية»، إن تأجيل الاجتماع الرئاسي من اليوم إلى موعد لم يُحدّد، بعد تأجيل أول من يوم الاثنين، هو علامة على تفاقم عميق للمأزق اللبناني. وبديهي أن تكون السخونة العالية في المواقف المتضاربة، بين «حزب الله» من جهة، ورئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام من جهة مقابلة، هي الدافع الأساس للتأجيل أو ربما إلغاء الاجتماع.
وفي ظل التباعد اللبناني الداخلي، كشفت تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وتقارير الإعلام الإسرائيلي، عن تحوّل خطير في مفهوم «الهدنة». فهي في نظر واشنطن وتل أبيب ليست وقفاً للأعمال العدائية، بمقدار ما هي تفويض مفتوح لإسرائيل بممارسة الضربات الاستباقية. وقد نجح نتنياهو في محاصرة لبنان عسكرياً، عبر تثبيت «حق» التدخّل، أي اعتبار أي تحرّك لـ«حزب الله» خرقاً يستوجب تدمير القرى. كذلك نجح في تحييد ترامب، بانتزاع «تفاهم» على أنّ العمليات الإسرائيلية «دفاعية»، وهو ما يُسقط أي مراهنة لبنانية على ضغط واشنطن للجم آلة التدمير. ولذلك، تمثل دعوة ترامب للرئيس عون إلى لقاء نتنياهو في البيت الأبيض التحدّي الديبلوماسي الأكبر. فالمعطيات تشير إلى أنّ واشنطن تريد التزاماً لبنانياً مباشراً بخريطة الطريق الجديدة التي لخّصها روبيو بوضوح، من خلال «جيش لبناني يمتلك القدرة والإرادة لملاحقة «حزب الله» ونزع سلاحه». فتلبية الدعوة تعني كسر القواعد السياسية الداخلية، ولكن أيضاً المخاطرة بانفجار، بينما الرفض يعني التخلّي عن المظلة الدولية الوحيدة المتبقية، وترك لبنان مباحاً أمام مشروع «المنطقة العازلة» التي تستطيع إسرائيل تثبيتها من دون رادع وفي شكل دائم.
واعتبرت المصادر، أنّ تأجيل الاجتماع هو إشارة إلى اقتناع مشترك بأنّ واشنطن لم تعد تقبل بأنصاف الحلول، وأنّ أي مخرج لا يتضمن تغييراً حقيقياً في استراتيجية التعامل الداخلي مع الموقف، سيكون بمثابة تكريس للكارثة التي تقترب بسرعة.
وكان روبيو قال أمس، إنّ «إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان وضع فريد من نوعه، لأنّهما ليسا في حالة حرب، وإنّ المشكلة الوحيدة التي تواجهها تل أبيب هي «حزب الله». ولفت في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»، إلى أنّ «هذا الوضع فريد، لأنّ إسرائيل لا تعتبر لبنان عدواً لها، بل النزاع قائم مع حزب الله»، قائلاً إنّ «اللبنانيين أنفسهم يعتبرون «حزب الله» مشكلة لهم أيضاً». وأضاف، أنّ «إسرائيل ليس لديها أي مطالبات إقليمية على لبنان، وأنّ وجود قواتها الحالي في الجنوب هو كمنطقة عازلة موقتة، لحماية المستوطنات الشمالية من الصواريخ والأسلحة الصغيرة، وليس احتلالاً». وفي ما يتعلق بسيناريو «بقاء منطقة عازلة إسرائيلية داخل لبنان»، نفى روبيو أن تكون إسرائيل ترغب في ذلك إلى أجل غير مسمّى، مؤكّداً أنّ «النتيجة المثالية بالنسبة للإسرائيليين واللبنانيين على حدّ سواء، هي حكومة لبنانية قوية وقوات مسلحة قادرة على تفكيك «حزب الله»، وأنّ الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية تتطلعان إلى الهدف نفسه وهو السلام وزوال حزب الله». وإذ اعتبر انّ «الحل الذي يتفق عليه الجانبان هو تعزيز قدرات القوات المسلحة اللبنانية لتمكينها من نزع سلاح «حزب الله» وتفكيكه داخل لبنان، حتى لا تضطر إسرائيل للقيام بذلك»، شدّد على أنّ «إسرائيل لا تريد البقاء بشكل دائم في لبنان»، معتبراً أنّ العمل لا يزال كبيراً لتحقيق نزع السلاح.
واعتبر وزير الخارجية الإسرائيلية جدعون ساعر، أنّ «حزب الله جرّ لبنان إلى حرب من أجل المصالح الإيرانية، وهو يحتل لبنان ويقوّض سيادته ويعرّض مواطنيه للأذى». وأضاف: «لن نسمح لحزب الله بأن ينفّذ خطته، وعملياتنا في لبنان دفاعية وإسرائيل ليس لديها أيّ طموحات للتمدّد في لبنان». وقال: «إذا تمّ تفكيك البنى التحتية لحزب الله بجنوب لبنان فلن تكون هناك ضرورة لوجودنا العسكري فيه».
وكانت القناة 12 الإسرائيلية نقلت معطيات جديدة عن اتصال هاتفي جرى بين رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب، في ظل تصاعد التوتر على الجبهة اللبنانية وتزايد الهواجس بشأن مصير وقف إطلاق النار. وبحسب القناة، أبلغ نتنياهو إلى ترامب أنّ حزب الله «يفعل ما بوسعه لإفشال المحادثات بين لبنان وإسرائيل»، معتبراً أنّ الوضع الميداني يزداد هشاشة، وأنّ استمرار إطلاق النار يعكس واقعاً غير مستقر قد ينزلق نحو تصعيد أوسع. وأضافت، أنّ نتنياهو شدّد خلال الاتصال على أنّ عدم الردّ على هجمات «حزب الله» قد يدفعه إلى التمادي، ما يعرّض وقف إطلاق النار لخطر الانهيار، في وقت تسعى واشنطن إلى تثبيت التهدئة ومنع توسّع المواجهة. في المقابل، أشارت القناة إلى أنّ ترامب أبدى تفهّماً للموقف الإسرائيلي، لكنه طلب أن يكون أي ردّ عسكري «محسوباً ومحدوداً»، بما يمنع الانزلاق إلى حرب شاملة، ويحافظ على هامش المسار الديبلوماسي القائم.
جولة بخاري
في غضون ذلك، جال سفير المملكة العربية السعودية في لبنان وليد بخاري أمس على كل من مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان ونائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى العلامة الشيخ علي الخطيب وشيخ العقل لطائفة الموحّدين الدروز الشيخ الدكتور سامي أبي المنى، وعكس في خلال هذه اللقاءات موقف المملكة من التطورات اللبنانية في ضوء زيارة الموفد السعودي الامير يزيد بن فرحان الأخيرة للبنان.
وأفاد المكتب الإعلامي في دار الفتوى، انّ السفير بخاري «استهل كلامه مع المفتي دريان بالقول: «لبنانُ أرضُ الحِجى هل للحِجى أجلُ»، مؤكّداً أهمية تغليب الحكمة والعقل في مواجهة التحدّيات والأزمات لتحصين السلم الأهلي، ونوّه بمواقف مفتي الجمهورية الإسلامية والوطنية الجامعة وبدوره العاقل والحكيم والرصين الضامن لوحدة لبنان وشعبه، وثمّن القرارات التي يتخذها المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى لما فيه مصلحة المسلمين واللبنانيين».
واكّد السفير بخاري خلال اللقاء «حرص بلاده على وحدة شعب لبنان لمواجهة التحدّيات التي يعيشها، وانّ المملكة العربية السعودية تقوم بمساعيها الديبلوماسية لمساعدة لبنان في محنته، وتقف دائماً إلى جانب الدولة اللبنانية ومؤسساتها للتوصل إلى حلول تسهم في تعزيز الأمن والاستقرار والازدهار، وانّ المملكة على تنسيق وتعاون دائم مع أركان الدولة». وخلال لقائه مع العلامة الخطيب، أبدى السفير بخاري «تفاؤله بمستقبل الأوضاع»، مشدّداً على «ضرورة تعزيز السلم الاهلي في لبنان، وهو ما تركّز عليه المملكة في تحركها الاخير، وتعول على اهل العقل والحكمة في هذا الشأن». ورأى «انّ المطلوب اليوم مسار يتوافق عليه الرؤساء الثلاثة في لبنان لتحصين السلم الأهلي»، معوّلاً على «حكمة ودراية دولة الرئيس نبيه بري في كل مفصل، وهو أثبت دوره في كل المراحل ولم يخب آمال كل الذين يراهنون عليه». واكّد انّ «العودة الى اتفاق الطائف، هي المدخل الرئيسي للاتفاق على المبادئ العامة، وعدم المساس بأي مكون لبناني، وعدم محاولة إقصاء اي طرف»، مستذكراً في هذا المجال كلاماً للرئيس الراحل حسين الحسيني، بأنّ «البديل عن الطائف هو تطبيق اتفاق الطائف».
وبحث بخاري مع الشيخ أبي المنى في التطورات العامة، في ضوء استمرار الأعمال العسكرية والجهود المبذولة لوقف الحرب، ودور المملكة في مساعدة لبنان على تجاوز الظروف الصعبة التي يمرّ فيها، وأهمية الحفاظ على السلم الأهلي والوحدة الوطنية، إضافة الى نتائج زيارة مستشار وزير الخارجية السعودية يزيد بن فرحان الأخيرة.
في ذهن عون
في غضون ذلك، قال السفير المصري لدى لبنان علاء موسى في حديث متلفز، انّه «في الحروب لا يوجد فريق واحد مسؤول بل هناك عدد من العوامل الداخلية والإقليمية وتوتر مستمرّ على الحدود، ولا بدّ أن تفرض الدولة اللبنانية سيادتها على كلّ أراضيها». واكّد انّ «الجميع في الداخل يهتمّ بمسألة حصريّة السلاح. وهذا ما ورد في خطاب القَسَم. واتفاق الطائف والمناخ الإقليمي يساعدان الدولة اللبنانية في الذهاب بهذا المسار». وأضاف: «نتواصل مع كلّ الأفرقاء. وعلى «حزب الله» التعاون مع الدولة سريعاً في موضوع حصريّة السلاح. ويترتّب على إسرائيل أن توقف القصف. وهناك انخراط مصري - سعودي - باكستاني - تركي من أجل منطقة أكثر استقراراً».
وعن المفاوضات، قال موسى: «أعرف ما يدور في ذهن الرئيس عون. وأنّه يفعل كلّ شيء من أجل بلده. وهو رجل دولة ولديه حسابات. وأنا متأكّد أنّ رئيس الجمهورية لن يتخذ أي إجراء إلّا إذا كان يمثّل لبنان».
وردًّا على تهديد البعض الرئيس عون بمصير أنور السادات، قال: «هذا تصريح سخيف وتافه لن أتوقّف عنده. والدّرع الأول هو وحدة الموقف الداخلي».
ويعقد مجلس الوزراء، عند الثالثة من بعد ظهر غد الخميس، جلسة في القصر الجمهوري لمتابعة البحث في الأوضاع الراهنة، إضافة إلى البحث في جدول الأعمال المرفق.