Search Icon

الراعي في قداس عيد الأب ببكركي: لبنان يحتاج إلى روح الأبوة في مواجهة أزماته والحروب

منذ ساعة

سياسة

الراعي في قداس عيد الأب ببكركي: لبنان يحتاج إلى روح الأبوة في مواجهة أزماته والحروب

الاحداث- ترأس البطريرك الماروني الكردينال مار بشارة بطرس الراعي، بالقداس الإلهي في الصرح البطريركي في بكركي، لمناسبة عيد الأب، وتخريج الدفعة الخامسة من برنامج «دبلوم الإصغاء والمرافقة العائلية»، وإحياء الذكرى الخامسة عشرة لتأسيس مكتب راعوية الزواج والعائلة في الدائرة البطريركية.
عاون البطريرك الراعي في الاحتفال النائبان البطريركيان المطران حنا علوان والمطران الياس نصار، ورئيس أساقفة بيروت للموارنة المطران بولس عبد الساتر، والأب فادي تابت أمين السر العام للبطريركية، والخوري كاميليو مخايل أمين السر الخاص للبطريركية، والأباتي سمعان أبو عبدو منسق مكتب راعوية الزواج والعائلة، والأب ميشال عبود، ولفيف من الكهنة، في حضور المتخرجين وعائلاتهم وحشد من المؤمنين.
الأباتي أبو عبدو
وفي مستهل القداس،  ألقى الأباتي سمعان أبو عبدو كلمة ترحيبية أكد فيها أن المناسبة تجمع ثلاثة أفراح في لقاء واحد: عيد الأب، وتخريج دفعة جديدة من برنامج الإصغاء والمرافقة العائلية، والذكرى الخامسة عشرة لتأسيس مكتب راعوية الزواج والعائلة. كما شدّد على أن الأب هو من يزرع الثقة والرجاء والقيم في عائلته، وأن رسالة الإصغاء أصبحت اليوم أكثر إلحاحاً في عالم يكثر فيه الكلام ويقلّ فيه الإصغاء، بحيث يتحول الإصغاء إلى رسالة محبة وجسر لقاء ووسيلة لترميم العلاقات وشفاء الجراح داخل العائلات والمجتمع.

العظة
وبعد الإنجيل المقدس ألقى البطريرك الراعي عظة بعنوان: «أعترف لك يا أبتِ ربّ السماء والأرض»، بعنوان "أعترف لك يا أبتِ، ربّ السماء والأرض" (لو 10: 21)
 
1. بهذه الصلاة يفتح لنا الرب يسوع قلبه، ويكشف لنا عن واحدة من أروع اللحظات الإنجيلية التي يناجي فيها الآب السماوي. إنها صلاة الابن لأبيه، صلاة مملوءة فرحًا وشكرًا وتسليمًا، تنطلق من علاقة المحبة الأزلية بين الآب والابن.
في هذا الإنجيل القصير والغني، نرى يسوع متهللاً بالروح القدس، رافعًا عينيه وقلبه إلى الآب، معترفًا بعظمته وحكمته ومحبته. إنها من أجمل الصلوات التي تكشف لنا أن يسوع، في وسط رسالته وخدمته، كان على اتحاد دائم بالآب، وعلى وحدة دائمة معه في الصلاة والثقة والاتكال. فقبل أن يعلمنا كيف نصلي، كان هو نفسه يصلي. وقبل أن يدعونا إلى الثقة بالله، كان يعيش هو هذه الثقة بكاملها. إن يسوع يناجي الآب لا كإنسان بعيد عنه، بل كالابن الذي يعرف قلب أبيه ويعيش في حضرته.
في صلاته يكشف لنا الرب يسوع أبوة الله الشاملة، ويذكّرنا بأن الأبوة الحقيقية تنبع من الله نفسه. فكل أبوة على الأرض تستمد معناها وكرامتها ورسالتها من أبوة الله. لذلك قال الرب في موضع آخر: «لا تدعوا لكم أبًا في الأرض، لأن لكم أبًا واحدًا في السماوات». ليس المقصود إلغاء الأبوة البشرية، بل إظهار مصدرها الحقيقي. فالأب الأرضي يكون أبًا صالحًا بقدر ما يتأمل في أبوة الله ويقتدي بها. ومن يتعلم من الآب السماوي الرحمة والمحبة والتضحية والحنان، يستطيع أن يعيش أبوته على مثال الله نفسه.
2. يسعدني أن أرحّب بكم جميعًا، للاحتفال معًا بهذه الليتورجيا الإلهية، إحياءً لعيد الأب. فنتوجّه بتحية محبة وتقدير إلى جميع الآباء، الحاضرين معنا وإلى كل الآباء في عائلاتنا وبيوتنا ومجتمعنا. نهنئهم بعيدهم، ونشكر الله على دعوتهم ورسالتهم، ونصلي لكي يباركهم ويعضدهم ويمنحهم الحكمة والقوة في رسالتهم. كما نرفع صلاتنا من أجل جميع الآباء الذين انتقلوا من هذا العالم، سائلين الله أن يجزيهم على محبتهم وتضحياتهم، وأن يمنحهم الراحة الأبدية في ملكوته السماوي.
3. ونوجّه تحية خاصة إلى مكتب راعوية الزواج والعائلة في الدائرة البطريركية، شاكرين كل ما يقوم به في خدمة العائلات، ومرافقة الأزواج، وتعزيز ثقافة المحبة والاستقرار الأسري. فالعائلة تبقى المدرسة الأولى للإيمان والقيم، والأب يبقى فيها ركنًا أساسيًا وشاهدًا للمحبة والعطاء والمسؤولية. إن الأب ليس فقط من يعطي الحياة، بل من يرافق الحياة. ليس فقط من يؤمّن احتياجات أسرته، بل من يمنح أبناءه الأمان والثقة والتوجيه. والأب الحقيقي هو الذي يزرع في قلب أولاده الإيمان والرجاء والمحبة، ويقودهم إلى معرفة الله الذي هو الأب الأول والأخير.
ويحتفل اليوم مكتب راعوية الزواج والعائلة، بتخريج الدفعة الخامسة من "دبلوم الإصغاء والمرافقة العائلية"، والدفعة الأولى من المدرّبات على العناية بالخصوبة وسواها بالمشاركة مع معهد العائلة في جامعة الحكمة – بيروت، واحييّ اخينا المطران بولس عبد الساتر الحاضر بيننا.
4. يقول إنجيل اليوم إن الله يكشف أسراره للبسطاء. هذه دعوة لنا جميعًا لكي نكتشف أن الإيمان لا يقاس بما نعرفه عن الله، بل بما نعيشه معه. فالآب السماوي لا يبحث عن القلوب المتعالية، بل عن القلوب المنفتحة عليه. ولهذا كان الأطفال والبسطاء أقرب إلى فهم أسرار الملكوت من كثير من الحكماء والمتعلمين. ونفهم أن الأبوة ليست قوة تفرض نفسها، بل محبة تعطي ذاتها. فالأب الحقيقي لا يُقاس بما يملك، بل بما يعطي. ولا يُعرف بمكانته، بل بحضوره في حياة أولاده. وكل أب مدعو لأن يكون انعكاسًا، ولو بصورة ناقصة، لمحبة الآب السماوي الذي لا يتخلى عن أبنائه، بل يرافقهم ويعضدهم ويقودهم.
4. "أعترف لك يا أبتِ، ربّ السماء والأرض" (لو 10: 21). بهذه الصلاة ننظر اليوم إلى وطننا لبنان أنه مدعو أكثر من أي وقت مضى إلى رفع عينيه نحو الله وسط ما يعيشه من أزمات وتحديات. إن الحالة التي يعيشها وطننا موجعة ومؤلمة. نتألم ونحن نشاهد ما يُرسم له، ونتألم بالأكثر عندما نشعر أن مصير الناس أصبح رهينة حسابات وصراعات لا علاقة لهم بها.
فلبنان ما زال أرضًا لحروب المفروضة والمتواصلة، والأحداث تتكرر بصورة لم تعد مقبولة ولا مبررة. والمشهد نفسه يعود كل يوم بأشكال مختلفة، فيما المواطن ينتظر بارقة أمل وسط ظروف تزداد صعوبة.
وما يضاعف الوجع هو سقوط الضحايا من الأبرياء المدنيين والعسكريين. أطفال وشباب في مقتبل العمر، وآباء وأمهات وعائلات تدفع ثمن حروب لا يريدونها. كم هو مؤلم أن تموت النفوس البشرية بهذه السهولة، وأن يصبح الدم البشري مادة في نشرات الأخبار. من أجل مَن كل هذا؟ ولمن؟ وأي مكسب يمكن أن يبرر خسارة إنسان واحد؟
لقد سئم الناس لغة الحرب، وسئموا لغة التهديد، وسئموا الانتظار الطويل. لذلك نصلي لكي تنجح المفاوضات والمساعي الجارية، ولكي تنتصر لغة العقل على لغة القوة، ولغة الحوار على لغة المواجهة. وفي عيد الأب، نقول إن لبنان يحتاج إلى روح الأبوة الحقيقية: إلى مسؤولية تحمي، وإلى حكمة تجمع، وإلى ضمير يضع الإنسان أولاً.
5. زارنا الأسبوع الفائت نقيب خبراء المحاسبة المجازين في لبنان السيد إيلي عبود مع وفد من أعضاء النقابة، وشرحوا لنا واقع النقابة ومهنة التدقيق في لبنان، وطلبوا دعم بعض التعديلات التشريعية المرتبطة بحماية المهنة وتنظيمها.
إنّ هذه النقابة هي إحدى الدعائم الأساسية لحماية الاقتصاد الوطني، وصون الشفافية، وتعزيز الثقة بالمؤسسات العامة والخاصة، وتأمين الحد الأدنى من الرقابة المهنية التي يحتاجها أي نظام اقتصادي سليم. لذلك يجب المحافظة عليها وتحديث قوانينها وإيلاءها الثقة اللازمة لخير الاقتصاد اللبناني.
6. وعلى الصعيد التربوي، إنّ ما نشهده من تخبُّطٍ في هذا القطاع ينذر بنتائج سلبيّة تطال أجيالنا الصاعدة وتمسّ بالتربية النوعية في لبنان. من هنا ندعو للتمسّك بالثوابت المؤسّساتيّة التي حدّدها القانون وعدم إنشاء إداراتٍ بديلة تعرقل آليات العمل. ولا يسعنا إلّا أن نحيّي معالي وزيرة التّربية التي تسعى أن تُوفّق بين المحافظة على المستوى الأكاديمي العالي وظروف الطلاب الذين يعانون مباشرةً من الحرب والتّهجير. ولهذا نحثّ القيّمين بتصويب المسار المتعلّق بالمواقع الرّسميّة في الوزارة والتعاون والتكامل مع سعادة المدير العام من أجل خير الطلاب.
7. فلنصلِّ أيها الإخوة والأخوات: يا أبانا السماوي، بارك جميع الآباء، واعضدهم في رسالتهم، وامنح الراحة الأبدية للذين انتقلوا من بينهم إلى ديارك السماوية. بارك عائلاتنا وأبناءنا وشبابنا، واجعل بيوتنا مدارس للمحبة والإيمان والسلام. بارك لبنان، احمه من كل شر، وأوقف عنه الحروب والاعتداءات والانقسامات، وقده إلى زمن من الاستقرار والطمأنينة والازدهار. فنرفع إليك المجد أيها الآب مع الابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين.

توزيع الشهادات
وفي ختام القداس، جرى توزيع الشهادات على أربعين متخرجاً من الدفعة الخامسة لبرنامج «دبلوم الإصغاء والمرافقة العائلية»، وسط أجواء من الفرح والامتنان، في مناسبة جمعت بين تكريم الأبوة والاحتفاء برسالة العائلة والتأكيد على دورها المحوري في بناء الإنسان والمجتمع والوطن.