Search Icon

البطاقة التمويليّة من دون خطّة: نحو الانهيار الكبير

منذ 5 سنوات

من الصحف

البطاقة التمويليّة من دون خطّة: نحو الانهيار الكبير

الاحداث- كتب إيلي الفرزلي في صحيفة " الأخبار " يقول : مشروع البطاقة التمويليّة يُسوّق بوصفه المنقذ للناس. لكنّ التدقيق فيه يظهر ‏أنه بني على أرقام وتقديرات وهميّة. ولذلك، فإن مجموع ما تتضمّنه البطاقة ‏‏(137 دولاراً شهرياً لكل أسرة من أربعة أفراد) بالكاد سيكفي لإطعام ‏عائلة، فيما يتوقع منها معدّو المشروع أن تموّل معيشتهم وتنقّلاتهم وكهرباء ‏المولد والتدفئة… وكل ذلك لا يأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن رفع الدعم عن ‏المواد الأساسيّة سيعني تحليق أسعار كل السلع والخدمات، من قارورة ‏المياه إلى إيجار المسكن، مروراً بالطبابة والاستشفاء والتعليم 


لا قضية اليوم تعلو فوق قضية الدعم. "ترشيده" (أي تخفيفه) أو إلغاؤه هو الحدث الذي صار مقبولاً ممن ظلّ يرفضه ‏لأشهر طويلة. رضخ حسان دياب للأمر الواقع، ولم يعد يُعارض رفع الدعم إلا شكلياً، كأن يرفض الترشيد قبل توزيع ‏عدد معين من البطاقات التمويلية أو أن يسعى إلى زيادة قيمة البطاقة، وصولاً إلى "إنجاز" تحويل عملة البطاقة من ‏الليرة إلى الدولار، بحجة لجم التضخم. لكن هل حقاً يفترض باللبنانيين (المستفيدون من البطاقة حصراً) أن يفرحوا ‏بحصولهم على 137 دولاراً للأسرة كحد أقصى؟ هل ستكون أيامهم المقبلة أفضل بوجود بطاقة دعم تغطي جزءاً ‏يسيراً من ارتفاع الأسعار الذي سيترافق مع رفع الدعم؟ وماذا عن معالجة الانهيار المالي والنقدي، هل صار عنواناً ‏ثانوياً؟ 


صارت الحكومة المستقيلة تتحدث عن "العدالة" بوصفها غاية الدعم. لكن النقاش بالأرقام يدل على أن الأزمة ‏مستمرة، وستزداد سوءاً، كما أن ميزان العدالة لن يستوي طالما أن الترقيع هو السائد. البطاقة التمويلية هي تحديداً ‏بطاقة العبور إلى الانهيار الكبير، ما لم تترافق مع إجراءات إصلاحية جدّية تضمن استنهاض الاقتصاد مجدداً. ‏وهذا لا مفر من مروره بتأليف حكومة جديدة تضع نصب عينيها تنفيذ برنامج إصلاحي حقيقي‎. 


ترى الحكومة في مشروعها أن تقديم الدعم بالدولار من شأنه ضبط التضخم والحدّ من ارتفاع سعر الصرف (كلفة ‏البطاقة مليار و235 مليون دولار، أي ما يعادل 14.4 تريليون ليرة على سعر 12500 ليرة للدولار). لكن هذه ‏الفرضية تعوزها الإشارة إلى أن الطلب على الدولار لن يتوقف، وأن المستوردين سيستمرون في الحصول على ‏حاجتهم من الدولارات من السوق (نحو 6 مليارات دولار كانت قيمة الواردات غير المدعومة من مصرف لبنان). ‏وبطبيعة الحال، فإن المصرف المركزي لن يكون بإمكانه السيطرة على سعر الصرف ما لم يتدخل عارضاً ‏للدولار، فهل يملك القدرة على ذلك؟ وهل يمكن أن يتدخّل مستعملاً الأموال الموجودة في ما يسمّيه "الاحتياطي"؟ ‏وإذا تمكّن من فعل ذلك، فلماذا رفع الدعم أصلاً؟‎ 


ترى مصادر معنية أن الاحتياطي الفعلي لا يتجاوز 10 مليارات دولار (تضاف إليها قيمة القروض المقدمة ‏للبنوك)، ولذلك فهي تسأل: هل يريد حاكم مصرف لبنان صك براءة على صرفه الاحتياطي الإلزامي الذي فرضه ‏بنفسه على المصارف؟ أم أنه يريد من رفع الدعم رفع الأسعار بشكل كبير، بما يؤدي إلى عدم قدرة الناس على ‏الشراء، وبالتالي تخفيض الطلب على الدولار؟‎ 


لم يعد خافياً على أحد أن الانكماش الاقتصادي لن ينتهي قبل سنوات، لكن البطاقة محددة مدتها بسنة واحدة. هل ‏يمكن أن يتصوّر أحد ماذا سيحدث بعد هذه السنة؟ هل يتوقف الدعم فيسبب انفجاراً اجتماعياً، أم تعمد الحكومة إلى ‏زيادة الأجور وتأمين فرص العمل؟ هل يمكن حينها تصوّر الحد الأدنى للأجور يقارب الخمسة ملايين ليرة؟ لأن ‏ذلك يبدو مستحيلاً، فلا بديل من الأجر الاجتماعي، وهو في هذه الحالة السلع المدعومة‎.‎
‎ 
المشكلة الأكبر تتمثل في تقدير الأرقام في المشروع. اجتماعات لا تحصى عقدت لتكون النتيجة أرقاماً لا تمتّ إلى ‏الكلفة الفعلية للمعيشة بصلة. الحديث عن استبدال دعم المحروقات والمواد الغذائية بالبطاقة، يتغاضى عن عامل ‏أساسي، وهو أن إلغاء الدعم عن المواد الأساسية لا يؤثر على استهلاك هذه المواد حصراً، بل يؤثر على كل كلفة ‏الإنتاج، وعلى كلفة كل الخدمات الأساسية، من مسكن إلى طبابة واستشفاء وتعليم‎... 


دعم البنزين، على سبيل المثال، تقرر بناءً على معدل استهلاك الأسرة المكونة من 4.2 أشخاص هو 5.3 تنكات ‏شهرياً. كيف احتسب هذا المبلغ؟ وماذا لو كان الموظف يعيش خارج العاصمة ويعمل داخلها، هل حقاً يحتاج إلى ‏‏5 صفائح بنزين شهرياً فقط؟ ثم، هل حقاً يمكن للبطاقة أن تعوّض ارتفاع سعر الصفيحة من 39500 إلى 123 ‏ألف ليرة؟ يكفي على سبيل المثال، الإشارة إلى أن غالون المياه الذي تشتريه أغلب العائلات، لعدم توفر مياه ‏الشرب، يعتمد تسعيره بشكل أساسي على كلفة النقل والطاقة. وهذا الغالون ارتفع سعره قبل تخفيض الدعم إلى نحو ‏‏10 آلاف، فهل يعقل أن يصل إلى 20 أو 30 ألفاً؟‎ 
السلة الغذائية مقدّرة بـ 430 ألف ليرة شهرياً، وهذه الكلفة محتسبة من ضمن إجمالي المبلغ المتوفر في البطاقة؟ ‏لكن، هل حقاً تحتاج أسرة مؤلفة من 5 أشخاص إلى هذا المبلغ فقط لتوفير غذائها الأساسي؟ هل زار أيّ من ‏واضعي هذه التقديرات السوبر ماركت أخيراً؟ وهل قرأ أحدهم الدراسة التي أعدّها مرصد الأزمة في الجامعة ‏الأميركية، وتبيّن فيها أن كلفة الفتوش خلال شهر رمضان تصل إلى 555 ألف ليرة؟‎ 
ثم كيف يشير المشروع إلى أن كلفة اشتراك المولد للخمسة أمبير سترتفع إلى 122 ألف ليرة في حال رفع الدعم ‏بالكامل، فيما هي حالياً تتخطّى الـ 150 ألف ليرة؟ ألا يعني ذلك أن الكلفة بعد رفع الدعم أو تخفيضه، قد تصل إلى ‏‏500 ألف ليرة وحتى مليون؟‎ 


ينص الاقتراح أيضاً على تخفيض الدعم على الأدوية بنسبة 54 في المئة (من 1296 مليار دولار إلى 598 مليون ‏دولار)، ليقتصر على أدوية الأمراض المزمنة والخطيرة. يتناسى معدّو المشروع أن أغلب الأدوية هي التي ‏تُشترى من دون وصفة. فهل يعقل عندها أن يدفع رب الأسرة 100 ألف ليرة أو 200 ألف ليرة ثمناً لدواء السعال ‏أو الالتهاب على سبيل المثال؟ وهل يراعي المشروع وضع الضمان الاجتماعي؟ ألن يكون مهدّداً بالإفلاس ربطاً ‏بالأسعار المرتفعة للدواء ولكلفة الاستشفاء؟‎ 


ما سبق يشير الى أن إلغاء الدعم أو "تخفيفه" وتقديم البطاقة التمويلية بديلاً له، إذا لم يقترن بإجراءات لإعادة ‏النهوض بالاقتصاد، سيكون وصفة لتدمير ما تبقّى من قدرة للعيش في لبنان. أما حجة انخفاض الاحتياطي ‏الإلزامي، فلا تكفي لتبرير ضرب الأمان الاجتماعي للناس. مؤشرات البطالة تشير إلى 400 ألف شخص عاطل ‏عن العمل، وبالتالي فإن الحاجة إلى 5 ملايين ليرة لتأمين كلفة المعيشة للناس، يعني أن المجتمع بأكمله سيتحوّل ‏إلى ما دون خط الفقر‎. 


كل ذلك يحصل بحجة مكافحة التهريب واستفادة غير المستحقين من الدعم. ببساطة، الحكومة قادرة على تجويع ‏الناس لكنها غير قادرة على مكافحة التهريب؟ لو كانت النية متوفرة فعلاً لكان التهريب قد انخفض بشدة. ثم من قال ‏إن هذا التهريب يعود حصراً إلى انخفاض الأسعار في لبنان. المبرر الأساسي للتهريب هو العقوبات على سوريا، ‏وهذا يعني أن الحاجة إلى السلع لن تتوقف حتى لو ارتفعت الأسعار. أما عن استفادة غير المستحقين فلا يحتاج إلى ‏الكثير لمعالجته. الأنظمة الضريبية نشأت على قاعدة أن الناس متساوون أمام القانون. ولذلك، فهم بحسب مداخيلهم ‏يدفعون الضرائب لتمويل هذه المساواة. لو حصل ذلك، لكان عادياً أن يستفيد الأغنياء والفقراء من الدعم. على ‏سبيل المثال، ما هو المبرّر اليوم لعدم رفع أسعار الكهرباء للشطور العليا. حجة انتظار الكهرباء لتصبح 24 على 24 انهارت بدورها مع الانهيار الكبير.